"الفيتو الأمريكي".. يبدد حلم إقامة الدولة الفلسطينية

واصلت الولايات المتحدة معارضتها القوية لمنح فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، حيث استخدمت واشنطن للمرة الأولى حق النقض "الفيتو" لعرقلة صدور القرار في تصويت مجلس الأمن الدولي.

وبينما يحظى الشعب الفلسطيني في الوقت الحالي بصفة دولة غير عضو لها وضع مراقب، وهو اعتراف واقعي بوجود دولة فلسطينية أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012، يسعى الفلسطينيون للحصول على عضوية كاملة في المنظمة الدولية في مسعى لوصول لحلم إقامة دولة فلسطينية مستقلة وهو الحلم الذي أجهضه الفيتو الأمريكي.

وفي نوفمبر 2012 حصل الفلسطينيون عبر تصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة على صفة مراقب، وهناك 140 دولة عضوا تعترف بدولة فلسطين.

ومع ذلك فمن دون توصية مجلس الأمن، فإن أي تصويت في الجمعية العامة سيكون رمزيا إلى حد كبير وفق الخبراء.

وقال مدير مجموعة الأزمات الدولية في الأمم المتحدة ريتشارد جوان "شئنا أم أبينا، فإن تصويت الجمعية العامة على هذه القضية له وزن سياسي لا قانوني ولا يمكن للجمعية قبول دولة جديدة إلا بناء على توصية مجلس الأمن".

- مشروع القرار

قدمت الجزائر بصفتها العضو الممثل للمجموعة العربية في مجلس الأمن، مشروع قرار يوصي الجمعية العامة بقبول دولة فلسطين عضوا في الأمم المتحدة.

وتتولى البعثة الدبلوماسية المالطية الرئاسة الدورية لمجلس الأمن الدولي لشهر أبريل وبدأ التصويت على مشروع القرار، على الرغم من أن الولايات المتحدة التي تتمتع بحق الفيتو عبرت صراحة عن معارضتها له.

وجرت العادة، أن يتم قبول دولة ما عضوا في الأمم المتحدة بقرار يصدر من الجمعية العامة بأغلبية الثلثين، ولكن فقط بعد توصية إيجابية بهذا المعنى من مجلس الأمن الدولي.

وتصدر التوصية عن مجلس الأمن بموجب قرار لا بد أن يوافق عليه تسعة على الأقل من أعضاء المجلس الـ15 وبشرط ألا تستخدم أي دولة دائمة العضو حق النقض "الفيتو" لعرقلة القرار.

وخلال جلسة مجلس الأمن، أيد مشروع القرار 12 عضوا وعارضته الولايات المتحدة وامتنع عن التصويت عليه العضوان الباقيان.

ووفقا للسلطة الفلسطينية، فإن 137 من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة البالغ عددها 193 دولة اعترفت حتى اليوم بدولة فلسطين.

- الأمم المتحدة.. ليست أفضل الطرق

واشنطن التي لم تخف اعتزامها التصويت ضد مشروع مجلس الأمن، اعتبرت أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة يتعين أن يكون من خلال مفاوضات مباشرة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية وليس من خلال تحرك في الأمم المتحدة.

وقالت الخارجية الأمريكية إن البيت الأبيض لا يعتقد بأن المسار عبر نيويورك في الأمم المتحدة هو أفضل طريقا للمضي قدما بشأن قيام دولة فلسطينية وحل الدولتين.

وأكد مندوب البعثة الأمريكية في المجلس روبرت وود أن "هذا التصويت لا يعكس معارضة للدولة الفلسطينية، بل هو اعتراف بأنه لا يمكن لها أن تنشأ إلا عبر مفاوضات مباشرة بين الطرفين".

وشدد على أن التزام الولايات المتحدة حل الدولتين، حيث تعيش إسرائيل وفلسطين جنبا إلى جنب في سلام، هو السبيل الوحيد لتحقيق الأمن لكلا الجانبين ولإسرائيل لإقامة علاقات مع كل جيرانها العرب.

