«الإذاعة والتليفزيون» تحتفى بالذكرى الـ 21 لرحيل الفنان محمد توفيق

من تلميذ مدرسة الأوقاف بـ «طنطــــــا» إلى «شيخ الفنانين»/ انتشار الأمية وضع على الإذاعة مسئولية كبيرة/ تفوقت على ألفىّ متقدم للفرقة القومية للتمثيل/ 3 برامج أهدتنى وسام العلوم من جمال عبد الناصر

إنه "ابن صبيحة" فى فيلم "حسن ونعيمة"، والمدمن بفيلم "الأخ الكبير"، و"حافظ" الفلاح المقهور الذى يضطر رغما عنه إلى يزوج ابنته فؤادة لعتريس فى فيلم "شىء من الخوف".. إنه "محمد حسن توفيق المنصورى العجيزى" وشهرته "محمد توفيق".

فنان من طراز رفيع، فهو ممثل ومخرج إذاعى ومخرج مسرحى وتليفزيونى، قدم عددا من الأعمال الدرامية وعمل كمساعد أول فى الإخراج السينمائى..

يعد "توفيق" واحدا من رواد الفن المسرحى المصرى، ولقب بـ"شيخ الفنانين المصريين" بفضل تاريخه، والأعمال الفنية المميزة التى قدمها بكل إبداع حقيقى، واستطاع بسهولة بالغة أن يقدم الأدوار المركبة فجسد دور المدمن والعبيط، كما قدم ببراعة دور الزوج الضعيف المغلوب على أمره، والرجل  الطيب، فقدم طول تاريخه الفنى مائة فيلم أشهرها السوق السوداء، وبابا أمين، وشىء من الخوف، وحسن ونعيمة، وعيون الصقر، والأخ الكبير، والاعتراف، وآخر أفلامه "أرض الأحلام".

كما قدم "محمد توفيق" أكثر من 40 مسلسلا، أشهرها "هند والدكتور نعمان" و"أبو العلا البشرى" و"مازال النيل يجرى" وآخر مسلسل شارك فيه "يوميات ونيس"، كما شارك فى العديد من المسرحيات، أهمها "مرتفعات وذرنك"، و"المفتش العام" و"6 شخصيات تبحث عن مؤلف".

ولد "محمد توفيق" فى 24 أكتوبر 1908 بطنطا فى أسرة العجيزى، وهى أسرة عريقة عرفت بالحركة الوطنية ومقاومة الاحتلال، ثم انتقل مع الأسرة للعيش فى مدينة حلوان، وفى عام 1925 بدأت هوايته واتجاهه إلى التمثيل وعمره 17 عاما، وفى  عام 1930 التحق بقاعة المحاضرات الرسمية التى هيأتها الحكومة لهواة التمثيل فى المدرسة الإبراهيمية، وفى مطلع الثلاثينيات أيضا التحق بمعهد التمثيل واحترف مع فرقة "عزيز عيد" و"جورج أبيض" و"أولاد عكاشة" وفى عام 1935 التحق بالفرقة القومية للتمثيل.

فى الذكرى 21 لرحيل هذا العملاق تحتفى "الإذاعة والتليفزيون" بمشواره الكبير فى السينما والدراما المصرية بنشر حوار تحدث فيه عن أسرته وحياته وعن حياته الفنية، بالإضافة إلى العديد من الأسرار والحكايات الأخرى، أجرت الحوار الكاتبة الصحفية الراحلة "ناهد عز العرب" رئيس تحرير ورئيس مجلس إدارة "الإذاعة والتليفزيون" السابقة، ونشر فى العدد رقم 2929 بتاريخ 8 مايو 1991 فى ثلاث حلقات.

فإلى نص الحوار:

 هل نتوقف قليلا عند مرحلة النشأة والطفولة.. والظروف العائلية والبداية من مدينة طنطا..

