قصة الرائدة "بهيجة حافظ"، هى قصة "مصر" نفسها، فى القرن الماضى، وكانت تعيش صراعا بين الفن والعيب والحرام بالمعنى السلفى،
الموروث من الكتب الصفراء، ورغم أن "بهيجة" ابنة "باشا" من أهم الباشوات فى زمانه، لكنها لم تمر بطريق الفن بسهولة، ووالدها نفسه كان فنانا، يهوى العزف على القانون والعود، وكل أولاده درسوا الموسيقى، لكن عندما اختار "محمد كريم" المخرج السينمائى الرائد، أن تكون "بهيجة" بطلة لفيلم "زينب" فى النسخة الصامته، غضبت عائلتها الغنية المحافظة، وأقامت لها "سرادق عزاء" وتلقت التعازى من الناس، لأنها اعتبرت، دخول "بهيجة" مجال التمثيل السينمائى، موتا معنويا لها، وطعنة لشرف العائلة واسمها العريق!
معركة الحرام والحلال، اختراع عثمانى خالص، لأن العثمانيين احتلوا مصر، وقمعوا الاجتهاد والبحث العلمى فى الأزهر، فتحول "الشيوخ" إلى "ببغاوات" يرددون ما قاله السابقون، دون تطبيق لقواعد القرآن الكريم الداعية للتفكر والتدبر وإعمال العقل، وتحول "الفقيه" إلى حافظ للنصوص، وانتكس المذهب "السنى" وتحول التدين إلى عمل مظهرى، شكلى، وانعكس هذا على المجتمع المصرى، ولقى "الإمام محمد عبده" وصديقه "قاسم أمين" معاناة رهيبة من جانب القوى السلفية التى رفضت تعليم الفتيات، وخروج المرأة للعمل، ولعل القضية التى هزت المجتمع فى العام "1904" هى قضية زواج الشيخ على يوسف من ابنة الشيخ "السادات"، لأنها كانت مواجهة حادة بين قوى التقدم، وقوى الرجعية والتخلف، وفى العام "1908" ولدت "بهيجة حافظ" فى قصر والدها "إسماعيل باشا حافظ"، وهو العام الذى مات فيه "مصطفى كامل"، وكان "الإمام محمد عبده" قد مات منذ ثلاث سنوات، وكانت كتب "قاسم أمين"، المرأة الجديدة "ومقالات "ملك حفنى ناصف"، تشغل المجتمع المصرى، خاصة النخبة المتعلمة المقيمة فى المدن، وكانت "بهيجة" تتلقى تعليمها فى المدارس الفرنسية، وتتعلم الموسيقى على أيدى الموسيقى الإيطالى "جيوفانى بورجيزى"، وتقيم فى "الإسكندرية ـ حى محرم بك"،والأسرة التى هى واحدة من أفرادها تحترم الموسيقى وتحبها، ولما بلغت سن الخامسة عشرة أرسلها والدها "ناظر الخاصة السلطانية "فى زمن السلطان حسين كامل إلى فرنسا، لتواصل تعليمها هناك، وبالفعل حصلت على شهادة من "الكونسرفتوار" فى العام "1930"، وكان زمن "السلطان حسين كامل" هو الحلقة الأخيرة من حلقات السيطرة التركية "العثمانية" على مصر، فالحرب العالمية الأولى وضعت "تركيا العثمانية" فى مواجهة "بريطانيا"، فأعلنت الحماية على مصر، وأنهت الاحتلال التركى الذى كان بدأ منذ العام "1517" عقب هزيمة المماليك فى "مرج دابق"و"الريدانية" وشنق "طومان باى" وتعليق جثته على "باب زويلة"، وفقدان مصر استقلالها، ولكن فى العام 1919 تفجرت ثورة الشعب المصرى، بزعامة "الوفد المصرى" وفى العام 1922، اعترفت بريطانيا باستقلال مصر"الشكلى" الذى ترتب عليه