التوازن بين الحياة المهنية والأسرية للمرأة.. معادلة ممكنة وليست مستحيلة

كثيرا ما يطرح سؤال التوازن بين العمل والأسرة وكأنه صراع دائم لا ينتهي، خاصة بالنسبة للمرأة، هل تنجح في مسيرتها المهنية دون أن تقصر في بيتها؟ هل تستطيع أن تكون حاضرة في تفاصيل أسرتها دون أن تتراجع طموحاتها؟ الحقيقة أن التوازن ليس حالة ثابتة نصل إليها ثم نستقر، بل هو عملية مستمرة من الوعي والتنظيم وإعادة الترتيب. وهو أيضا قرار يومي يتجدد، يتطلب شجاعة في الاختيار وصدقا مع النفس في تقييم ما يمكن احتماله وما ينبغي تعديله.

أولا: التوازن لا يعني التقسيم بالتساوي

أحد أكبر المفاهيم الخاطئة هو الاعتقاد بأن التوازن يعني توزيع الوقت بنسبة 50% للعمل و50% للأسرة، الواقع مختلف؛ فهناك فترات يتطلب فيها العمل جهدا أكبر، وأخرى تحتاج فيها الأسرة حضورا أعمق، السر ليس في التساوي، بل في المرونة وإدارة الأولويات بحسب المرحلة، أحيانا يكون التوازن في قبول الاختلال المؤقت، مع وجود نية واعية لإعادة الضبط عند أول فرصة ممكنة، دون جلد للذات أو شعور دائم بالتقصير.

ثانيا: وضوح الأولويات يقلل الشعور بالذنب

الشعور بالتقصير هو أكثر ما يرهق المرأة العاملة. الحل لا يكون بمحاولة إرضاء الجميع طوال الوقت، بل بتحديد أولويات واضحة:
* ما الأمور غير القابلة للتنازل في أسرتك؟
* ما الأهداف المهنية التي تسعين لتحقيقها خلال هذا العام؟
* ما الذي يمكن تأجيله أو تفويضه؟

وعندما تكون الرؤية واضحة، يقل التشتت ويخف الضغط الداخلي. كما أن كتابة هذه الأولويات ومراجعتها دوريا يساعد على تثبيت البوصلة، حتى لا تستهلكك التفاصيل الصغيرة وتبعدك عن الصورة الكبرى لحياتك.

ثالثا: جودة الوقت أهم من كثرته

قد لا تتمكنين من قضاء ساعات طويلة يوميا مع أسرتك، لكن يمكنك جعل الوقت المتاح أكثر عمقا وتأثيرا.
إغلاق الهاتف أثناء الجلوس مع أطفالك، تخصيص وقت أسبوعي لنشاط عائلي، أو حتى حوار صادق قبل النوم.. هذه التفاصيل الصغيرة تصنع فارقا كبيرا. فالأطفال لا يتذكرون عدد الساعات بقدر ما يتذكرون الإحساس بالأمان والاهتمام. والحضور الذهني الصادق يمنحهم شعورا بالقيمة والانتماء.

رابعا: طلب الدعم ليس ضعفا

التوازن مسؤولية مشتركة، وليس عبئا فرديا. مشاركة الشريك في المسؤوليات المنزلية، الاستعانة بمساعدة خارجية عند الحاجة، أو حتى تنظيم الأدوار بين أفراد الأسرة، كلها حلول عملية تخفف الضغط وتمنحك مساحة للتنفس. كما أن بيئة العمل الداعمة، التي تتفهم طبيعة المسؤوليات الأسرية، تلعب دورا مهما في تعزيز هذا التوازن، الحوار الصريح مع الإدارة حول حدود الوقت والالتزامات قد يكون خطوة شجاعة لكنها ضرورية.

خامسا: لا تنسي نفسك

وسط العمل والأسرة، قد تختفي احتياجاتك الشخصية. لكن إهمال الذات يؤدي إلى الإرهاق وفقدان الشغف، خصصي وقتا لنشاط تحبينه، لممارسة الرياضة، أو حتى للهدوء والتأمل، القراءة، المشي، الكتابة، أو لقاء صديقة قريبة… كلها مساحات تعيد شحن طاقتك، عندما تعتنين بنفسك، تصبحين أقدر على العطاء في كل الجوانب، لأن العطاء المستمر دون تجديد يتحول مع الوقت إلى استنزاف.