ويشخص "محمد توفيق" ببصره بعيداً إلى ذكريات السنوات الأولى ويبتسم قائلاً: ومن ذكرياتى الجميلة فى ذلك الوقت وأنا فى المرحلة الثانية بمدرسة الأوقاف الثانوية الملكية والتى تغير اسمها فيما بعد إلى الخديو اسماعيل، حدث فى هذا الوقت أن أعلنت المدرسة عن تكوين فريق للتمثيل وتقدم الطلبة ونجح منهم خمسة كنت واحدا منهم، ومن بين الخمسة اثنان، فشلا فى التمثيل فاتجها للصحافة وأنشآ جريدة أسمياها "المدرسة"، وكان ثمنها نصف قرش وكان مبلغا فى ذلك الوقت لا يقدر عليه سوى الطلبة أبناء الأثرياء، أما هذا الزميلان فهما: على أمين رحمة الله عليه ومصطفى أمين. أما اللذان نجحا واستمرا فى التمثيل معى فهما عماد حمدى وعزيز الوردانى رحمة الله عليهما.

ويستكمل "بابا" توفيق حكاية مشواره:

أثناء دراستى بمدرسة التجارة العليا نشرت الصحف إعلانا يقول إن الفرقة القومية للتمثيل تريد تجديد دمائها وسترسل ببعثات للبلاد الأوروبية لدراسة الفنون فتقدمت للامتحان ضمن ألفين، نجح منهم سبعة فقط وكنت الأول عليهم.. وكان ذلك عام 1935، وظننت أن الطريق سيبدأ إلى لندن ولكن كانت هناك مرحلة تحضير وإعداد حصلنا خلالها على كورسات فى كلية الآداب مع السنتين الثالثة والرابعة فى التخصصات التى سندرسها فى إنجلترا والمواد التى ستفيدنا بعد العودة مثل: الأدب الإنجليزى، الأدب التمثيلى، النقد، اللغة الإنجليزية، اللغة العربية، وكان أستاذ الأدب التمثيلى - أى أدب المسرح-  الذى درس لنا فى هذا الوقت هو المرحوم د. طه حسين، وبعد هذه البعثة الصيفية التى استمرت ثلاثة أشهر امتحنا فيما درسناه ثم أكملنا دراستنا فى العام التالى 1937 وعقد لنا امتحان آخر كنت  الأول فيه  أيضا.. ثم سافرنا إلى إنجلترا لدراسة فن التمثيل.

 ومن كانوا زملاء البعثة؟

سحابة ألم تعلو وجه محمد توفيق تتوارى معها الكلمات وتنبت فى العينين دمعتان  ليقول من خلالهما:

من المؤلم أننى عندما أعيد شريط الذكريات أرى كل الزهور والبراعم التى كانت موجودة قد تناثرت كلها بحكم الزمن والسن.. كان معى المرحوم الغزاوى، سامية فهمى، عبدالعليم خطاب، حسن حلمى، وقد توفوا جميعا، والذى تبقى منهم عباس يونس الذى كان متزوجا من الممثلة "نجمة إبراهيم" وعلمت أنه يعيش فى مدينة حلوان مريضا وقد باعدت بيننا ظروف كبر السن والمرض وبعد المسافة.

 سافرت إلى لندن لدراسة فن التمثيل عام 1937.. ولم تعد إلا بعد عشر سنوات.. فلماذا؟

"يرتب" محمد توفيق ذكرياته.. ليقول: فى عام 1939 أعلنت الحرب العالمية الثانية ولم يكن من الممكن العودة إلى مصر؛ فقد كانت كل الطرق ملغمة والألمان يملأون البحر الأبيض بالغواصات والطائرات.. وإذا فكرنا فكان لابد لنا من رحلة طويلة نلف فيها العالم تقريبا حتى نصل إلى القاهرة. واضطررت إلى البقاء فى لندن لاستكمال دراستى فى المعهد من ناحية، ومن ناحية أخرى كان لابد لى أن أعمل لأنه كان من الصعب على  أعضاء البعثة  فى هذا الوقت أن يحصلوا على  النقود المحولة لهم فى فترة الحرب، فعملت فى الإذاعة البريطانية فى القسم العربى كمذيع ومخرج فى البداية ثم وجدوا أن اتجاهى يميل للإخراج أكثر فحولت إلى قسم الإخراج كمخرج  للتمثيليات والبرامج حتى عام 1947.