إلغاء "السلطنة" وإعلان "المملكة" وكتابة "دستور 1923"، وكانت ثورة 1919 بداية عصر جديد، عصر الوطنية المصرية الثقافية والزهو القومى، وتذكر المصريون أسلافهم الفراعنة، وقرروا أن يتحرروا ثقافيا من سطوة الغرب والأتراك، وتزامن ذلك مع ظهور"السينما"، بصيغة استثمارية، وكانت أجهزة الصوت لم تخترع بعد، فكانت الأفلام صامتة، وفى يوم من الأيام، نشرت مجلة "المستقبل" التى يملكها "إسماعيل وهبى" المحامى ـ شقيق الفنان يوسف وهبى ـ صورة غلاف للآنسة "بهيجة حافظ"، وقرر"محمد كريم" ترشيح "بهيجة" لبطولة فيلم "زينب" بعد أن رفض المنتج "يوسف وهبى" ترشيح "أمينة رزق"، وقبل الدخول فى تفاصيل الفيلم، من المهم أن يعرف ـ القارئ العزيز ـ أن رواية زينب كتبها دكتور محمد حسين هيكل، أحد قادة الفكر والسياسة فى عشرينات القرن الماضى، وخجل من كتابة اسمه على غلافها، وخجل من اعتبارها رواية، فكتب "مناظر ريفية"، بقلم فلاح مصرى"، وكانت "النهضة المصرية فى 1919"ـ وكلمة "النهضة" هى الاسم الذى أطلقه المصريون على "الثورة الشعبية" التى اندلعت وراح ضحيتها آلاف المواطنين برصاص الجيش البريطانى المحتل، فرضت على المهمومين بالأدب التفكير فى طرق كتابيه تجعل الحياة والطبيعة المصرية حاضرة فى فنون السرد المختلفة، مثل "الصورة القلمية" و"القصة القصيرة" و"الرواية"، وكانت هذه الفنون السردية فى بواكيرها الأولى، ولهذا كتب ـ دكتور هيكل ـ رواية "زينب"، وحرص على أن تدور أحداثها فى الريف، وهو"الباشا" الذى يملك الأطيان، ويخدمه الفلاحون ويعرف الكثير عن حيواتهم، وعقب كتابة هذه الرواية، اعتبرها المؤرخون للأدب المصرى، الرواية الأولى فى تاريخنا الأدبى، رغم أن "طاهر حقى" عم الكاتب الرائد "يحيى حقى" له رواية سبقت زينب، اسمها "عذراء دنشواى"، تطرق فيها للمواجهة التى وقعت بين فلاحى "دنشواى" بمحافظة "المنوفية " فى العام " 1906"، وكان من آثارها خروج "كرومر" من مصر، وفضح جرائم الاحتلال فى صحف أوربا، وصحف "الحزب الوطنى" بقيادة الزعيم مصطفى كامل"، ولكن المؤرخين لم يروا فى "عذراء دنشواى" رواية رائدة، واعتبروا "زينب" الرواية الرائدة فى تاريخنا الأدبى، واستطاع "محمد كريم" أن يجعل منها فيلما سينمائيا صامتا، قام فيه بالأدوار الرئيسة "سراج منير وعلوية جميل وبهيجة حافظ وزكى رستم"،ولكن "بهيجة" كانت لها مسيرة موسيقية، فهى مؤلفة موسيقية، ودارسة فى معاهد فرنسا، وهى أول مصرية تنضم لجمعية المؤلفين والملحنين فى باريس، وفى العام 1937 أسست أول "نقابة للمهن الموسيقية" فى مصر، وبلغ بها حب الموسيقى حد "الطلاق" من زوجها لأنه لم يكن من هواة الموسيقى، وهجرت "الإسكندرية" بعد الطلاق، واستقرت فى "القاهرة"، والمحزن فى علاقتها وأسرتها أنها عقب قبولها التمثيل فى فيلم "زينب" أقامت الأسرة سرادق عزاء واعتبرت"بهيجة" ماتت، وتلقت العزاء من العائلات الصديقة!
