موازنة 2024.. وأزمة جديدة أمام اقتصاد لبنان

بالكاد استطاع مجلس النواب اللبناني تمرير مشروع قانون الموازنة لعام 2024 ضمن المهلة الدستورية.. إلا أن بيروت تجاوزت أزمة لتصطدم بأخرى.

مشروع الموازنة التي ووقعها رئيس مجلس النواب نبيه بري من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ بتوقيع رئيس مجلس الوزراء عليها حيث يتولى صلاحيات رئيس الجمهورية في ظل الفراغ الرئاسي اعادت البلاد إلى أزمة الطاقة مرة أخرى.

الموازنة تضمنت فرض ضريبة استثنائية على الشركات التي استفادت من دعم مصرف لبنان لقطاعات أساسية كالأدوية، والدقيق والمواد الغذائية، والمحروقات.

الضريبة الجديدة أثارت حفيظة المستوردين وأعلنت شركات استيراد النفط التوقف القسري عن الإستيراد وتسليم المواد النفطية ما أدى إلى تهافت المواطنين على محطات الوقود والغاز خوفا من إنقطاعهما ما أعاد الى الشارع مشاهد عام 2021 إلا أن الأمور عادت وتبلورت وتقرّر ان الضريبة ستفرض على الأرباح الإستثنائية، وليس على مجمل الأرباح.

الحكومة ترى في هذه الضريبة حق للدولة حيث تفرض بأثر رجعي عن أعمال تجارية استفادت من دولارات مدعومة، ما يجعل من المنطقي استعادة جزء من الأرباح الضخمة التي جنتها الشركات والقطاعات.

ورغم عدم وجود أرقام دقيقة عن ما ستدخله هذه الإيرادات لخزينة الدولة، لكن أرقام الاحتياطي الذي كان يملكه مصرف لبنان تعطى مؤشرات عن حصيلة تلك الضرائب.. في بداية أزمة عام 2019، بلغ الاحتياطي نحو 32 مليار دولار، أما اليوم يبلغ نحو 9 مليارات دولار، والفارق يبلغ نحو 21 مليار، ذهبت منه تحويلات بنحو 8 إلى 9 مليارات دولار، وخسارة فرق سعر صيرفة والسوق السوداء بقيمة ملياري دولار، ليتبقى حوالى 10 مليارات دولار صرفت على دعم المواد الاستهلاكية.

تتصاعد المطالبات بتحويل ملفات الشركات التي استفادت من منصة صيرفة إلى التفتيش المالي الذي سيدقق ما إذا كانت الشركات حقّقت أرباحاً، أو تم تهريبها إلى الخارج أو بيعت البضاعة فعلاً بالسعر المدعوم و ليس بسعر السوق السوداء لإنصاف الشركات التي تعمل تحت سقف القانون ومحاسبة تلك الخارجة عنه لصالح خزينة الدولة.

البرلمان اللبناني أقر مشروع قانون الموازنة بعد إدخال تعديلات عليه، وسط انتقادات بأن مشروع القانون تجاهل تضمين إصلاحات حاسمة من شأنها أن تساعد البلاد على الخروج من الانهيار المالي الذي دمر القطاع العام منذ ما يقرب من خمس سنوات.

مشروع الموازنة جاء بعد ثلاثة أيام من الخلافات والتي شملت عدة مشاحنات في قاعة البرلمان مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، مما سلط الضوء على الانقسامات العميقة التي أصابت السياسة اللبنانية بالشلل وأطالت أمد الفراغ الرئاسي المستمر منذ أكثر من عام.

الموازنة، التي تم تعديلها على مدار أشهر من النسخة التي قدمها ميقاتي إلى مجلس النواب، تضمنت زيادة كبيرة في إيرادات الدولة المكتسبة من خلال ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية.

وتضمنت أيضا إجراءات تستهدف على كل من حقق مكاسب خلال الأزمة المالية في لبنان، من خلال تغريم الشركات التي استفادت بشكل غير عادل من منصة صرف العملات السابقة للمصرف المركزي والتجار الذين استخدموا دعم المصرف للواردات لتحقيق أرباح.

اقتصاد لبنان بدأ دوامة الانهيار عام 2019، حيث فقدت الليرة حوالي 95 بالمئة من قيمتها، ومنعت البنوك معظم المودعين من سحب مدخراتهم وبات أكثر من 80 % من السكان تحت خط الفقر.. وقدرت الحكومة إجمالي خسائر القطاع المالي بأكثر من 70 مليار دولار.

المصالح الشخصية والصراع على السلطة بين النخب السياسية والاقتصادية قوض الإصلاحات الرئيسية التي طلبها صندوق النقد الدولي لتقديم حزمة مساعدات بقيمة ثلاثة مليارات دولار للبنان وتشمل هذه الإصلاحات إقرار تشريعات لحل أزمة لبنان المصرفية وتوحيد أسعار الصرف لليرة اللبنانية.