 

- تنديد فلسطيني

وفور صدور القرار، أدانت الرئاسة الفلسطينية استخدام الولايات المتحدة حق النقض ضد مشروع القرار، وقالت في بيان إن الفيتو الأمريكي "غير نزيه وغير أخلاقي وغير مبرر".

وقال مكتب الرئيس محمود عباس في بيان إن "هذه السياسة الأمريكية العدوانية تجاه فلسطين وشعبها وحقوقها المشروعة تمثل عدوانا صارخا على القانون الدولي، وتشجع استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية ضد شعبنا وتزيد في دفع المنطقة إلى شفا الهاوية".

وأضاف البيان أن هذا الفيتو "يكشف تناقضات السياسة الأمريكية التي تدعي من جانب أنها تدعم حل الدولتين، فيما هي تمنع المؤسسة الدولية من تنفيذ هذا الحل"، شاكرا في المقابل الدول الأعضاء التي صوتت لمصلحة حصول دولة فلسطين على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.

وفي خطاب مؤثر عقب فشل المجلس في اعتماد القرار، قال السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة رياض منصور إن هذا الرفض "لن يكسر إرادتنا ولن يوقف إصرارنا.. لن نوقف جهودنا.. دولة فلسطين حتمية، إنها حقيقية".

- إشادة إسرائيلية

في المقابل، سارعت إسرائيل بالاشادة بالدور الأمريكي المعرقل، حيث أشادت بالولايات المتحدة لاستخدامها الفيتو لحرمان السلطة الفلسطينية من العضوية الكاملة في المنظمة الدولية.

وعلق وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس على عرقلة القرار قائلا "تم رفض الاقتراح المخزي ولن تتم مكافأة الإرهاب".

- حق أصيل للشعب الفلسطيني

وخلال جلسة مجلس الأمن، جددت مصر تأكيدها على أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية حق أصيل للشعب الفلسطيني، معتبرة أن العجز عن إيقاف الحرب الشعواء على الشعب الفلسطيني، فشل يكاد يستحيل تفسيره.

كما نبهت القاهرة على لسان مندوبها لدى الأمم المتحدة السفير أسامة عبد الخالق، إلى أن منطقة الشرق الأوسط وصلت إلى حافة الهاوية بسبب تصاعد السلوك العدواني الإسرائيلي.

وشددت مصر كذلك على رفض مصر للمساعي الإسرائيلية لإشعال تصعيد إقليمي بالشرق الأوسط وفتح جبهات حرب جديدة، لصرف نظر الرأي العام العالمي عن الحرب الوحشية التي تشنها في غزة والمأساة الإنسانية الرهيبة جرائها.

كما أكدت القاهرة انها لن تقبل أو تتهاون مع أي مسعى من جانب إسرائيل لاستغلال الظرف الإقليمي الحالي والتزرع بحجج واهية للهجوم على رفح الفلسطينية أو توسيع نطاق عملياتها العسكرية في غزة.

- تنديد عربي

ونددت جهات عربية ودولية باستخدام واشنطن حق الفيتو في مجلس الأمن، حيث أكد ممثل الجزائر الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عمار بن جامع أن بلاده "ستعود أقوى وبدعم من الجمعية العامة من أجل العضوية الكاملة لدولة فلسطين بالأمم المتحدة".

كما أعربت عدد من الدول العربية في مقدمتها السعودية والإمارات والأردن بالإضافة إلى قطر عن أسفهم الشديد لفشل مجلس الأمن في اعتماد مشروع قرار قبول العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة.

وأعربت كل من جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي عن أسفهما الشديد لاستخدام الفيتو لإعاقة إرادة دولية واضحة بالموافقة على انضمام فلسطين عضوا كاملا في الأمم المتحدة.

- كسر إرادة الفلسطينيين

فشل المنظمة الأممية لإقرار الحق الفلسطيني، دفع روسيا لاعتبار أن الفيتو الأمريكي يهدف لـ "كسر إرادة الفلسطينيين لإجبارهم على الخضوع لقوة الاحتلال، وتحويلهم إلى خدم وأشخاص من الدرجة الثانية، وربما إجبارهم على الخروج إلى الأبد من أراضيهم الأصلية".