ولم تتوقف "بهيجة حافظ"، عن المضى فى طريق الفن، وفيما بعد احترفت تأليف الموسيقى التصويرية للأفلام السينمائية، وكتبت القصص السينمائية، والسيناريو، وأخرجت الأفلام، وأسست شركة إنتاج، وأنتجت عددا من الأفلام، فهى مخرجة فيلم "ليلى بنت الصحراء"، وهو فيلم له قيمة تاريخية، شارك فيه الفنانون "حسين رياض وزكى رستم وعبدالمجيد شكرى وراقية إبراهيم"وتم ترشيحه للعرض ضمن مهرجان "البندقية" السينمائى فى العام "1938"، ولكن حكومة "إيران" اعترضت عليه لأنه يسئ إلى تاريخ "كسرى" ملك "فارس"، ولم يعرض الفيلم فى المهرجان، وتسبب فى خسارة مالية كبرى للسيدة "بهيجة حافظ"، التى أنتجته من خلال شركة "فنار فيلم"، وتوقفت الشركة عن الإنتاج لمدة عشر سنوات، وهذا الفيلم كان من أوائل الأفلام المصرية الناطقة بالعربية الفصحى، وعادت "بهيجة حافظ" لسوق الإنتاج السينمائى بفيلم "زهرة السوق ـ1947" وأخرجه "حسين فوزى"، وهى التى كتبت القصة، وكتب له السيناريو "إبراهيم حسين العقاد" واشتركت بالتمثيل، فقدمت شخصيتين من شخصيات الفيلم، ولم تكتف بذلك، بل غنت أغنيات فيه بالاشتراك مع "وديع الصافى" المطرب اللبنانى المعروف، وكان مغمورا فى زمن إنتاج الفيلم.
وكانت "بهيجة حافظ" المنتجة والمخرجة والممثلة والمؤلفة الموسيقية، ذات حضور فى مجتمع الثقافة، فكانت تعقد صالون "بهيجة" فى قصر تملكه فى "شارع قصر النيل"، وكان الصالون يجمع الموسيقيين والمثقفين والمهتمين بالسينما، وكانت تقدم لضيوفها "حلوى" تصنع خصيصا لهم فى القصر، وكانت جارتها فى ذلك الزمان السيدة "هدى شعراوى" التى كانت تعيش فى قصرها، وكانت زوجة "على باشا شعراوى" ابن عمتها، وكانت رئيسة اتحاد النساء المصريات المنبثق عن "لجنة سيدات الوفد" فى العام 1919، وكانت تتبنى الفتيات الموهوبات وتدفع بهن للعمل السياسى والثقافى والاجتماعى، وكذلك كانت "بهيجة حافظ"، تتبنى الموهوبات، وتساعدهن فى مجال السينما والموسيقى والغناء، ومن تلميذاتها الفنانة ماجدة الصباحى التى ظهرت فى أفلام أواخر أربعينات القرن الماضى، وامتلكت شركة إنتاج، وأنتجت أفلاما مهمة منها "جميلة" الفيلم الذى روى سيرة المناضلة الجزائرية "جميلة بوحيرد" ودورها فى مقاومة الاحتلال الفرنسى لبلادها فى خمسينيات القرن الماضى، ورغم هذا الدور المحورى للفنانة "بهيجة حافظ"، عاشت سنوات فى قصرها، وحيدة، وفى العام 1968، قدمها المخرج الراحل "صلاح أبوسيف" فى فيلم "القاهرة 30"، قدمت دور الأميرة "شويكار"، وهو دور قصير، وكأن -أبوسيف- قصد تكريمها وتصويرها، اعترافا منه بالدور الذى قامت به فى خدمة السينما المصرية، وفى السنوات الأخيرة من حياتها، هجرها الأصدقاء والمعارف، ونسيها العاملون فى صناعة السينما، وماتت وحيدة، وعرف جيرانها بوفاتها بعد يومين مضيا على موتها، ولم تكرمها جهة أو هيئة فى حياتها، رغم رصيدها السينمائى "مثلت فى أفلام منها.. السوق، ليلى البدوية، ليلى بنت الصحراء، الاتهام، زينب، الضحايا" وكتبت عدة قصص وسيناريوهات لأفلام ووضعت الموسيقى التصويرية لأفلام منها "زهرة السوق، السيد البدوى"، وتذكرها "يوسف شاهين" بإنتاجه فيلما تسجيليا عن رائدات صناعة السينما من إخراج ماريان خورى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...
الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...
الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...
محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...