حسين رياض: اخترت الجوع بعيدًا عــــــن أسرتى من أجل الفن

دخل الفنان الكبير "حسين رياض" قلوب ووجدان المصريين بسهولة، فقد ظلت أدواره فى ذاكرة المصريين لسنوات طويلة، فمن ينسى "الريس عبد الواحد" فى فيلم "رد قلبي" أو "ثوبان" فى فيلم "رابعة العدوية" أو "سلامة" فى فيلم "وإسلاماه".

 

قدم حسين رياض320 فيلما منهم كل هذا الحب والمراهقات و240 مسرحية و50 مسلسلا، لذلك يعد من الفنانين أصحاب الأعمال الغزيرة فى السينما المصرية، وأجاد "رياض" دور الملك أو السلطان لأنه من جذور تركية ترجع إلى جزيرة كريت بالبلقان.

جمع حسين رياض فى أدواره بين الطيبة تارة والقسوة تارة أخرى، فقدم دور الأب الحنون العطوف ودور الأب القاسى بنفس البراعة، كما كان رياض مخرجا  مسرحيا، فقد أخرج كل روايات "جورج أبيض" فى الفترة من 1923  إلى 1925، وكذلك أخرج بعض مسرحيات فرقة رمسيس.

اسمه بالكامل "حسين محمود شفيق رياض" من مواليد 13 يناير 1897 فى حى السيدة زينب، والده كان تاجرا للجلود تزوج من امرأتين وأنجب منهما خمسة أولاد من بينهم "حسين" الذى أخذ لقبا فنيا له "رياض" فأصبح "حسين رياض"، وشقيقه "فؤاد" أخذ لقبا له "شفيق" فأصبح "فؤاد شفيق".

فى عام 1918 انضم رياض إلى فرقة "عزيز عيد" وزوجته "فاطمة رشدي" المسرحية مع نجيب الريحانى واستفان روستى وروز اليوسف وحسن فايق، وتنقل بين العديد من الفرق المسرحية، مثل فرقة منيرة المهدية وفرقة الاتحاد التمثيلى تحت إشراف "زكى طليمات"؛ وظهر رياض فى مسرحية "كشكش بيه" مع "نجيب الريحاني"، لكنه اضطر إلى العودة إلى فرقة عزيز عيد وفاطمة رشدى بعدما توقفت فرقة نجيب الريحانى، وكان قد اشترك فى وقت سابق مع منيرة المهدية وعلى الكسار، وفى عام 1923 انضم رياض إلى فرقة رمسيس كممثل وقدم معهم العديد من الأعمال المسرحية، منها غادة الكاميليا، واستقلال امرأة، وأنطونيو وكليوباترا، وأحدب نوتردام عام 1926، وصاحب البيت عام 1927، وشجرة الدرعان 1928والجناية عام 1930، وأولاد الفقراء عام 1931، وبنات اليوم عام 1932، ومجنون ليلى عام 1943، وعندما توقفت الفرقة بعد ذلك إثر أزمة المسرح وأنشئت الفرقة القومية اشترك فيها، حيث أصبح فتى المسرح القومى الأول، ولم يلمع نجمه فقط فى التراجيديات بل تفوق فى الكوميديا كذلك، فقد قدم أول أعماله السينمائية وهو فيلم "صاحب السعادة كشكش بيه" من إخراج "استيفان روستى، وكان آخر أفلامه فيلم "ليلة الزفاف" الذى مثل فيه دور الدكتور "رأفت"، ووافته المنية قبل أن يستكمل تصوير الفيلم، مما اضطر مخرجه إلى حذف مشاهده الأخيرة.

كان الرئيس جمال عبد الناصر يحب "حسين رياض" ويقدر فنه، حتى إنه قابله بعد عرض فيلم "رد قلبي" بسينما ريفولى وقال له: "تأثرت بدور الفلاح البسيط الذى يضحى من أجل أن يكون ابنه ضابطا فى الحربية، وكذلك تأثرت بمشهد إصابته بالشلل" واعتبر رياض كلام الرئيس "جمال عبد الناصر" وساما على صدره وأكبر تكريم لفنه.

