ففي مبادرة قادتها توجو بدعم من الاتحاد الأفريقي وفرنسا.. ووسط ترحيب واسع وانتقاد أمريكي حاد.. اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك قرارا يهدف إلى تحسين رسم الخرائط العالمية العائدة للحقبة الاستعمارية لتكون أكثر تماشيا مع الحجم الحقيقي للقارات، مع توسيع حجم قارة أفريقيا وتضييق مساحة الولايات المتحدة.
كانت الأمم المتحدة قد دعت مؤخراً إلى استبدال خريطةٍ أخرى بخريطة العالم السائدة، لتعكس على نحو أدق الأحجام الحقيقية للقارات، ومنها أفريقيا.
ويهدف قرار "تصحيح الخريطة"، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى معالجة الخلل في خريطة مركاتور، التي تظهر فيها القارة الأفريقية بحجم يقارب جرينلاند، مع أنها أكبر منها بنحو 14 مرة في الواقع.
ويحث القرار الدول والمنظمات الدولية على استخدام رسوم للخرائط من نوع "إسقاط المساواة في الأرض الخرائطي" والتخلّي في المقابل عما يعرف بـ"إسقاط مركاتوري" نسبة إلى العالم ورسام الخرائط جيراردوس مركاتوري الذي ابتكر هذه المنهجية سنة 1569 لحل مشكلة عملية في الملاحة البحرية.
وبما أن الخطوط المستقيمة على خريطته تطابق اتجاهات البوصلة الثابتة، فقد تمكّن البحارة من استخدامها لرسم مساراتهم... لكن الحفاظ على الاتجاه جاء على حساب المساحة، وتبدو الكتل الأرضية أكبر حجماً كلما ابتعدت عن خط الاستواء، مما يجعل جرينلاند تبدو بحجم مماثل تقريباً لأفريقيا رغم أن مساحة الأخيرة أكبر بنحو 14 مرة.
القرار الأممي
أيد القرار 164 دولة مقابل اعتراض واحد للولايات المتحدة وامتناع 6 أعضاء عن التصويت، في خطوة وصفتها واشنطن بأنها "تقوض مصداقية" المنظمة.
واعتمد القرار خريطة جديدة تُعرف باسم إسقاط الأرض المتساوية، وهي تمثّل الأحجام الحقيقية للكتل اليابسة بصورة أدق، وإن كانت تنطوي بدورها على بعض أوجه القصور.
وشهدت السنوات الماضية محاولات بارزة عدة لحل معضلة تمثيل سطح كروي بدقة على مستطيل مسطح، ولكل منها مزاياها وعيوبها.
خريطة ميركاتور
ظهر إسقاط مركاتور في القرن السادس عشر، وأدى دوراً حيوياً في الملاحة البحرية.
ابتكر رسام الخرائط الفلمنكي جيراردوس مركاتور عام 1569 الخريطة التي تحمل اسمه، والتي لا تزال واسعة الانتشار حتى اليوم.
وكان الغرض الأساسي منها مساعدة البحارة الأوروبيين على الإبحار في المحيطات، بحسب ما أوضحه أستاذ رسم الخرائط في كلية لندن الجامعية، جيمس تشيشاير.
وقال تشيشاير : "كان يريد للخط المستقيم المرسوم على الخريطة أن يبدو مستقيماً في الواقع عند اتباع اتجاه ثابت للبوصلة. هذا هو الغرض الذي صُممت من أجله، وهي تؤديه ببراعة".
وللحفاظ على صحة هذه الزوايا على خريطة مسطحة، اضطر مركاتور إلى توسيع المسافات بين خطوط الشبكة كلما ابتعدت عن خط الاستواء في اتجاه القطبين.
يميل خريطته مع انحناء الأرض بطريقة تجعل البلدان القريبة من خط الاستواء تبدو أصغر كثيراً مقارنةً بحجمها الحقيقي، في حين تبدو البلدان الأقرب إلى القطبين ممدودة وأكبر حجماً.
وينشأ هذا التشوّه من استحالة تمثيل سطح الكرة الأرضية بدقة كاملة على خريطة ثنائية الأبعاد.
وبعد أكثر من 450 عاماً، لا يزال ابتكار مركاتور أساساً لكثير من الخرائط التي نراها في الفصول الدراسية وعلى شاشات التلفزيون وعبر الإنترنت، ومنها خرائط جوجل.
لكن منتقدي خريطة مركاتور يقولون إن رؤية بعض الأماكن أصغر من حجمها الحقيقي وأخرى أكبر منه تُحدث أثراً نفسياً، لأننا نميل غريزياً إلى اعتبار الأشياء الأكبر حجماً أكثر أهمية.
ويرى الجغرافي الكيني كيوكو مويندو أن هذا التصوير قلّل ضمناً من شأن موارد أفريقيا الهائلة وعدد سكانها والفرص الاستثمارية فيها.
وقال: "الخرائط ليست مجرد أدلة يستعين بها المسافرون، بل تسهم في تشكيل نظرتنا إلى المناطق سياسياً واقتصادياً".
