روشتة حسن فهمى للنهوض بالصناعة وإعداد النشء

نشر على صفحات مجلة الراديو المصرى فى عام 1945 المهندس حسن حسين فهمى العديد من المقالات التى تساعدنا اليوم في إعداد النشء، والنهوض بالمستوى الصناعى للبلاد، حتى نفوق الصناعات العالمية، فتعالوا معى نعرف روشتة حسن فهمى للنهوض بالصناعة ولإعداد النشء...

 

كتب في عدد المجلة الصادر بتاريخ ٢١ أبريل ١٩٤٥ العدد رقم "٥٢٧" مقالا بعنوان "وقت العمل ووقت الفراغ فقال فيه:

إن الوقت وإن مضى بما لا يشغل البال والجسد صحبته السامة وملأه الضجر، والوقت غال ثمين إن مضى وضاع لا يعوض، وهذه الحقيقة يتغافلها الكثيرون... ومن لا يعرف للوقت معنى واستهزأ به فربما كان وقت صحة إلى مدى قصير أو وقت شباب لا يرجع...

إن أغلبنا يعمل ليرتزق فيعيش ويعيش ليتمتع بالحياة في وقت فراغ تملكه يداه، فمن منا يتمتع حقيقة بهذا الوقت؟ من منا لديه منه الكثير ولا يدرى ما يصنع به ومنا من خلط وقت عمله بوقت فراغه و بوقت راحته فأصبح عبدا لعمله.. ومنا من ترك الحبل على الغارب في وقته فتخبط بين هذا وذاك...

وهؤلاء تصبح الحياة معهم ثقيلة متعبة لا يعرفون الغاية منها، وهم في الغالب في صحة معتلة لعدم انتظام أوقات طعامهم وأوقات راحتهم، وأسعد الناس من كان عمله الذي يرتزق منه محبوبا لديه، فحياته سلسلة متصلة من سعادة وحب يدران عليه الصحة وطول العمر، ولكن التعس من اضطر لأن يكتسب من عمل يكرهه فهو دائما متململ متضجر ينتظر ساعة الانصراف بفارغ الصبر فتطول عليه ساعات عمله، ولا يوجد عمل مهما كان شاقا إلا وله نواحيه المسلية التي تظهر فقط لمن يبحثون عنها.

شجعوا أولادكم على الهواية واخلقوا لهم جوا إنشائيا صناعيا يشبون ونظرهم للحياة رائق وسعادتهم على أطراف أصابعهم.. علموا أولادكم الاعتماد على النفس بتشجيعهم على القيام بما يحتاجون إليه شخصيا.

فلربما احتاجوا للقيام بخدمة أنفسهم في غربة أو وحدة أو عمل بعيدين فيه عنكم، شجعوهم على التعرف والاستفسار عن المهن المختلفة في الصناعة يألفوها، فإن في الصناعة مستقبل هذه البلاد، فلربما كان منهم من يجلب لنفسه وبلاده الثراء عن طريقها.

وفي نفس العام نشر أربعة مقالات بعنوان "إعداد النشء المستقبل مصر الصناعي في عدد رقم ٥٣٢ بتاريخ ٢٦ مايو ١٩٤٥ وفى العدد رقم ٥٣٣ بتاريخ ٢ يونيه ١٩٤٥ وفي العدد رقم ٥٣٥ بتاريخ ١٦ يونيو ١٩٤٥، وفي العدد رقم ٥٣٧ ٣٠ يونيو ١٩٤٥..

في المقال الأول رقم ٥٣٢ قال:

تقوم أسس حضارة العصر الحديث على الصناعة ومستقبل مصر وثروتها ومجدها فيها، وعلينا جميعا أن نستعد لها، والصناعة تتطلب من رجالها صفات ومميزات واتجاها في التفكير يخالف ما تعودناه.. إذا يجب على الرجال الذين يستغلون فيها أن يكونوا ذوى أفق واسع واطلاع عظيم مع منطق هندسي وعقل رياضي ومقدرة عظيمة على معرفة التفاصيل.. ومقدرة على حكم وتهذيب حركاتهم وحواسهم مع قوة كبيرة للملاحظة، فإذا أردنا أن نستعد لهذا المستقبل وجب علينا إعداد أنفسنا بل وإعداد أولادنا له بتسلحهم بهذه المميزات، وهذا لا يأتي إلا بالتعرف والاستقصاء على ما حولنا مما يتعلق بها من أصول ومعرفة...

كل امرئ منا مهيا بطبيعته بمميزات وخواص تختلف وتتباين فينا بحيث يصلح كل منا لعمل يليق له بطبيعته أكثر من غيره، فإذا وقف الفتى الناشئ لاختيار المهنة أو العمل اللائق له بطبيعته أتقنه فأحبه، وبذلك يلج باب السعادة والصحة والنجاح...

وتختلف المهن والصناعات والأعمال جميعا عن بعضها من حيث طريقة التفكير لها وطريقة القيام بها فمنها ما يحتاج لتفكير علمى رياضى كالهندسة، ومنها ما يلزمه استعداد فكرى خاص ومقدرة على الاستقصاء والاستنساخ كالمهن القانونية، ومنها ما يحتاج المقدرة خاصة على قيادة الرجال كإدارة الأعمال، ومنها ما يتطلب رقة في العواطف وحنانا ومحبة ومعرفة بنفوس البشر كمهنة الطب وما يماثلها، ومنها ما يتلزم الصبر والأناة ودقة في معرفة التفاصيل ومرونة في الأصابع والأيدى كصناعة الآلات الدقيقة وغير ذلك.

أما في العدد رقم ٥٣٣ قال:

الصناعة هي إنشاء وتكوين وخلق ما يلزم للحياة من ضروريات وكماليات لا تزال تعتمد في الحصول على أغلبها على البلاد الأجنبية، لا لعجز طبيعي فينا ولكن لعدم اهتمامنا بها ولعدم استعدادنا للقيام بها فالصناعات على وجه العموم تحتاج في رجالها إلى منطق إنشائي وتفكير تكويني لا يتكونان في الشخص منا إلا إذا كان ذا قوة على الملاحظة والاستنتاج ومقدرة على التقدير والمقارنة والاعتماد على النفس وكان ذا رغبة في معرفة التفاصيل وإدراك مدى التهذيب في شتى منتجات الصناعة، وكل هذه الصفات لحسن الحظ يمكن اكتسابها وتقويتها باستخدام الغرائز والميول الطبيعية في الفتيان أثناء لعبهم ورياضتهم وأثناء القيام بهواياتهم.

وفي العدد رقم ٥٣٥ يقول:

يعرف كل منا أهمية الصناعة وأثر رقيها في ثروة البلاد ورفاهيتها ويتكلم الكثيرون ويكتبون ملحين في طلب ترقيتها، ولكن أغلبهم عالج الموضوع من نواح عامة أو اقتصادية بحتة، فابتعدوا بذلك عن أساسه وخفيت عليهم دقائقه وتفاصيله فجاءت حلولهم له نظرية غير عملية، لذلك يجب قبل البدء في حل معضلة ترقية الصناعة في البلاد أن ندقق في معرفة حقيقة ما يلزم لذلك، وأن نعرف احتياجات الصناعة وأسس نجاحها...

يخطئ الكثيرون في الاعتقاد بأن البلاد الصناعية تعتمد في صناعتها على ثروتها المعدنية الطبيعية أو على ما بها من مواد أولية، لأن ما يبذل بمنتجات الصناعة من مجهود علمى أو عملي يوازي في الغالب أضعاف أضعاف ما بها من مواد أولية، فبمقارنة قيمة ساعة الجيب مثلا بقيمة ما بها من معدن خام، يتضحأن الفرق شاسع جدا، وهذا الفرق في الحقيقة قيمة ما أضيف إلى هذه الخامات من مجهود بشری قام به رجال الصناعة، وما يقال فى الساعة يقال في غيرها من منتجات الصناعة، ولا أدل على ذلك من بلاد كسويسرا إذ تستورد معظم موادها الأولية وخاماتها فتحولها بمجهود رجالها إلى منتجات صناعية تبيعها بالتالي لمن استوردت منهم المواد.. أي بمعنى آخر أنها تصدر مجهودا بشريا صناعيا وتأخذ مقابلا له ثمنا عاليا جدا.

يكون ثروتها العظيمة ورفاهية سكانها ورقى مجتمعها ومثل سويسرا ينطبق على باقى البلاد الصناعية إلى حد كبير..