 وفى هذا العام عدت إلى القاهرة لتبدأ مرة ثانية مع إذاعة القاهرة؟

يقول محمد توفيق:

نعم.. وحكاية العودة أتت مصادفة؛ فقد أبلغنا فى يوم ما أن مدير إذاعة القاهرة -وكان فى هذا الوقت "محمد بيه قاسم" وكان ضيفا على انجلترا – سيزور إذاعة لندن ليتفقد النشاط الإذاعى هناك وزارنا فى الاستوديوهات.. وأقمنا له حفل شاى فى المطعم القديم بأحد القصور القديمة فى إنجلترا والمختبئة وسط الغابات لأننا اضطررنا إلى نقل الإذاعة إلى مكان غير معلوم فى فترة الحرب.. وسألنى محمد قاسم فى الحفل عن المدة التى قضيتها فى إذاعة لندن فقلت تقريبا 10 سنوات فعاد يسألنى لماذا لا تعمل فى مصر؟ فرددت السؤال بسؤال أين أعمل فى مصر؟ إننى أعيش هنا، وأعمل فى إذاعة البى بى سى ولم أفكر فى العودة ولم يطلب منى ذلك أحد.. وأخشى أن أعود إلى مصر فلا أجد لنفسى فرصة العمل الإذاعى التى وجدتها هنا.. هكذا كانت إجابتى له.. ولكنه قال لى لا لك فرصة فى مصر..  ونريدك أن تعود وإذا كنت تجد فى نفسك قدرة على العودة فلابد أن تعود.. ولم آخذ حديثه مأخذ الجد ولكننى فوجئت بعد عودته إلى مصر بأقل من شهر بخطاب رسمى من الإذاعة المصرية تستدعينى للعمل فيها، فعدت ودخلت الإذاعة المصرية عام 47 كمخرج إذاعى.. وهذه هى الفترة الأولى، إن جازت التسمية.

 مرحلة البداية فى أى مشروع ضخم بقدر ما تحمل من عبء وكفاح تحمل حميمية وعلاقات دافئة بين أبناء الأسرة الواحدة.. ووسط هذه العلاقة مازالت أوراقاً خضراء.

يبتسم "محمد توفيق" وهو يقصها ليعكس ويسجل للإذاعة المصرية فى هذه الفترة.

عينت فى الإذاعة المصرية مخرجا عام 47 إلى أن أحلت إلى المعاش عام 67 كبيرا للمخرجين بعد عشرين عاما من العمل  المتواصل.. ومن العوامل التى تختلف فيها بداياتنا عن الإذاعة الآن أن الأسرة الإذاعية كلها- من مذيعين لمخرجين- كانت تجمعهم حجرة واحدة فى عمارة وردائه فى التقاطع ما بين شارعى الشريفين وشريف، وكان عددنا حوالى ثمانية عشرة وكان كل أربعة يشتركون فى مكتب.. ويضحك محمد توفيق ضحكة تكاد تكون من القلب، بعضنا كان "مكارا" مثلى فقد بعت مكتبى لمحمود السباع.

 هذا المكتب.. لك معه قصة؟

نعم.. فبعد عامين أو ثلاثة انضم لنا محمود السباع كمخرج وإذاعى وكان روتينيا ويحب المكاتب فقلت له أنا على استعداد لأن أتنازل عن مكتبى فى مقابل ثمانين قرشا.. ولم يكن مكتبى بالطبع.. وافق "محمود" وحصل على المكتب وحصلت على المبلغ وكنا نستخدمه فى غيابه، وكانت أسرة إذاعية لطيفة تعيش مع بعضها.. منهم من أحيل إلى المعاش ومنهم من بلغ أعلى المراتب فى العملية الفنية منهم د. يونس رحمه الله، محمد محمود شعبان، سامية صادق، وكانت أياما جميلة جدا، ومن الذين أثروا فىّ تأثيرا عظيما فى هذه الفترة د. عبدالحميد يونس، فقد كان زميلا لى بكلية الآداب وتنافسنا فى بعثة إنجلترا وحصلت عليها بينما لم يحصل هو عليها وأثر ذلك فيه لدرجة أنه بكى.. وعندما عدت من البعثة كان مركزه أفضل منى بكثير وكنت أضحك معه وأقول له احمد ربنا إنك لم تفز بالبعثة.

ويواصل محمد توفيق شهادته وذكرياته عن الإذاعة فى ذلك الوقت.. فيقول:

شهدت هذه الفترة المخرجين العظام: عبدالوهاب يوسف وغنائياته التى مازالت تذاع حتى الآن، ألف ليلة وليلة ومحمد محمود شعبان، حسن القرنفلى ومحمد فتحى.. وفى مجال الموسيقى توالى المسئولون عنها "مدحت عاصم، ومن قبله محمد حسن الشجاعى، وكان بينى وبين الأخير مقالب كثيرة.

