يعجبني فى الشيخ محمد الغزالي تفاعله مع الأحداث التى كان يدلي برأيه فيها ، معتبرا أن وجهة نظره جزء من رسالته كداعية إسلامي لا ينفصل دينه عن واقعه ، فحين تحتدم الانتخابات الأمريكية يكتب : يتنافس الحزبان اللذين يتناوبان الحكم فى الولايات المتحدة على استرضاء اليهود ونصرة قضاياهم ، وترسيخ أقدامهم فى كل ميدان . والأمريكيون – إذ يفعلون ذلك – يخونون مبادئ الفضيلة والعدالة وحقوق الإنسان ، ثم هم يهدرون مصالح بلدهم ، عندما يؤثرون اليهود على العرب ، عندما يضحون بمليار مسلم من أجل عشرة ملايين يهودي !
ويظهر أن القيمة الاقتصادية للعرب والمسلمين – على ثقلها – لا تخيف الشعب الأمريكي ، ولا تلزمه خط الاعتدال . والغريب أن رجلا من أعظم رجالات أمريكا ومن أشهر قادتها حذر قومه منذ قرنين من خطر اليهود ، وقال :
إذا لم ينتبه الدستور الأمريكي لاستبعادهم فى خلال المائة عام القادمة ، فسينسابون إلى البلاد بأعداد كبيرة ، ويتمكنون من تدمير المجتمع الأمريكي ، وتبديل القيم الإنسانية التى قام عليها .
هذا الرجل الناصح المخلص هو بنيامين فرانكلين ، ولكن نصيحته لم تجد آذانا صاغية ولا ضمائر واعية ، ولن يعرف الجمهور القائم ، خطاه إلا بعد فوات الأوان " .
***
ولأن الرجل كان داعية ابن عصره ، وليس من رجال الدين المنعزلين فى الكتب الصفراء القديمة لا يغادرونها ، فقد سعيت إلى مقابلة الشيخ الغزالي لأعرف رأيه فى بعض قضايانا فى ثمانينات القرن الماضي ..
عندما بدأت حواري مع فضيلة الشيخ الغزالي ، ومضيت فى مقدمة عنه ، طلب مني حذف هذه المقدمة ، لأنه لا يقبل مديحا أو ثناء كداعية إسلامي يخدم الإسلام لوجه الله تعالى دون انتظار جزاء أو شكر ، فهو – أي الشيخ الغزالي – أعلم بقدر نفسه ، وحسبه فكره يتكلم عنه ويشهد له ، وهو يري أن رسالته هي تعليم الجاهل وإيقاظ الغافل ، والهدف كما يقول فى كتابه " هموم داعية " – أهداني نسخة منه – استثارة الهمم لبدء نهضة واعية مادية تعتصم بالوحي الأعلى وتتأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه ، وتنتفع بتجارب الأربعة عشر قرنا التى مرت بنا .
صارحت الشيخ الغزالي بغيابه مع دعاة آخرين عن ميدان الدعوة الذى ملأ فراغه دعاة التطرف فراحوا يقودون الشباب إلى العنف والتطرف – ولم يحاول الشيخ الغزالي أن يسوق مبررات لتقصيره ، فصارحني بإجابته كما صارحته باتهامه ، فقال :
أنا لا أبرئ نفسي ، وأشعر أيضا بأن إخواني المشتغلين بالدعوة أعجز من أن يبرئوا أنفسهم ، لأننا كان يجب أن نضاعف الجهود ، وأن نقترب من الشباب الذى يقع منه أخطاء كثيرة ، وإذا كنت أعترف بأننا نقصر فى قيادة الشباب ، فإني فى الوقت نفسه أزعم أن الإسلام يواجه عقبات كثيرة ، منها ما لزوم له ، وأن المشتغلين به يواجهون عنتا لا مبرر له .. وأستغرب أن يكون الخطأ من غيرهم مغتفرا ، ومنهم مضاعف العقاب .
فالدعوة إلى الله جهد مشترك .. نحن نقوم بعمل والآخرون يقومون بعمل ، ومن مجموعة الأعمال التى تكون من هنا ومن هناك يمكن أن ننجح فى توجيه الشباب وقيادته .
واجبنا وواجب الفقهاء وأولي النظر السديد أن نصحب الشباب وأن نسدد رميتهم ، ونجعل خطاهم على طريق الحق دائما ، وفى نفس الوقت نناشد أولي الأمر فى كل بلد إسلامي أن يعامل الشباب بأبوة حانية وبنوع من الرفق والرحمة .