سادسا: ضعي حدودا واضحة

في زمن الاتصال الدائم، قد يمتد العمل إلى البيت بلا توقف. من المهم تحديد أوقات للرد على الرسائل المهنية، وأوقات مخصصة للعائلة فقط. هذه الحدود تحميك من الاحتراق الوظيفي وتحافظ على استقرار حياتك الأسرية. كما أنها تعلّم من حولك احترام وقتك ومساحتك الخاصة، وتمنحك إحساسا بالتحكم في يومك بدل الشعور بأنكِ في سباق دائم.

سابعا: تقبل فكرة "الكفاية" بدل الكمال

السعي للكمال في كل الأدوار قد يحول الحياة إلى عبء ثقيل، ليس مطلوبا أن يكون كل شيء مثاليا طوال الوقت، أحيانا يكفي أن يكون البيت مرتبا بالقدر المقبول، والعمل منجزا بالجودة المناسبة، والأبناء مطمئنين ومحبوبين، مفهوم "الكفاية الجيدة" يحررك من ضغط الصورة المثالية، ويفتح المجال لحياة أكثر واقعية وهدوءا.

ثامنا: أعيدي تعريف النجاح لنفسك

المجتمع قد يضع معايير جاهزة للنجاح، لكن نجاحك الحقيقي هو ما يتوافق مع قيمك وظروفك. قد تختارين تقليل ساعات العمل في مرحلة معينة، أو تأجيل ترقية، أو على العكس قد تكثفين جهدك المهني بدعم أسرتك، لا يوجد نموذج واحد صحيح للجميع، المهم أن يكون اختيارك واعيا، نابعا منك، لا مفروضا عليك.

خلاصة القول

التوازن بين الحياة المهنية والأسرية ليس وصفة جاهزة تنطبق على الجميع، بل تجربة شخصية تتشكل وفق ظروف كل امرأة، قد تمرين بمراحل تشعرين فيها بالضغط، وأخرى يسودها الانسجام.

المهم أن تبقي واعية باحتياجاتك وأهدافك، وأن تسمحي لنفسك بإعادة ترتيب الأولويات كلما تطلب الأمر.

النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بالترقيات والإنجازات، ولا بعدد الساعات التي تقضينها في المنزل، بل بقدرتك على بناء حياة متكاملة تشعرين فيها بالرضا عن نفسك وعن اختياراتك، وعندما يتحقق هذا الرضا الداخلي، يصبح التوازن ممكنا.. لا مثاليا، لكنه إنساني، واقعي، وقابل للاستمرار.

عصام محيي

عصام محيي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير منوعة

في اليوم العالمي للدب القطبي.. جرس إنذار لحماية "ملك القطب الشمالي"

صرخة  استغاثة سنوية يطلقها العالم في 27 فبراير من كل عام احتفالا بـ"اليوم العالمي للدب القطبي"، في  مناسبة بيئية تنظمها ...

التوازن بين الحياة المهنية والأسرية للمرأة.. معادلة ممكنة وليست مستحيلة

كثيرا ما يطرح سؤال التوازن بين العمل والأسرة وكأنه صراع دائم لا ينتهي، خاصة بالنسبة للمرأة، هل تنجح في مسيرتها...

في اليوم العالمي للغة الأم.. الشباب يرسم مستقبل التعليم متعدد اللغات

لغة القلوب.. وأول لغة يتعلمها الفرد في مرحلة الطفولة من والديه ومحيطه الأسري، فتنمو معه وتصبح جزءا رئيسيا من هويته...

"التريندات".. قوة مؤثرة في تشكيل الوعي المجتمعي وتوجيه السلوك العام

مع تسارع وتيرة التحول الرقمي واتساع استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، برزت ظاهرة التريندات (trends) بوصفها إحدى السمات الأبرز للمجال...


مقالات

"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م
شارع المعز لدين الله
  • الخميس، 26 فبراير 2026 09:00 ص
بئر يوسف
  • الأربعاء، 25 فبراير 2026 09:00 ص