«أبو بكر خيرت » فى حوار عمره 66 عامًا: الموسيقى فى مصر «خدَّامة » فقط

للأسف.. عندنا غناء تتبعه الموسيقى / الموسيقى لغة الروح وينبغى تحريرها من قيودها السوقية / عبارة «الجمهور عاوز كده» غير عادلة لأن الشعب لم يعرف بعد الموسيقى الجادة / «الوطنية الرخيصة» هى سبب تأخرنا الفنى فى الموسيقى

يُعد الموسيقار "أبو بكر خيرت" أول من وضع الموسيقى المصرية فى إطار سيمفونى، كما كان الأول فى استخدام الألحان الشعبية فى مؤلفات أوركسترالية، وهو كذلك أول من كتب الأعمال فى قالب الكونشرتو.

أسرة "خيرت" كانت تنعم بحب الفن والموسيقى والثقافة، فوالده المحامى "محمود خيرت" كان عاشقاً للفن التشكيلى والموسيقى، ووالدته ذات الأصل اليونانى كانت تعيش فى حى السيدة زينب الشعبى كمنارة للفن والعلم والأدب والموسيقى، وقد اهتم والداه بموهبته مبكراً وأتاحا له تعلم الصولفيج ثم تعلم العزف على الكمان فى سن الخامسة على يد معلمه "حسن دادة"، وعندما وصل عمره إلى عشر سنوات درس عزف البيانو على يد "أورتاكى" لمدة عشر سنوات.

حصل "خيرت" على بكالوريوس الهندسة عام 1930 بتقدير امتياز، الأمر الذى أتاح له فرصة السفر فى بعثة لمدرسة الفنون الجميلة العليا بباريس فى تخصص الهندسة المعمارية، وأثناء دراسته للهندسة فى فرنسا كان يدرس الموسيقى التى تسير فى عروقه مجرى الدم، ثم عاد إلى مصر عام 1935 وظل يدرس الموسيقى مع أستاذه القديم كورتاكى، وبعد رحيل معلمه درس على يد "تيجرمان" و"كمبيزى"، وفى عام 1957 زار الاتحاد السوفييتى بدعوة من وزارة الثقافة السوفييتية وعزف بعضا من مؤلفاته، كما مثل الجمهورية العربية  المتحدة عام 1958 فى مهرجان الموسيقى العربية فى بوخارست، وقدم "خيرت" أول حفلاته فى دار سينما أوبرا القاهرة عـــــام 1963 بـمشــاركـــة أوركستـــرا القاهرة السيمفونى بقيادة "جوزييبى جالياتو".

أشهر ما قدم "أبو بكر خيرت" المتتالية الشـعبيــة الــمصــريـــة للأوركستــرا وكـــونشرتــو البيــانــو والسيمفـونية المصرية الشعبية وبعض المقطوعات القصيرة، وحصل "خيرت" على جائزة الدولة التقديرية 1959، وفى عام 1963 وتحديدا فى يوم 25 أكتوبر رحل فجأة وهو يمارس عمله فى كونسرفتوار القاهرة أثناء اجتماعه بخريجى الدفعة الأولى للمعهد.

أهم ما قدمه "أبو بكر" فى المجال المعمارى كان قاعة سيد درويش بالهرم، فضلاً عن مبان معهد أكاديمية الفنون، والمدينة الجامعية التابعة لجامعة القاهرة، ومستشفى الكاتب بالدقى، ومستشفى مجد بالدقى، وعمارة موبيل بجاردن سيتى.

وفى مناسبة ذكرى رحيله الستين، تعيد "الإذاعة والتليفزيون" نشر حوار أجرته معه منذ 66 عاماً وتم نشره آنذاك فى العدد 1162بتاريخ 22 يونيه 1957.

فإلى نص الحوار

أبو بكر خيرت يتكلم بصراحة

الموسيقى المصرية موسيقى سوقية عندنا غناء تتبعه الموسيقى

استمع جمهور الأوبرا منذ أسابيع إلى سيمفونية "إيزيس" التى عزفتها فرقة الإذاعة السيمفونية بقيادة المايسترو النمسوى فرائز ليتشاور.. وانطلقت الأيدى تدوى بالتصفيق الذى هز جوانب الدار الكبيرة.. وراح الجميع يتساءلون فيما بينهم.. ترى من صاحب هذه السيمفونية المصرية الرائعة؟.. وعرف الجميع أن صاحبها هو المهندس المصرى الفنان أبو بكر خيرت.. ولم تكن تلك أول سيمفونية يكتبها بل كتب قبلها سيمفونيات كثيرة نالت إعجاب خبراء الموسيقى فى العالم.. وأبو بكر خيرت فى طليعة المصريين الذين تثقفوا ثقافة موسيقية عالية، وقد سافر إلى الخارج ودرس على  أيدى رجال الموسيقى العالميين. 

وفى مكتبه الأنيق بعمارة إيموبيليا جلس أبو بكر خيرت يحدثنا عن رأيه فى الموسيقى المصرية..

وآماله وأحلامه فى نشر الوعى الموسيقى الصحيح فى مصر..