 وماهى هذه المقالب؟

نعم.. كان الشجاعى متحمسا جدا للمستوى الموسيقى فى الإذاعة وكان شديدا فى رفضه لأى أغنية أو مطرب دون المستوى والجميع يخافون.. وكنت فى ذلك الوقت من أوائل الذى بدأوا الحلقات  فى الإذاعة المصرية مثل حسن ونعيمة، روايح.. العسل المر، ناعسة، وكلها حلقات لها جو وطابع محلى ويحتاج إلى موسيقى محلية فكنت أذهب إلى المقاهى التى تقع خلف حديقة الأزبكية وأختار موسيقى البيانولا وموسيقيى الدرجة الخمسين الذين يعرفون الأغانى القديمة مثل البحر بيضحك ليه، وارخى الستارة اللى فى ريحنا.. والتى تحتاجها طبيعة العمل الذى أقدمه والتى لا يحفظها غيرهم.. وكان من المستحيل أن يسمح الشجاعى لهؤلاء بدخول الإذاعة فكنت أنتظر حتى ينصرف وأحضرهم للتسجيل فى منتصف الليل..

هل كان اختيارك لمجموعة العمل التى تعمل معك مختلفا عما يحدث الآن؟

نعم حقيقة عملنا فى الإذاعة وقتها كان مختلفا عما يحدث الآن.. فمثلا كانت سياستى فى عملى الإذاعى تقوم على أن الإذاعة قيثارة لها أوتار، كل وتر له مواصفات معينة فى صوته فكنت أجمع المجموعة التى تعطينى ما أريد فى كمان واحد وكانوا حوالى 8 أو 9 منهم مازالوا على قيد الحياة ومنهم من غادرها ومنهم: محمد علوان، صلاح منصور، عبدالرحيم الزرقانى، زوزو نبيل، كريمة مختار، وكانت مازالت صغيرة واختطفتها من بابا شارو من برامج الأطفال، ومحمد الطوخى وكان هؤلاء يسمون السبعة المحظوظون فى الإذاعة لأنهم يعملون باستمرار معى.. كان البعض يظن ذلك بسبب ميلى الشخصى لهم أو كما يقولون الآن نظام الشللية والحقيقة أنها لم تكن شللية ولكن قيثارتى كانت تحتاج لهؤلاء  السبعة..

وقال شيح الفنانين "محمد توفيق" إن حقيبة ذكرياته ممتلئة بذكريات لا تنضب، قال: عمل معى كل ممثلى مصر، وأخرجت ثلاثة برامج  إذاعية سجلت بها لأصوات وأسماء عدد كبير جدا من الممثلين الذين رحلوا والذين ما زالوا بيننا وستظل أسماؤهم إلى الأبد تدوى فى سماء مصر.. وربما يعرف القليل أننى أخرجت هذه البرامج على الرغم من أن الرئيس جمال عبدالناصر منحنى عليها وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى فى عيد العلم عام 1967.

وهذه البرامج هى النص العربى للصوت والضوء فى الهرم، النص العربى للصوت  والضوء فى  قلعة صلاح الدين،  النص العربى للصوت والضوء لمعبد الكرنك وهذه إذاعة متنقلة فى المعبد كانت تسمع أثناء سير المشاهد له.. وسجلت بأصوات: عبدالوارث عسر، يوسف وهبى، زكى طليمات، منسى فهمى، زكى رستم، جلال  الشرقاوى، كريمة مختار، سعد الغزاوى.

 "آراء عن النجوم"

ذكريات كثيرة يحملها شيخ الفنانين إلى  القراء.. تقترب من عالمنا  الحاضر أكثر من مجال الذكريات.. حول التمثيلية الإذاعية والتليفزيونية وأداء الممثلين اليوم والتمثيلية الإذاعية والوعى السياسى، والفنان والمخدرات والمعاهد الفنية فى مصر وعلاقة الأجيال ببعضها.. آراء بعضها من شدة صدقه يوجه إصبع الاتهام واللوم.. وبعضها على خبرة صاحبه ينبغى أن يوضع فى الاعتبار.

بدأ شيخ الفنانين حديثه قائلا: عاصرت فى مشوارى الطويل العمالقة: أم كلثوم، عبدالوهاب، السنباطى، فى الموسيقى والغناء ومن عمالقة الكتابة بيرم التونسى، نجيب محفوظ، عبدالرحمن  الخميسى، رأفت الخياط، وخير من كتب التمثيلية الإذاعية الدينية هو محمد على ماهر.. كما عاصرت مبدعين لهم ثقلهم ووزنهم وربما يكون هذا هو الفارق الكبير جدا بينهم  وبين الجيل الجديد من الكتاب والموسيقيين والمطربين الذين لم ينضجوا بعد النضج الكافى.

لأن الزمن لابد أن يأخذ وقته حتى ينضجوا النضج الكافى.. وعلى سبيل المثال فالناس تعرفنى صديقا لهم منذ نصف قرن.. الأجيال التى خرجت إلى الحياة وشاهدتنى وعرفتنى منهم من أصبح الآن جدا ومنهم من مازال طفلا.. ولذلك من أسعد أوقاتى الآن عندما  أقدم عملا للأطفال لأننى بذلك أربى جيلا جديدا من المعرفة للمستقبل.

 ونسأل الفنان الكبير.. عملت فى الإذاعة فى الفترة من 47 وحتى 67.. وهى فترة هامة من تاريخ مصر حدثت فيها ثورة يوليو وما تبعها من أحداث حتى نكسة 67..  ما هى شهادتك على الإذاعة وعلاقتها بهذه الأحداث؟ وهل كان انعكاسها على تطوير العمل الإذاعة وخاصة الدراما؟

ذكرياتى للمرحلة الأولى، قبل الثورة هى أن العمل الإذاعى كعمل مسموع كان مطلوبا فى جميع أنحاء الجمهورية.. لماذا؟

لأن نسبة من يعرفون القراءة كانت قليلة والمستمعون أغلبية.. خاصة فى الأرياف حيث المقهى وجلسة المندرة فى الليل.. ولذلك كانت الإذاعة هى الوسيلة الوحيدة لتصلهم الأغنية أو النصيحة أو المعرفة فقد لعبت الإذاعة دورا خطيرا جدا.

هناك مثل يقول "كل وقت وله أذان"... وكان أذاننا فى هذا الوقت هو الاهتمام بالطبقة التى لا تعرف القراءة.. أما الآن فلم تعد الأمية طاغية كما كانت فى الوقت الذى نتحدث عنه.. وأصبح لها عدد كبير من المستمعين من المثقفين والمتعلمين.

 إذن هل اختلف دور الإذاعة فى هذه الفترة عن دورها الآن؟

لا أعتقد أنه اختلف اختلافا كبيرا لأنه مازال هناك من لا يعرفون القراءة والكتابة.

  الإذاعة.. والدراما

قال "محمد توفيق": أتكلم على المستوى العام، فمثلا إذاعة القرآن الكريم توصل القرآن للمسلمين خدمة للمجتمع ومساهمة فى تربيته خلقيا ودينيا.. هذا على مستوى..

أما الدراما فلم تتجه اتجاها سياسيا على الإطلاق إلا فى التعليق على الأخبار وهذا لا يهم الجميع فقط من يهتمون بالسياسة..

وأعتقد أن الإنتاج الحديث فى دراما الإذاعة مثل القديم والفارق الوحيد هو أن الإنتاج الحديث أسهل فن على أيامنا فلم تكن لدينا الإمكانيات والتطور التكنولوجى المتاح الآن.. من ناحية الهدف فلم يختلف.

 تقول إن الدراما بالإذاعة لم يكن لها علاقة بالظرف السياسى.. فهل هذه النقطة تحسب لدراما الإذاعة؟

الإسقاط السياسى للدراما سلاح ذو حدين.. لأنه لابد أن يكون لدى الجمهور المتلقى وعى وإذا لم يتوفر هذا الشرط فقد يقوده إلى الانحراف السياسى وهذا أخطر شىء على البلد.. وفى  الظرف الذى نعيشه الآن فإن ما تحتاجه هو الاستقرار والأمن وعندما تقدم روايات ثورية بها إسقاط سياسى لن تفيدنا قدر ما ستضر بنا فربما تحدث قلاقل لأن وعى المتلقى لم يصل بعد للقدر الذى يتلقى فيه الإسقاط السياسى!!