روسيا على لسان سفيرها لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، اعتبرت أن استخدام الولايات المتحدة حق النقض "للمرة الخامسة" منذ بداية التصعيد في غزة، "أظهر الأمريكيون مرة أخرى ما يؤمنون به حقا تجاه الفلسطينيين، فبالنسبة لواشنطن، فإنهم "الشعب الفلسطيني" لا يستحقون أن تكون لهم دولة خاصة بهم، فهم مجرد عائق في طريق تحقيق مصالح إسرائيل".

وأشار السفير الروسي إلى أن "واشنطن نفسها ستخرج نهائيا من قائمة الدول المحبة للسلام والمحترمة، بعد أن تقاسمت المسؤولية الكاملة مع حلفائها الإسرائيليين عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين".

- الولايات المتحدة.. معزولة

وقبيل بدء التصويت وفي محاولة لتجنب استخدام حق النقض، مارست إدارة الرئيس جو بايدن على عدد من الدول الحليفة، لاسيما فرنسا وسويسرا واليابان وكوريا الجنوبية وجويانا، للتصويت ضد قرار منح فلسطين العضوية الأممية، أو الامتناع عن التصويت.

وبالرغم من الضغوط التي مارستها واشنطن، حصل القرار على 12 صوتا مؤيدا من كل من الصين وروسيا وفرنسا وسلوفينيا ومالطا والإكوادور وجويانا واليابان وكوريا الجنوبية وموزمبيق وسيراليون والجزائر، بينما امتنعت بريطانيا وسويسرا عن التصويت.

وهذه هي المرة الأولى التي تلجأ فيها واشنطن إلى حق النقض لتعطيل الجهود للاعتراف أمميا بدولة فلسطين، حيث لم تضطر واشنطن إلى استخدام الفيتو لتعطيل المحاولة الأولى للفلسطينيين عام 2012 نتيجة فشل الطلب الذي قدمه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة من الدول الـ15 الأعضاء في مجلس الأمن.

وبدت الولايات المتحدة معزولة عن إرادة المجتمع الدولي لدعم الشعب الفلسطيني باستخدامها حق النقض "الفيتو"، إذ كانت الوحيدة التي رفضت القرار.

ويرى محللون أن نتيجة التصويت تعكس التعاطف العالمي المتنامي مع الفلسطينيين، ليس فقط بسبب استمرار حرمانهم من حقهم في تقرير مصيرهم، بل أيضا بسبب العدوان الإسرائيلي المتواصل على غزة منذ السابع من أكتوبر.

غادة جلال الدين

غادة جلال الدين

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مجلس الأمن الدولي
ايران
الامم المتحدة

المزيد من تقارير عرب وعالم

أعرافي.. الرجل الثالث في المجلس المؤقت والمرشح الأوفر حظًا في خلافة خامنئي 

عقب تأكيد وسائل الإعلام الرسمية في إيران خبر مقتل المرشد الأعلى "علي خامنئي" خلال الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على طهران...

الأسبوع الأول من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

بعد ثلاث جولات من المفاوضات النووية غير المباشرة بين طهران وواشنطن، بوساطة عمانية، سادتها أجواء إيجابية وفقًا لما صرح به...

الحرب في أوكرانيا تبدأ عامها الخامس.. سلام غائب وتحديات متزايدة

الحرب الروسية الأوكرانية تدخل عامها الخامس.. بلا مؤشرات في الأفق بقرب التوصل إلى اتفاق سلام ينهي حرب الاستنزاف الطويلة .....

"الحج السعودية": الارتقاء بتجربة ضيوف الرحمن وتضاعف أعداد المعتمرين

استعرضت وزارة الحج والعمرة حصيلة أبرز جهودها خلال عام 2025م، مؤكدةً أن ذلك جاء نتيجة عمل مؤسسي متكامل ركّز على...


مقالات

قلعة قايتباى بالإسكندرية
  • الثلاثاء، 10 مارس 2026 09:00 ص
المسحراتي.. شخصية تراثية صنعها رمضان
  • الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م