تشوهات خرائط مركاتوري وأثرها الرمزي
أشار قرار الجمعية العامة إلى أن هذه التشوّهات ساهمت في "التصغير الرمزي" لأفريقيا وأدامت نظرة غير متوازنة للعالم. وقال وزير خارجية توجو روبير دوسي في خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة "الخرائط تشكّل فهمنا للعالم... هي توجّه التعليم وتغذّي الخيال وتؤثّر على المدركات الجماعية.
وهي ليست حيادية، فعندما تقدّم صورة مشوّهة عن كوكبنا، فهي قد تديم تصوّرات خاطئة تُنقل من جيل إلى آخر". وأكد دوسي أن المبادرة "لا تستهدف أي دولة أو حضارة أو تقليد معيّن في الخرائط" لكنها "تسترشد بطموح عالمي لتعميق معرفة قائمة على الدقّة العلمية واحترام الحقيقة والمساواة في الكرامة بين الشعوب".
خريطة الأرض المتساوية
خريطة العالم وفق إسقاط الأرض المتساوية
وتهدف خريطة الأرض المتساوية إلى تمثيل مساحات الكتل اليابسة على نحو أكثر إنصافاً، و معالجة مشكلة التشوّه في إسقاط مركاتور.
وطوّرها فريق من رسامي الخرائط عام 2018 لتمثيل أحجام الكتل اليابسة وأشكالها بصورة أدق. واستُلهمت من إسقاط روبنسون لعام 1963، وهو خريطة تُظهر سطح الكرة الأرضية بأكمله في صورة واحدة.
واعتمدت الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي خريطة الأرض المتساوية في فبراير.
لكنها تتخلى عن الخطوط المستقيمة التي جعلت إسقاط مركاتور مثالياً للملاحة، كما لا تصلح لقياس المسافات الحقيقية بين الأماكن المختلفة.
وقال تشيشاير: "يمكنك الحفاظ على المساحة، أو الشكل، أو المسافة والاتجاه، لكن لا يمكنك الحفاظ عليها جميعاً بدقة تامة في آن واحد، وإلا عدت إلى الشكل الكروي".
موقف واشنطن المعارض
واعتبرت ممثلة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة يارينا فيرينسيفيتش أن "قرارات كهذه والأجندات الإيديولوجية التي تروّج لها تقوّض عمل هذه المؤسسة وتؤدّي إلى فقدانها مصداقيتها"، مضيفة "بدلاً من التركيز على الرهانات الفعلية للسلام في العالم والازدهار وحسن العلاقات بين البلدان، تناقش هذه الهيئة مشاريع لخرائط تعود للقرن السادس عشر".
توجو: تغيير الخرائط في المدارس هذا العام
قال وزير خارجية توجو روبير دوسي لرويترز إن خريطة مركاتوري لا تزال تستخدم على نطاق واسع في الفصول الدراسية، لكن توجو تأمل في تعديل مواد الجغرافيا المدرسية لديها بحلول نهاية العام، لتكون أول دولة تغير كتب الجغرافيا الخاصة بها وتقدم مثالاً يحتذى به.
وأوضح أن توجو ستضغط على حكومات أخرى ومدارس ومنظمات دولية وشركات تكنولوجيا للتخلي عن إسقاط مركاتوري المستخدم منذ قرون، مضيفا أن إسقاط "إيكوال إيرث" يوفر "أفضل تصور" للعالم.
وأشار إلى أن المناقشات بشأن الخطوات المقبلة يجب أن تشمل الشركات التي تدير الخرائط وأنظمة تحديد المواقع (جي.بي.إس) وغيرها من التقنيات القائمة على تحديد المواقع.
وربط دوسي الحملة الرامية إلى اعتماد الخريطة الجديدة بالجهود الأفريقية الأوسع لمواجهة إرث الحقبة الاستعمارية، مؤكدا في الوقت نفسه أنها لا تستهدف أوروبا أو أي حضارة أخرى، وقال إن الانتشار الواسع لخريطة مركاتوري يعد أحد نتائج الحقبة الاستعمارية، مضيفاً "العالم يتغير، وأفريقيا أيضا تتغير".
وأكدت وزارة خارجية توجو أن القرار غير ملزم قانونا، كما أنه "لا يشكك بأي شكل في استخدام إسقاط مركاتوري للملاحة البحرية والجوية، التي لا يزال مناسبا لها تماما".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ففي مبادرة قادتها توجو بدعم من الاتحاد الأفريقي وفرنسا.. ووسط ترحيب واسع وانتقاد أمريكي حاد.. اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة...
بالتزامن مع ذكرى استقلال أوكرانيا.. ورغم تهديدات روسيا.. تعهد داعمو أوكرانيا الأوروبيون، في اجتماعهم الاثنين، مواصلة تقديم مساعداتهم العسكرية والمالية...
تصعيد جديد بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية يثير انتقادات دولية، فقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على رئيستها القاضية اليابانية توموكو...
خطة سلام غزة تصطدم برفض إسرائيلي.. وحماس تتمسك وتؤكد التزامها ومصر تطالب بالتنفيذ.. فقد تصاعد الخلاف بشأن تنفيذ المرحلة الثانية...