حصل رياض على لقب (فنان الشعب) مثل أم كلثوم وعبد الوهاب ويوسف وهبى وأمينة رزق، كما حصل على  درع الريادة، وكان أول تكريم له بعد رحيله، واحتفلت هيئة البريد بمرور 100عام على ميلاده بأن أصدرت طابع بريد عليه صورته، كما منحه الرئيس عبدالناصر وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى سنة 1963 فى عيد العلم، وحصل على جوائز من المركز الكاثوليكى عن أفلامه "رد قلبى" و"موعد مع الحياة" و"الملاك الصغير".

"الإذاعة والتليفزيون" تقدم فى السطور التالية حوارا نادرا أجراه "حسين رياض" على صفحاتها قبل 57 عاما، حيث نشر الحوار فى عددها رقم 1639 الصادر بتاريخ 13 أغسطس 1966.

 

حسين رياض يتحدث عن نفسه!

كان أبى يريدنى أن أكون ضابطا.. وكنت لا أريد أن أكون هذا الضابط.. وفى  المرات القليلة التى تناقشت فيها معه لأبسط له وجهة نظرى فى الفن، ومدى التفانى فيه، كان يغضب منى ويزداد إصرارا على أن أكون ضابطا مهما كانت وجهة نظرى.

ورغم أنى أعتقد أن وظيفة ضابط البوليس تتيح لى أن أخدم بلدى.. إلا أن وظيفة  فنان هى الأخرى تتيح لى أن أخدمه عن طريق آخر لا يقل أهمية عن الأول.. وحصلت على البكالوريا، ويوم ظهرت النتيجة تمنيت للمرة الأولى فى حياتى لو كان نصيبى الفشل حتى لا يحين الوقت الذى أبتعد فيه عن الفن وأدخل الكلية الحربية، ومع ذلك فقد دخلت الكلية.

وفى أول أجازة خرجنا فيها من الكلية لنزور أهلنا، انطلقت من باب الكلية وفى صدرى عزم بألا أعود.. وذهبت إلى أسرتى فرحبوا بمقدمى وأنا فى الحالة الأنيقة، واعتقدوا أننى طرحت من رأسى جنون الفن، وقبلت المستقبل الزاهر- الذى اختاره لى أبى – راضيا مسرورا.

وفى اليوم التالى لم يجدونى بينهم.. ذلك أنى خرجت فقابلت صديقى الأستاذ حسن فايق، وقصصت عليه كل ما حدث معى وأفهمته أن معى بضعة جنيهات هى كل ما وفرت من مصروفى، فعرض علىّ فى مودة أن أقيم معه فى الحجرة التى استأجرها فى حى السيدة زينب.

وقبلت على الفور.. وذهبت معه إلى حجرة ضيقة فى حارة البابلى.. تناثر فيها أثاث بسيط فقير.

ولما استقر بى المقام.. بدأت أبحث عن عمل.. ولم يكن المسرح - فى ذلك الوقت من سنة 1918 - منتعشا، وكان الذين يعملون فيه يعانون سوء الحال وقلة الايراد، ولهذا كان من العسير أن أجد عملا بين يوم وليلة.. وكان حسن فايق من الآخر عاطلا.. ونفدت نقودنا.. ولكننا لم نيأس.. واحتملنا الجوع والضياع.. وامتدت أيام الجوع فاقترضنا من كل صديق حتى لم يعد لنا أصدقاء نقترض منهم.. وفجأة ابتسم لنا القدر.. فقد ذهبت إلى الأستاذ نجيب الريحانى- وكانت له فرقة وكان له صيت ذائع- ومع ذلك لم يكن هذا الفنان الكبير ليبخل بدقائق كل يوم يقابل فيها الهواة، ويستمع لأحلامهم ثم يداعبهم بفكاهته فيصرفهم عن الأحلام الزائفة أو يلمس فيهم الكفاءة والفن فيضمهم لفرقته.

وقد أعددت أجوبة لكل ما يمكن أن يوجهه لى من أسئلة.. وتخيلت أنه سينكر معرفته بى.. ولكنه قابلنى بالترحاب وسعة الصدر وقال- بعد أن استمع إلى حكايتى – إنه يسره أن أنضم إلى فرقته..