ما رأيك فى الموسيقى المصرية التى تملأ أسماعنا اليوم فى كل مكان؟

موسيقى هزيلة أو بمعنى أدق موسيقى سوقية، وليس عندنا إلا بعض حالات فردية، يمكن أن يطبق عليها لفظ موسيقى بالمعنى الذى يعرفه خبراء الموسيقى فى العالم.. إن الموسيقى فى مصر أداة للهو والطرب!

وهل هذا عيب؟

بلا شك، فالموسيقى ليست مجرد أداة طرب أو ترف.. بل هى حاجة أساسية للإنسان كالغذاء للجسم، والهواء للرئة، فالطفل ولد وهو يغنى، فهى رياضة العقل والفكر والقلب، صحيح أن لها ناحية ترفيهية، ولكنها فى معظم جوانبها جادة إن الموسيقى فى رأيى، صلاة لها قدسيتها، فهى تسمو بك وترتقى بحسك!

وصمت قليلا ثم عاد يتساءل- أتظن أن فى مصر موسيقى؟.. إن الموسيقى فى أوسع تعبير عندنا، عبارة عن غناء يتبعه شىء من الموسيقى، فالموسيقى خادم لا سيد، ويلزم أن نولى هذه النقطة كل اهتمامنا، حتى تصل الموسيقى إلى مرتبة السيد، فهى لغة فصيحة يمكنها أن تعبر تعبيرا جميلا شاملا عن كل ما نشعر به دون حاجة إلى غناء،وأنا لا أريد بهذا أن نغفل من شأن الغناء، فلن يزول الغناء من الوجود، ولكنى أريد أن نحرر الموسيقى من هذه القيود.

ما رأيك فى الحجة التى يتمسك بها الموسيقيون ليفرضوا علينا هذه الموسيقى بحجة أن الشعب يريد هذا ويرفض ذاك؟

يلزم أن يكون مفهوما أن الشعب المصرى اليوم شعب مثقل بآراء احتلال دام ألفى عام، ومنذ قرن واحد فقط- وهو يحاول التخلص من مستعبد به ليعيش حرا كريما، فإذا ما كان اليوم شعبا فقيرا، وإذا كانت ثمة التعتيم والثقافة بنسبة ضئيلة وإذا كانت إمكانياته الحالية لا تناسب مع ما كان ينبغى أن يكون، فإنه شعب يكفيه فخرا أنه يحاول أن يتغلب على كل ذلك وأن يعيش حرا كريما فإذا قلنا إنه تحددت إمكانيات ثقافته الحالية، فليس هذا ذنبه بل يلزمنا جميعا أن نعمل لاستكمال كافة هذه النواحى وتزيده بما يحتاج من ثقافة وعلم، وهذا يحتاج لعمل متواصل وكفاح مرير، وأن ننظر جميعا إلى أعلى.

ويصمت أبو بكر قليلا ثم يستطرد فيقول: فإذا قيل اليوم إن الشعب المصرى لا يتذوق إلا الموسيقى البدائية المملة، التى هى فى الواقع من تراث الماضى، فهو معذور، إذ يجب أن يعرض على هذا الشعب كافة أنواع الموسيقى الثقافية الرفيعة، وهذا بكل أسف ما لم تتجه إليه النية بعد، فالإذاعة مثلا وهى الإدارة  الرسمية الفعالة التى تدخل كل البيوت، وتصل إلى كافة الأسماع محشوة بالرخيص الهين، وتملأ ساعات نهارها وليلها بأغانى الحب والغرام والهيام، والوله والخنوثة، وفيما ندر نستمع إلى صيحات متفرقة تدعو إلى الرجولة والفكر والسمو، فواجب الإذاعة الأول لخدمة الشعب أن تثقفه لا أن تطربه، وأن ترتفع به  تدريجيا، ولكن بصورة قاطعة ملموسة فالشعب المصرى شعب حساس يريد أن يتعلم أن  يتذوق،  والواقع أن الإذاعة بوضعها الحالى تحرمه، ولا أ دل على ذلك من أن الإذاعة المصرية قد بدأت فعلا هذه الأيام مشكورة بإخراج البرنامج الثانى.

تعدد الحديث وكثر الكلام فى الأيام  الأخيرة عن الموسيقى الغربية والموسيقى الشرقية.. فما رأيك فى هذا الموضوع؟

كثر الكلام فعلا فى موضوع الموسيقى الغــربية والمــوسيقــى الشرقيـة أو العربية، فالبعض ينادى بدافع من الوطنية الرخيصة أن نحمى تراثنا وألا ندعه يضيع  وسط موسيقى بيتهوفن وشوبان والبعض الآخر متحمس للموسيقى الغربية وهو معذور، فالموسيقى الرفيعة بجد فيها من القوة والعظمة والجمال وإمكانيات التصوير الشيق البديع عن كافة المشاعر مالا يجده فى موسيقانا وأغانينا بوجه عام، فموسيقانا تريد أن تصيبه فى  القلب، ولكنها تنحدر من هذا إلى أسفل، والموسيقى الثقافية العالمية الرفيعة تصيبه فى القلب أيضا، ولكنها ترتفع به إلى أعلى، فهل يرضينا هذا  الحال؟ وكيف نوفق بين هذين  الرأيين؟

إن التمسك بأسباب وطنية رخيصة للطعن فى نوابغ الفكر لهو أمر يرثى له، فلا يمنع إنسان كائن من يكون، من أن يكتسب موسيقى وأن تكون  هذه الموسيقى مصرية، ولكن الأروع أن تسمو أفكارنا وتتكامل إمكانياتنا بما يسمح لنا بأن نكتب أو أن نؤلف بحيث تتعدى أفكارنا حدود بلادنا الجغرافية،  ونصيب قلوب وأفكار الشعوب الأخرى، فيشعرون ، حتى ولو لم يتمكنوا من تفهم تفاصيل أعمالنا بروحها المصرية وهى غريبة عليهم- بأن فيما جمالا وسموا فى الفكر وفى العرض، فليس هناك فى  الواقع ، موسيقى عربية أو موسيقى أجنبية بقدر ما فى موسيقى جميلة أو غير جميلة!

أعرف أن لك رأيا جريئا فى نشر الوعى الموسيقى بين أبناء الجيل.. فما هو؟

أن ندرس مادة الموسيقى الشرقية والغربية بكافة مدراس الجمهورية، كاللغة العربية والتربية الرياضية والجبر إلخ.. وبهذا تكون الأجيال ذواقة للموسيقى الرفيعة أسوة بالأدب.

والمعاهد الموسيقية الحالية هل نلغيها؟

كلا.. بل ندعمها بالمال والأساتذة والبناء، ونؤمن مستقل خريجيها ونحاول إنشاء معهد عالى للموسيقى، على نمط معاهد العواصم  الكبرى مثل برلين ومدريد وروما، ويشترط أن تعينه الحكومة بالمال الوفير، وأن تخصص له الأساتذة اللازمين أساسا من الخارج، مع بعض الكفاءات المحلية، على  أن يكون مستقلا تمام الاستقلال عن الروتين الحكومى واللوائح والقوانين، التى نعلم أن تطبيقها الكثير، وأن نضمن له هذه الحالة لمدة عشرين عاما على الأقل، يكون خلالها قد أخرج لنا بضعة أجيال أو دفعات من خريجيه، وتكون الثقافة الموسيقية الرفيعة قد تطورت بمصر، بما يضمن بعدئذ  وجود وسط فنى راق مثقف، يتولى  الدفاع عنه على الوجه الصحيح، إذا ما ألحق بالرقابة الحكومية بعد ذلك.

وأوركسترا الإذاعة.. هل هو فى حاجة إلى تدعيم؟

لا شك أننا فى حاجة ملحة لتدعيمه بما ينقصه من العازفين ورؤساء العازفين، وعلى وجه الخصوص رفع مرتبات أفراده بما يضمن تفرغهم بصورة أكمل للعمل الشاق العظيم الذين يقومون به حاليا، وحتى لا يراق ماء وجوههم  قبل آخر كل شهر، ولا يضطرون إلى التسكع فى الكباريهات..

ليلا لاستكمال مقومات  حياتهم المادية.

ومستوى المقطوعات التى يعزفها الأوركسترا السيمفونى لمؤلفين مصريين.. ما رأيك فيها؟

يجب ألا يعزف الأوركسترا السيمفونى أية مؤلفات سيمفونية يكتبها مصرى ما لم تعرض أولا على قائد الأوركسترا الأجنبى الخبير، ليقرر صلاحيتها فنيا، وأنها لا تهبط بمستوى ما يعزف عادة من المقطوعات الثقافية الرفيعة، التى تعزف بواسطة الأوركسترا إلى أن يتوافر لدينا الخبراء المصريون ، وأملى أن يكون ذلك قريبا؟

معنى ذلك أن ليس عندنا من الموسيقيين من يمكن أحلامهم محل الأجانب؟

نعــم.. ليـس عنــدنا واحــد يفهــم مثــل "ليتشــاور" المــايسترو النمساوى  الموجود الآن فى مصر، وأننى أعتقد تماما أن بعض إخواننا المصريين ممن يعاونون هذا المايسترو، وهم من  الممتازين سوف يجنون محصولا أوفر من المعرفة والمقدرة الموسيقية إذا ما أرادوا الاستفادة من خبرة هذا الأستاذ.

وهل تكفى الأوركسترا الحكومية لنهضة الموسيقى المرجوة؟

يجب العمل على إيجاد أوركسترا أهلية تعينها الحكومة بالمال، وتكون تحت إشرافها على أن تديرها جمعية أو لجنة من غير الموظفين.

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من المجلة زمان

اللواء أحمد فتحى عبد الغنى يكشف تفاصيل استعدادات الجيش الشعبى لمعركة العبور

التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...

ملوك الجدعنة والمقاومة .. فى كل حارة مقاتل من الجيش الشعبى

الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...

سر أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967

الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...

فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولته

محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...