الصندوق حث لبنان على النظر في زيادة الإنفاق الاجتماعي بهدف حماية الفئات الأكثر ضعفا، وقال العام الماضي إن بيروت مهددة بالسقوط في أزمة لن تنتهي حال عدم تنفذ إصلاحات سريعة.

مسودة موازنة 2024 قدرت سعر صرف قدره 89 ألف ليرة لبنانية للدولار في معظم الحسابات، بينما حددت حسابات أخرى بسعر 50 ألف ليرة.

مصرف لبنان حدد العام الماضي سعر الصرف الرسمي للعملة من 1500 ليرة، وهو سعر ربط الليرة بالدولار الذي استمر عقودا، إلى 15 ألف ليرة مقابل الدولار.

أعضاء في مجلس النواب الذين تحفظوا على المشروع قالوا إن استخدام أسعار صرف مختلفة في الموازنة سيعطي انطباعا بأن الدولة تكسب أكثر مما يحدث في الواقع حيث سجلت الموازنة عجزا محسوبا بنسبة 0%، مع تساوي النفقات تماما مع الإيرادات.

مؤسسة مبادرة سياسات الغد البحثية نشرت في ورقة بحثية أن مشروع الموازنة يؤدي إلى إثقال كاهل الأسر متوسطة ومنخفضة الدخل بشكل غير متناسب مقارنة بالأسر الغنية من خلال خفض حد دفع ضريبة القيمة المضافة بالنسبة للشركات وتقديم إعفاءات ضريبية للشركات الكبرى.

من أبرز الانتقادات للموازنة كيفية معالجة الدين العام وإعادة هيكلته، وهو يتجاوز 100 مليار دولار، فإنها لم تتناول أيضا إجراءات تساعد بمعالجة خسائر الجهاز المصرفي، والذي قدره لبنان رسميا في 2021 بنحو 70 مليار دولار. ورمى البرلمان عند إقرار موازنة 2024 مسؤولية إعادة تحديد سعر صرف الودائع على حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري.

الموازنة ركزت على تعزيز إيراداتها من الضرائب غير المباشرة، حيث ارتفعت عشرات الأضعاف بالليرة لتتماشى مع سعر صرف الدولار بالسوق السوداء وطالت معظم المعاملات الأساسية للمواطنين، مثل الرسوم ومختلف ضرائب الاستهلاك والخدمات العامة.

الموازنة فرضت كذلك غرامات استثنائية بنسبة 17% على المستفيدين من منصة "صيرفة" من غير الأفراد، كان لافتا إقرار البرلمان لرفع الضريبة المفروضة على شركات الأموال من 17 إلى 25% إضافة إلى فرض ضريبة على إيرادات رؤوس الأموال المنقولة مثل السندات والأسهم، التي يملكها مقيمون خارج لبنان.

التصحيح الضريبي لم يأت ضمن خطة إصلاحية ورؤية مالية بل هي رؤية محاسبية لتغطية الحد الأدنى من النفقات بالحد الأدنى من الواردات وارسلت الحكومة الموازنة بسلة ضريبية ضخمة، ثم أجرى البرلمان بعض التعديلات عليها.

إقرار مشروع الموازنة من جانب البرلمان اللبناني جاء وسط عثرات ضخمة من انهيار اقتصادي وتصعيد ينذر بحرب في الجنوب ما يزيد من التحديات أمام لبنان.

ايمان صلاح

ايمان صلاح

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

البورصة المصرية
مضيق هرمز .. حرب النفط والعقوبات/رئيسية الاخبار
ارتفاع البورصة
البورصة المصرية
البورصة المصرية
البورصة
جهاز
البنك المركزي الروسي

المزيد من تقارير اقتصاد

المالية: مصر قادرة على النفاذ لأسواق التمويل الدولية رغم التوترات الجيوسياسية

قامت وزارة المالية بتوفير تمويل بقيمة إجمالية قدرها مليار دولار، في إطار التعامل الاستباقي مع الأزمة الناتجة عن التوترات الجيوسياسية...

الإمارات تغادر أوبك.. وسوق النفط يترقب سيناريوهات المستقبل

في تحول استراتيجي لافت، أعلنت الإمارات العربية المتحدة انسحابها من منظمة أوبك، منهيةً عقودًا من التنسيق داخل أحد أبرز التكتلات...

النقل المستدام.. تجارب رائدة بمصر والعالم نحو مستقبل منخفض الانبعاثات

دور النقل المستدام في الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة.. كان محور تحليل جديد أصدره مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس...

وارش.. مرشح ترامب يقترب من رئاسة الفيدرالي

يقترب المرشح كيفين وارش من تولي رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، خلفًا للرئيس الحالي جيروم باول، في وقت يواجه فيه الاقتصاد...