التضخم يعاود الهجوم على أوروبا جراء الحرب

أزمة التضخم في أوروبا تتعمق مع استمرار تداعيات الحروب والصراعات الجيوسياسية، التي أصبحت أحد أبرز المحركات لارتفاع الأسعار في القارة، في ظل بيئة اقتصادية تتسم بعدم اليقين وتزايد الضغوط على الحكومات والبنوك المركزية.

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، دخلت أوروبا مرحلة جديدة من الاضطراب الاقتصادي، حيث تسببت الحرب في تقليص إمدادات الغاز الروسي، الذي كان يمثل شريانًا رئيسيًا للطاقة في العديد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا وإيطاليا. هذا التحول دفع الدول إلى البحث عن بدائل أكثر تكلفة، مثل الغاز الطبيعي المسال المستورد من الولايات المتحدة وقطر، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة.
 
ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ازدادت المخاوف من تعطل إمدادات النفط، خاصة عبر ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز ، وهو ما يرفع تكلفة الشحن والتأمين، ويضيف مزيدًا من الضغوط على أسعار الوقود عالميًا، ومن ثم داخل الأسواق الأوروبية.
 
هذه الزيادات في أسعار الطاقة انعكست بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج، إذ تعتمد الصناعات الأوروبية الثقيلة، مثل الصلب والكيماويات، على الطاقة بشكل مكثف. وقد اضطرت بعض المصانع إلى خفض الإنتاج أو نقله خارج أوروبا، ما أثر على سلاسل التوريد وساهم في نقص بعض السلع وارتفاع أسعارها.
 
في الوقت ذاته، ارتفعت أسعار المواد الغذائية نتيجة زيادة تكاليف النقل والأسمدة، فضلًا عن تراجع صادرات الحبوب من مناطق النزاع، خصوصًا من أوكرانيا التي تُعد من كبار مصدري القمح عالميًا. هذا الوضع أدى إلى موجة تضخم غذائي أثقلت كاهل المستهلكين، خاصة في الدول ذات الدخل المتوسط والمنخفض داخل الاتحاد الأوروبي.
 
وفي مواجهة هذه التطورات، تبنى البنك المركزي الأوروبي سياسة نقدية أكثر تشددًا، حيث قام برفع أسعار الفائدة عدة مرات في محاولة لكبح التضخم. إلا أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، أدت إلى زيادة تكلفة الاقتراض، ما أثر سلبًا على الاستثمار والنمو الاقتصادي، وأدى إلى تباطؤ في قطاعات مثل العقارات والصناعة.
 
كما واجهت الحكومات الأوروبية معضلة مزدوجة، إذ اضطرت إلى تقديم دعم مالي للأسر والشركات لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة، عبر حزم دعم ضخمة وخفض الضرائب، وهو ما زاد من عجز الموازنات ورفع مستويات الدين العام في عدد من الدول.
 
وعلى صعيد سوق العمل، بدأت آثار التضخم تظهر في شكل تآكل القوة الشرائية للأجور، ما دفع النقابات العمالية في عدة دول أوروبية إلى المطالبة بزيادات في الرواتب لمواكبة ارتفاع الأسعار، الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى ما يُعرف بـ”دوامة الأجور والأسعار”، حيث تؤدي زيادة الأجور إلى مزيد من التضخم.
 
ويحذر خبراء من أن استمرار هذه الضغوط قد يدفع بعض الاقتصادات الأوروبية إلى حافة الركود، خاصة إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة، أو تفاقمت الصراعات الجيوسياسية. كما أن تراجع ثقة المستهلكين والشركات يزيد من احتمالات تباطؤ النشاط الاقتصادي خلال الفترات المقبلة.
 
في المقابل، تسعى أوروبا إلى تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، إلا أن هذا التحول يحتاج إلى استثمارات ضخمة ووقت طويل، ما يعني أن تأثيره في خفض التضخم لن يكون فوريا.
 
و تكشف أزمة التضخم في أوروبا عن مدى هشاشة الاقتصاد العالمي أمام الصدمات الجيوسياسية، حيث لم تعد الحروب مجرد أحداث سياسية أو عسكرية، بل أصبحت عوامل رئيسية تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي، وتفرض تحديات معقدة على صناع القرار في القارة الأوروبية، الذين يجدون أنفسهم أمام توازن صعب بين السيطرة على الأسعار والحفاظ على النمو الاقتصادي.

ايمان صلاح

ايمان صلاح

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير عرب وعالم

التضخم يعاود الهجوم على أوروبا جراء الحرب

أزمة التضخم في أوروبا تتعمق مع استمرار تداعيات الحروب والصراعات الجيوسياسية، التي أصبحت أحد أبرز المحركات لارتفاع الأسعار في القارة،...

في ذكرى يوم الأرض الفلسطيني.. نصف قرن من الصمود في وجه التهويد والتهجير

قبل نصف قرن من اليوم، صادرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي آلاف الدونمات من أراضي الفلسطينيين في الجليل والمثلث والنقب، ما أشعل...

لاريجاني.. رحيل فيلسوف السياسة الإيرانية

أكدت وكالات الأنباء الرسمية في إيران خبر مقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي "علي لاريجاني"، بعد أنباء متضاربة حول وفاته...

الحرمين الشريفين في ليلة 27 من رمضان.. استعدادات مكثفة وخطة تشغيلية متكاملة

في مشهد إيماني يتجدد كل عام، مع حلول ليلة السابع والعشرين من رمضان، حيث تتجه أنظار الملايين من المسلمين إلى...