فى الحقيقة أوجب على الشباب من الجنسين أمورا كثيرة ، لأن الشباب فترة قوية فى عمر الإنسان ، ولذلك له فى الإسلام سؤال خاص به :
لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن شبابه فيما أفناه ؟
فالشباب فترة خصبة وغنية ، ونحن الآن جزء من العالم الثالث المتخلف اقتصاديا وحضاريا ، فمن الذى يستطيع أن يجعل الأمة تنتقل إلى العالم الأول ؟
إنهم الشباب .. الذين أهيب بهم أن ينظروا إلى شباب إسرائيل وشاباتها الذين يروون الصحراء ، ويعملون لمجد إسرائيل .
أسأل الشباب العربي والشباب الإسلامي : أين هو من الميادين ، بينما أعداؤه يؤدون واجبهم بقوة ؟.
يجيب الشيخ الغزالي متسائلا : هل القدوة لا تكون إلا فى النواحي الخلقية فقط ؟
أرى أن مجتمعنا يجب أن يأخذ القدوة فى مجالات كثيرة ، فمثلا كان مصطفى كامل باشا فى مقتبل عمره عندما قاد أمة ناهضة ، ذكرنا بأسامة بن زيد عندما كان يقود جيش المسلمين وهو فى الثامنة عشرة من عمره ، فهل نجد من رجال السياسة من يقدمون قدوة طيبة فى القيادة النزيهة الحرة التى تتجرد لمبدئها ، والتي لا تبحث عن النفعية فى عملها ؟ .
هل نجد فى ميدان الصناعة من يجيئون إلى ميدان نحن فيه صفر ، ثم يتحركون بهمة بعيدة المدى كما فعل طلعت حرب قديما واستطاع تأسيس شركات بنك مصر من لا شئ ، وأن يقيم لمصر أساسا اقتصاديا عظيما ؟ .
هل نستطيع أن نفعل فى ميدان الأدب كما فعل قادة الأدب ، واستطاعوا أن يصنعوا نهضة فى الأدب العربي ذكرتنا بأيام ابن المقفع والجاحظ وأيام القرن الثالث والرابع الهجري أيام ازدهار الأدب العربي ؟.
الإسلام منذ بدأ كان نهضة ، فلقد اعتنق العرب الإسلام وهم شعب يشبه دولة متخلفة من دول العالم الثالث فى عصرنا هذا ، فأصبح الإسلام الدولة الأولى فى العالم . أخلص العرب للإسلام يوما فقادهم إلى الأوج ، ثم خانوا رسالتهم ولم يحسنوا أداء ما عليهم من حقوق فهبطوا ، والذنب هنا ذنب من لم يؤد واجبه . والأمة الإسلامية يستحيل أن تنجح إلا بالإسلام ، فإذا تركت دينها فكيف تنجح ؟ ولذلك لا نستطيع أن نقول أبدا أن الأمة الإسلامية الموجودة الآن تأخرت بالإسلام ، ولكنها لم تعرف الإسلام ولم تعمل به ، وعندما تعرفه وتعمل به فسوف يرتفع مستواها كما ارتفع مستوى الأوائل .
لا شك أن الحضارة الأوروبية فيا أصول كثيرة من الفطرة الإنسانية أو الطبيعة البشرية ، ومن آثار العقل الإنساني عندما يرقي ويذكو ، ولذلك فإن هذه الحضارة الفطرية أقرب للإسلام منها إلى طبيعة البلاد الأوروبية التى ظلت تعيش خمسة عشر قرنا فى ظلام ، ولم تعرف حركة الإحياء إلا بعد أن اتصلت بالعالم العربي والإسلامي فى القرون الوسطي ، أما الأمة الإسلامية ففيها كثير من العقد والتكلفات الرديئة والبعد عن الحقائق الدينية ، ولذلك لا أستطيع أن أقول أنها صورة قريبة من الإسلام .
نحن لا نقف إلا مع توجهات النبي وهو يرسل صاحبيه عمرو بن العاص وأبا موسي الأشعري للقضاء بين الناس :
يسرا ولا تعسرا ، وألفا ولا تنفرا ، وتطاوعا ولا تختلفا .
فنحن فى ديننا نتبع رسولا ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، ونعلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم :
بعثت بالحنيفية السمحة .
ويقول لأصحابه :
إنما بعثتم ميسرين لا معسرين .
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...
الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...
الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...
محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...