فالإنتاج الصناعى يعتمد على الرجال قبل اعتماده على المواد الأولية، لذلك على البلاد التي تريد أن تتبوأ مركزا صناعيا أن تعد رجالها أولا، الإعداد الملائم بإكسابهم الصفات والمزايا التي يجب أن تتوفر في رجل الإنتاج الصناعي.. وتنقسم هذه الصفات إلى قسمين رئيسين الأول هو ما يجب أن يتوفر في الرجل من صفات الاعتماد على النفس والتفكير الإنشائي واحترام العمل اليدوى، والنشاط والتدقيق فى التفاصيل، وغيرها مما يتعلق بالفرد بالنسبة لنفسه.

وفي العدد رقم ٥٣٧ يقول:

أفكر في ما يحدث معى شخصيا عند تنفيذ أي عمل صناعي في الورش مع رجالى، فالات الورش وعددها من خير ما أنتج العالم، والمواد الأولية المستعملة من أجودها.. والعلم وتطبيقاته على العمليات الصناعية من أحدث ما ابتدع، وكل الرجال من في نفسه كفء لا ينقص مطلقا عن رجال الصناعة في البلاد الأوروبية من حيث المهارة اليدوية إن لم يفقهم في ذكائه وسرعته العظيمة على الفهم والتعلم، وكل منهم ذو قدرة على القيام بأى عملية صناعية في مهنته مهما دقت، وكل منهم يود لو أنتج فأبدع.. فأجاد.. والغريب أنهم جميعا لا يلبثون حتى يبرعوا فيما كلفوا بالقيام به في وقت قصير، ولهم قدرة على إدارة الآلات، أو القيام بأي عمل فنى، ولكن مع هذا كله، لا أجد أن إنتاج رجالي يخرج بمثل السهولة التي شاهدتها ومارستها في مصانع أوروبا ومثل رجالي.. هو مثل باقى رجال الصناعة بالبلاد.

إذن ما السبب..؟ ولماذا لا تنتج البلاد منتجات التشغيل ؟ أم لعدم كفاية الآلات..؟ أم لعدم صلاحية الخامات..؟ لماذا ؟

وإنى كأحد رجال الصناعة.. أقرر أن لا دخل مطلقا لأى من هذه الأمور فى ما نراه من صعوبة مجاراة الإنتاج الأجنبي، فما بمنتجات الخارج الصناعية من اعتناء شديد بالتفاصيل ورقة عظيمة في المظهر و تناسب بين الأجزاء المختلفة، ودقة عظيمة في الأبعاد والمقاسات وتشابه تام فى الصنف الواحد، ما يضعها في المقام الأول ويميزها عن المنتجات المحلية لأن هذه الصفات جميعها لابد أن تزيد في مدى صلاحية هذه المنتجات للاستعمال...

وهذه الصفات بالذات.. يندر اجتماعها في المنتجات المحلية، وليس لغيابها في هذه المنتجات علاقة بطبيعة الخامات المستعملة أو بأساس الصنعة في أغلب الأحوال، ولكنه فى كثير من الأحيان يكون نتيجة مباشرة لتساهل المنتج وتسامح رجل الصناعة وعدم اعتنائه بالتفاصيل أى عدم تحريه الدقة في خطوات الإنتاج الكثيرة.

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من المجلة زمان

روشتة حسن فهمى للنهوض بالصناعة وإعداد النشء

نشر على صفحات مجلة الراديو المصرى فى عام 1945 المهندس حسن حسين فهمى العديد من المقالات التى تساعدنا اليوم في...

حسن فهمى: وقفت خلف ابنتى.. وأخذت بيديها وسط أعاصير مجتمع قاصر

بدلة الرقص تحكى حكاية هادفة منتقاة من تاريخ هذا الشعب الزاخر بدلة الرقص مظلومة.. فقد ظلمتها الراقصات اللاتى اتخذنها وسيلة...

فريدة فهمى تتحدث عن سر وجودها داخل قصر عابدين يوم حصار الدبابات

مفاجآت تكشفها لأول مرة فى حوار حصرى الأخوان تنمروا على بابا بسبب عملى راقصة جدى تركى وجدتى منوفية.. وبابا سى...

جاجارين فى مصر

فى احتفال العالم بمرور 65 عاما على أول رحلة بشرية إلى الفضاء جاجارين: للأسف فى خطورة فى الأرض أكثر مما...