وبدأت العمل مع فرقة الريحانى- وكنت أقبض كل ليلة سبعة قروش ونصف – وأكاد أطير من الفرح.

فقد أعادت إلينا هذه القروش الحياة.. كنا نخدم أنفسنا بأنفسنا.. نطهو طعامنا، ونرتق جواربنا، ونكنس حجرتنا، ولا بأس من أن نمسحها كل أسبوع، وسددنا ما علينا من ديون..وعشت مع حسن فايق فى هذه الحجرة أحلى أيام حياتى.

كنت أعود من المسرح فى شارع عماد الدين إلى السيدة زينب سيرا على قدمى.. فأجد حسن قد أعد كل شىء.. فنأكل ونشرب ونضحك ونحلم بالمستقبل الذى ستغرد فيه العصافير.

ثم عمل حسن فى فرقة مسرحية.. وقفز دخلنا، وبدأنا ندخل التحسينات على الحجرة.. وعلى قائمة الطعام، وبدأنا نسير مرفوعى الرأس فى الحارة بعد أن دفعنا ديون البقال ومن إليه.

وفى العام التالى – أى عام 1919 – قامت الثورة وبدأ الفنان العظيم حسن فايق يؤلف المنولوجات ويلقيها فى أسلوب بسيط جميل يسمعها كل الناس فيطربون لها كل الطرب وكان يتضمن كل منولوج وجهة نظره فى السياسة وتجار السياسة فى ذلك العهد.

وأخذت هذه المنولوجات تنتشر.. وبدأ ينتزع مكانه كممثل كبير مرموق.. وبدأت أنا الآخر آخذ مكانى على خشبة المسرح الذى وهبته كل حياتى.

ومرت بحياتى عواصف كثيرة.. كان من الممكن أن تعترض طريقى لو أننى كنت قليل الإيمان بالله ضعيف الثقة فى نفسى أو فى فنى.. وبعد كفاح شاق طويل استطاع حسين رياض أن ينتزع مكانه كفنان رائد.. مثل مئات الأدوار على خشبة المسرح الذى أحبه.. منها "ياجو" فى مسرحية "عطيل" مع جورج أبيض، "الكونت" فى مسرحية "زواج الحلاق"، "شايلوك" فى مسرحية "تاجر البندقية".

ومثل مئات الأدوار فى السينما والإذاعة والتليفزيون وبلغ عدد الأفلام التى مثلها "خلال 30 عاما" 220 فيلما.. وفى الإذاعة 250 تمثيلية ومسلسلا.. وفى التليفزيون ما يقرب من مائة تمثيلية ومسلسل.

وعاش كل حياته كفنان كبير رائد.. وكان يقول: الفن لابد أن يصطدم بالمتفرج ومن الأفضل أن يقسو عليه.. ويجعله يفكر بعمق.. ويتأمل حياته والفنان لا يقلد الحياة  فقط لكنه يعطى أعماقا أبعد وأشمل من هذا.. يعطى الحياة ذاتها بكل عنفها.. وقسوتها.. وحقيقتها.

وحول هذه النظرية يتجدد مفهومنا عن الممثل.

كانت آخر وصية لحسين رياض قبل وفاته ألا يدفن جثمانه فى نفس يوم وفاته، حتى لا يحدث له ما يحدث فى جنازة كثير من الفنانين.. أوصى أن يدفن بعد 24 ساعة من وفاته.. وأن يخرج نعشه من مسجد عمر مكرم.. وأن يقام المأتم هناك أيضاً وتحققت وصيته لكنه مع ذلك لا يزال يعيش مع الناس فى السينما، والإذاعة، والتليفزيون.. والحياة.

Katen Doe

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من المجلة زمان

اللواء أحمد فتحى عبد الغنى يكشف تفاصيل استعدادات الجيش الشعبى لمعركة العبور

التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...

ملوك الجدعنة والمقاومة .. فى كل حارة مقاتل من الجيش الشعبى

الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...

سر أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967

الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...

فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولته

محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص