الصين.. هل تنتهج سياسة نقدية تتماشى مع الركب العالمي

بنك الشعب الصيني يقود رحلة استكشاف عبر سياسات البنوك المركزية العالمية لإجراء تغييرات لسياسات البنك النقدية، من شأنها أن تجعل صانع السياسة النقدية الآسيوي أقرب إلى طريقة عمل نظرائه بمن فيهم الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

بلومبرج نقلت عن مسئول آسيا والمحيط الهادئ في "ناتيكسيس" جاري أنج أن الصين قد تكون بصدد إحداث تغييرات كبيرة في سياستها النقدية، حيث أن هناك إشكاليتين يتعين على مسؤولي السياسية النقدية إيجاد حلول لها، أولها وجود أكثر من سعر للفائدة، إضافة إلى اتباع بكين سياسة تيسيير نقدي.

خطوة جريئة يتجه إليها بنك الشعب الصيني بدراسته استخدام سعر فائدة رئيسي واحد قصير الأجل والبدء في تداول السندات مثل الاحتياطي الفيدرالي.

"بنك الشعب الصيني" يستخدم حتى الآن عدة أسعار للفائدة، وتشمل قرض السياسة النقدية لمدة عام واحد للبنوك التجارية، وهو ما يحظى بمتابعة واسعة النطاق، وآلية الإقراض متوسطة الأجل، وسعر إعادة الشراء العكسي لمدة سبعة أيام، وهو قرض أقصر أجلا في السياسة النقدية.

ولتحقيق هذا التحول، سيحتاج بنك الشعب الصيني إلى اعتماد سعر واحد فقط للفائدة الأساسية ومن المتوقع على نطاق واسع أن يكون ذلك السعر هو سعر إعادة الشراء العكسي لمدة سبعة أيام، وهي أداة يومية تسمح للبنوك بالاقتراض من "بنك الشعب الصيني" مقابل ما بحوزتها من السندات.

مراقبون يرون أن تأثير أسعار الفائدة لا يقتصر فقط على نمو الاقتصاد، وإنما يرتبط أيضا بتقلبات سعر الصرف وتخارج رؤوس الأموال إلى جانب تأثيرات أخرى.

تداول السندات من شأنه أن يمنح البنك المركزي الصيني أداة جديدة تعتبر أكثر فعالية في إدارة السيولة من أدواته الحالية، بما يعزز قدرته على توفير التمويل اللازم لتعزيز الإنفاق الاستثماري، خاصة مع التحديات التي تواجهها السلطات المحلية.

خبراء يقولون إن الاتجاه الذي مازال قيد الدراسة يمكن أن يؤثر على سوق السندات الحكومية الصينية بما يجعلها أكثر جاذبية للتداول، وهو ما سيسمح لبنك الشعب الصيني بالتدخل وإدارة السيولة.

بدون آلية إصلاحية لحركة رأس المال، فإن الصين ستظل تجد صعوبة في زيادة تنافسيتها مع أماكن أخرى حول العالم وذلك
على الرغم من أن هناك الكثير من المستثمرين الأجانب المهتمين بالصين.

منذ عقود.. تلوح الخطوة الجريئة في أفق بنك الصين، إذ يقود محافظ البنك المركزي بان جونج شنج تلك المؤسسة لاستكشاف التغييرات التي يمكن أن تجعلها أقرب إلى طريقة عمل أقرانها في العالم، بما في ذلك الاحتياطي الفيدرالي.

ثمة اختلافات جوهرية بين بنك الشعب ونظرائه الغربيين، مثل عدم استقلالية البنك عن الحكومة، واستمرار معارضة الصين لسياسة التيسير الكمي، وتمثل هذه التحولات الخطوة التالية في رحلة بدأت في تسعينيات القرن الماضي بالاعتماد على قوى السوق بدلا من الكوادر الشيوعية في إدارة تكاليف الاقتراض.

وعلى مدى عقد مضى، اعتمد بنك الشعب على إقراض البنوك – ويشمل الإقراض من خلال آلية القروض متوسطة الأجل – بالإضافة إلى خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي، مما يطلق الأموال من أرصدة الاحتياطي للبنوك حتى تقوم بإقراضها أو استثمارها.

ولدى البنك هدف عام من التوسع في النقود المعروضة والائتمان الممنوح كل عام، وهو أن يتناسب ذلك مع هدف النمو الاقتصادي الأسمي الذي يبلغ نحو 8% هذا العام.

بحسب اقتصاديون، فإن تعدد أسعار الفائدة يؤدي إلى فوضى في إشارات السياسة النقدية ومن النتائج المترتبة على ذلك أن أسعار الفائدة في السوق انحرفت بشكل كبير عن أسعار الفائدة الأساسية للسياسة النقدية.

على سبيل المثال، فإن سعر الفائدة الأساسي على القروض الممتازة، الذي بدأ تطبيقه في عام 2019، والذي يفترض أن يعكس ما تتقاضاه البنوك التجارية من أفضل عملائها مقابل القروض، أصبح عاجزا عن ذلك بشكل متزايد.

بكين دعمت قيمة اليوان للتحكم بمستوى تراجعه، بعدما أدت زيادة قوة الدولار الأمريكي على نطاق واسع إلى اقتراب العملة الصينية من مستوى الخطر وحدد بنك الشعب السعر المرجعي اليومي للعملة.

متوسط سعر الفائدة على القروض الجديدة انخفض بوتيرة أسرع بكثير من سعر الفائدة الأساسي على القروض الممتازة في السنوات الأخيرة وذلك لأن حركة سعر الفائدة الأساسي للقروض الممتازة مقيدة بسعر الفائدة في آلية الإقراض متوسطة الأجل، والذي يتخوف "بنك الشعب الصيني" من خفضه بهدف حماية عملة البلاد في مواجهة قوة الدولار.

ونظرا لأن اقتراض البنوك من بعضها البعض أرخص حاليا من اقتراضها من البنك المركزي عبر أرصدة آلية الإقراض متوسطة الأجل، فقد تراجع طلبها على الاقتراض من هذه الأرصدة.

البنك المركزي في ثاني أكبر اقتصاد بالعالم يواجه مأزقا مماثلا مع وسيلة أخرى أساسية في السياسة النقدية تسمى الإقراض التكميلي، أو تقديم قروض مباشرة للبنوك مقابل ضمانات.

عدم التوافق بين أسعار الفائدة الأساسية لدى البنك مثل سعر الفائدة في آلية الإقراض متوسطة الأجل وسعر الفائدة على الإقراض التكميلي وأسعار الفائدة في السوق، أدى إلى انكماش الميزانية العمومية للبنك المركزي، مما أدى إلى تعقد المعركة ضد الانكماش في الصين، وإضعاف فعالية التواصل في سياسة البنك المركزي.

بنك الشعب الصيني يحتاج إلى مساعدة السوق على الاعتراف بسعر واحد فقط للفائدة الأساسية.. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يكون ذلك السعر هو سعر إعادة الشراء العكسي لمدة سبعة أيام.

استهداف سعر أساسي واحد فقط يقترب بالبنك خطوة نحو الطريقة التي تعمل بها البنوك المركزية الرئيسية الأخرى، فعلى سبيل المثال، يستخدم بنك "الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي" عمليات السوق المفتوحة للتأثير على تكلفة القروض قصيرة الأجل بين البنوك، وتنتقل التغييرات عبر المعاملات إلى تكلفة القروض على المنازل والشركات والمنتجات المالية.

من شأن تداول السندات أن يمنح البنك المركزي الصيني أداة جديدة أكثر فعالية في إدارة السيولة من أدواته الحالية، لأنها تؤثر على قطاع أوسع من المشاركين في السوق.

البنك يستطيع أن يستخدم طريقة أكثر مرونة، وذلك على النقيض من آلية الإقراض متوسطة الأجل، التي تعتمد على مدى إقبال البنوك عليها، ولا تستخدم إلا مرة واحدة في الشهر.. ومن شأن ذلك أيضا أن يعزز قدرة البنك المركزي على مساعدة الحكومة على جمع الأموال لتمويل الاستثمار وغيره من أوجه الإنفاق لدعم الاقتصاد.

الحكومة تحتاج إلى ذلك الآن إذ أصبحت الموارد المالية لدى السلطات المحلية محدودة على نحو متزايد، مما يحد من قدرتها على مساعدة الاقتصاد الذي يواجه تحديات الانكماش وأزمة العقارات غير أن الصين لا تزال مترددة حيال سياسة التيسير الكمي.

ورغم ذلك فإن الإصلاح لن يعالج بالضرورة التحديات الفورية التي يواجهها الاقتصاد، مثل أطول سلسلة انكماش منذ تسعينيات القرن الماضي، وواقع أن الطلب على الاقتراض لا يزال بطيئا ولن يحل مشكلة الأهداف المتعددة والمتنافسة في بعض الأحيان عند بنك الشعب الصيني الذي يواجه عراقيل أمام خفض أسعار الفائدة بسبب هدف تحقيق الاستقرار في سعر اليوان.

الهدف طويل الأجل في توحيد الفائدة يتمثل في تخصيص أكثر كفاءة للائتمان ورأس المال في المجالات الأكثر إنتاجية في الاقتصاد، مما يعني تخفيض إهدار الديون. ويمكن لذلك أن يعطي دفعة لفرص النمو الاقتصادي، وهو أمر ضروري في ظل تصاعد الرياح المعاكسة على المدى الطويل مثل شيخوخة السكان والتوترات التجارية العالمية.

البنك لا يزال في دراسات حيث من غير المرجح أن تطبق التغييرات المقترحة سريعا ويتجه البنك إلى أن حدوث تداول السندات بشكل تدريجي.

 

 

 

ايمان صلاح

ايمان صلاح

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مضيق هرمز .. حرب النفط والعقوبات/رئيسية الاخبار
ارتفاع البورصة
البورصة المصرية
البورصة المصرية
البورصة
جهاز
الرسوم الجمركية
البنك المركزي الروسي

المزيد من تقارير اقتصاد

سيناريوهات تأثر الاقتصاد بالحرب في الشرق الأوسط

في ظل تصاعد التوترات واحتمالات اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط، تتزايد المخاوف من تداعيات اقتصادية قد تتجاوز حدود المنطقة...

لماذا تعد ممرات الطاقة شرايين للاقتصاد العالمي؟

تعطيل العمل بمضيق هرمز على وقع الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أربك العالم وقفز بأسعار النفط والغاز فلماذا يؤتي...

اكتشافات أثرية وحملات ترويجية لمصر.. أبرز أنشطة السياحة والآثار في أسبوع

دعم الجهود المبذولة لإبراز الهوية الثقافية والحضارية لمصر، والتواصل المباشر مع الشركاء الدوليين وبحث آفاق أوسع للتعاون بما يسهم في...

64 مليار جنيه مكاسب سوقية لأسهم مصر في أسبوع

خلال الأسبوع الثاني من مارس قاربت مكاسب أسهم مصر السوقية 64 مليار جنيه بدعم من نشاط 10 قطاعات.