 هل ينطبق رأيك هذا على السينما والمسرح أيضا أم الإذاعة فقط؟

إنه ينطبق على الإذاعة على وجه الخصوص فهى مختلفة عن السينما والمسرح لأن جمهورها الناس كلهم ونحن بشكل عام لم نصل بعد إلى حرفية الدراما السياسية الصحيحة فى كافة المجالات الفنية.

 لماذا؟

هناك ناس تفضل سماع أغنية مثل "لولاكى" على أن تستمع لتمثيلية سياسية، إلا إذا كان هناك هدف منها، وللأسف الشديد فإن كل أعمالنا الفنية فى الإذاعة والتليفزيون عرض حال ولم أشاهد حتى اليوم عرض حلول لأنه لا يوجد من يجىء بالحلول!

 إن صياغة المشكلة والتفسير هما من أدوار الفن التى تحقق الوعى أيضا؟

 ينفعل شيخ الفنانين ويقول: الرشوة، السرقة، الاضطهاد السياسى، الروتين، المشاهد يعرف كل هذا، أنا لا أطالب المؤلف بتقديم حلول لما يعرفه المشاهد.

 هل حدث تطور من الناحية التكنيكية فى تأليف التمثيلية الإذاعية طوال هذه السنوات؟

لم يحدث أى تطور فى السيناريو الإذاعى منذ نشأة الإذاعة وحتى الآن.. بنفس الطريقة تأليفا وإخراجا ولم أستمع إلى عمل درامى إذاعى تجريبى..  بينما شاهدنا هذا فى المسرح فى بعض العمليات التجريبية التى بها شىء من الإبداع، أما فى الإذاعة لم  تصل بعد إلى وجود كتاب إذاعيين يقدمون لنا سيناريو إذاعيا فيه خلق وتجديد.. وأنا أتحدث هنا أيضا عن الحرفية.

 فرقة الطليعة

وقال "محمد توفيق": عام 1940 أنشأت مع زملائى بالبعثة محمد السباع وحسن حلمى فرقة الطليعة وتولدت فكرة إنشائها بعد عودتهم من بعثة بإنجلترا وشارك معهم أحمد ضياء الدين وأمينة نور الدين وعثمان أباظة حتى تكون متنفسا لهم لإظهار ما درسوه فى البعثة، وقدمت هذه الفرقة عروضها بالقاهرة وجميع المحافظات وكذلك سافرت إلى البلاد العربية مثل فلسطين والعراق والكويت وسوريا، وهذه الفرقة كان لها أثر كبير فى تغيير مفاهيم المسرح وجعلت لدى الشباب العربى الحافز الكبير فى الاهتمام بالمسرح وقدمت العديد من المسرحيات الناجحة منها: تحت الرماد، الخطوبة، المفتش العام ومرتفعات ويذرنج وكلهم من تأليف الدكتور رشاد رشدى.

فى عام 1941 شارك "توفيق" فى أول أعماله السينمائية بفيلم "مصنع الزوجات" الذى رشحه له المخرج نيازى مصطفى، واستمر يمثل هذه الشخصية فى العديد من الأعمال، مثل "حب من السماء" و"شهرزاد الغرام"، ثم انتقل بعد ذلك بتمثيل الأدوار المركبة التى تعانى عدم اتزان وكذلك بعض الأدوار البدوية مثل فيلم "دماء فى الصحراء" و"انتقام الحب" و"قيس وليلى"، وله العديد من الأدوار التى تعتبر علامات مضيئة فى تاريخه السينمائى مثل دوره بفيلم "ثمن الحرية" و"شىء من الخوف"، وفيلم "سوبر ماركت".

أما عن دوره فى فيلم "لك يوم يا ظالم"، فقد كان له مكانة كبيرة فى قلبه، فاحتفلت الدولة بهذا الفيلم وكرمت ثلاثة ممن شاركوا به المخرج صلاح أبو سيف الذى شارك الأديب نجيب محفوظ فى كتابة السيناريو والفنانة فاتن حمامة والفنان محمد توفيق.

ومن الطريف أن "توفيق"  قدم دور المدمن فى ثلاثة أفلام عرضت فى عام واحد عام 1958 وهى فيلم "توحة، والأخ الكبير، المعلمة" وقد بلغت براعته فى هذا الدور أن الجمهور اعتقد أنه مدمن بالفعل..

عين توفيق لفترة فى استديو مصر بوظيفة مساعد مخرج أول وعمل كمساعد مخرج سينمائى فى بعض الأفلام الأجنبية التى صورت فى مصر، فعندما حضرت بعض الشركات الأجنبية عام 1955 إلى مصر لتصوير المشاهد الخارجية لأفلامهم استعانت باستديو مصر فرشح الاستديو محمد توفيق للعمل معهم، من هذه الأفلام "الوصايا العشر" من إنتاج شركة  "بارا مونت" من إخراج المخرج العالمى "سيسيل دى ميل" وفيلم "قيصر وكليوباترا" إنتاج فوكس للقرن العشرين تأليف برناردوشو.

كان توفيق عضوا بنقابة المعهد السينمائى شعبة مساعد مخرج، وفى عام 1957 اشترك فى جمعية أنصار التمثيل والسينمائى، وانتخب رئيسا للجمعية عام 1973، وعام 1989 تجدد انتخابه واشترك فى المسرحيات التى كانت تقدمها الجمعية، منها مسرحية كسبنا القضية تأليف محمد جمال الدين إخراج محمود السباع، ومسرحية "قنديل أم هاشم" قصة الكاتب الكبير يحيى حقى التى أعدها للمسرح أمينة الصاوى وعثمان أباظة من إخراج محمد السباع، ومسرحية جسد على ورق من إخراج السباع أيضا، وفى عام 1959 وحتى عام 1962 عمل محمد توفيق مخرجا لفرقة اسماعيل يس، عندما استدعاه أصحاب الفرقة اسماعيل يس والكاتب أبو السعود الإبيارى للقيام بإخراج مسرحياتهم، وخلال ثلاث سنوات قدم مع الفرقة مسرحيات منها "عازب إلى الأبد، منافق للإيجار، عمتى فتافيت السكر، عقول ستات، يا الدفع يا الحبس، ليلة دخلتى، الحبيب المضروب، كنت فين إمبارح، سنة تانية جواز".

وفى  عام 1964 اتصل "عبدالمنعم الصاوى" بالفنان محمد توفيق بالنيابة عن وزير الثقافة "عبدالقادر حاتم" وكلفه بإخراج النص العربى لمشروع الصوت والضوء لكل من أبو الهول وأهرامات الجيزة، وقلعة صلاح الدين والكرنك. مشروع الصوت والضوء قامت بتنفيذه شركة "فليبس" بثلاث لغات.. الإنجليزية والفرنسية والعربية، وتم تكليف مخرجين وممثلين أجانب للغتين الإنجليزية والفرنسية ومن هنا تجىء أهمية اختيار الفنان "محمد توفيق" لإخراج النص المسرحى، ويقول توفيق عن هذا سوف يخلد التاريخ كل من عمل وشارك من فنانينا الكبار فى ذلك العمل ومنهم يوسف وهبى، ذكى طليمات، عبدالوارث عسر، جلال الشرقاوى، حمدى غيث، محمود ياسين.

تزوج الفنان الكبير "محمد توفيق" من السيدة "عطيات البدرى" شقيقة المذيعة "عواطف البدرى" والفنانة "كريمة مختار" وأنجب أربع بنات.

وعلى مدى رحلة عطاء فنية لأكثر من نصف قرن، استطاع محمد توفيق أن يكتب تاريخه على صفحات الفن المصرى والعربى بحروف من نور وظلت أعماله عالقة فى أذهان المشاهد المصرى والعربى، وبرغم رحيله منذ أكثر من 21 عاما، حيث  رحل فى 27 مارس 2003 عن عمر ناهز الـ95 عاما، وعلى مدار هذا العمر الحافل كرمته الدولة ونال العديد من الأوسمة والجوائز وشهادات التقدير.

Katen Doe

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من المجلة زمان

اللواء أحمد فتحى عبد الغنى يكشف تفاصيل استعدادات الجيش الشعبى لمعركة العبور

التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...

ملوك الجدعنة والمقاومة .. فى كل حارة مقاتل من الجيش الشعبى

الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...

سر أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967

الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...

فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولته

محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص