عمرو بدوى: الدولة المصرية تنبّهت مبكرًا لملف «الأمن المعلوماتى»

لدينا كوادر مؤهلة لمواجهة الاختراقات عمليات قرصنة استهدفت أجهزة الحاسب الآلى الخاصة بالشركات والمؤسسات.. خلال فترة رئاستى للجهاز مركز طوارئ الحاسب الآلى.. أهم الأذرع الفنية المتخصصة فى التعامل مع الهجمات السيبرانية

مع تسارع الدولة المصرية في تنفيذ مشروعات التحول الرقمي واتساع نطاق الاعتماد على الخدمات الإلكترونية في مختلف مناحي الحياة. بات الهاتف المحمول - وتحديدا الهاتف الذكي - الأداة الأكثر حضورا في حياة المواطنين، فلم يعد دوره قاصرا على التواصل الاجتماعي، بل أصبح بوابة لإدارة الحسابات البنكية. وإنجاز المعاملات الحكومية، والتعامل مع منصات العمل والاستثمار، وتخزين قدر هائل من البيانات الشخصية والمهنية.

هذا التحول العميق الذي يمثل في جوهره نقلة حضارية واقتصادية بالغة الأهمية، حمل في طياته تحديات غير مسبوقة، على رأسها تصاعد التهديدات السيبرانية فالهجمات الرقمية لم تعد تقتصر على استهداف البنوك أو المؤسسات الكبرى، بل امتدت التلاحق المستخدم العادي في تفاصيل حياته اليومية، مستغلة نقص الوعي، أو ثغرات تقنية، أو ثقة زائدة في التكنولوجيا.

وفي هذا السياق، أصدر الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، مؤخرا، تحذيرا رسميا بشأن موجة جديدة من الهجمات الإلكترونية المتقدمة التي تستغل ثغرات حديثة في أنظمة تشغيل الهواتف المحمولة، وذلك عقب تقارير عالمية أكدت تعرض مستخدمين في أكثر من ١٥٠ دولة لهجمات رقمية منظمة، من بينها مصر تحذيرات أعادت ملف الأمن السيبراني إلى الواجهة وطرحت تساؤلات ملحة حول مدى جاهزية المستخدم والمؤسسات لمواجهة هذا الخطر المتنامي.

لفتح هذا الملف أجرينا حوارًا موسعا مع الدكتور عمرو بدوي، الرئيس الأسبق للجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، الذي يمتلك خبرة طويلة في إدارة قطاع الاتصالات وصياغة سياساته، ليضع أمامنا قراءة شاملة لتطور التهديدات الرقمية، وحدود خطورتها وأبعادها الأمنية والسياسية.

بداية.. هل شهدت مصر اختراقات للهواتف المحمولة خلال فترة رئاستكم للجهاز ؟

طبيعة التهديدات تغيرت جذريا بمرور الوقت المقارنة بين الأمس واليوم يجب أن تتم في سياقها ترکت الزمنى والتقني.

رئاسة الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات منذ نحو ۱۲

عاما، وفي تلك الفترة كانت الهواتف المحمولة في معظمها تقليدية تعمل بأنظمة بسيطة، ولم يكن الانتشار الواسع للهواتف الذكية قد تحقق بعد. استخدام Smartphones ما يعرف اليوم كان محدودًا للغاية، وبالتالى لم تكن الهجمات المعقدة المرتبطة بالتطبيقات وأنظمة التشغيل الذكية موجودة بالشكل الحالي.

هذا لا يعنى أن الاختراقات لم تكن موجودة على الإطلاق بل كانت هناك بالفعل محاولات قرصنة تستهدف أجهزة الحاسب الآلى الخاصة بالشركات والمؤسسات، وحتى بعض الأفراد، إضافة إلى محاولات اختراق محدودة لشبكات الصراف الآلى أو قواعد بيانات بعينها. لكن نطاق هذه العمليات وتأثيرها كان أقل بكثير مقارنة بما نشهده اليوم سواء من حيث الحجم أو التعقيد أو سرعة الانتشار.

كيف تعامل الجهاز مع تلك الاختراقات في ذلك الوقت ؟

الدولة المصرية تنبهت مبكرًا لأهمية ملف الأمن المعلوماتي، حتى قبل أن يتحول إلى قضية عالمية ملحة، وفي عام ۲۰۰۹ (CERT) تم إنشاء مركز طوارئ الحاسب الآلى التابع للجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، وهو أحد أهم الأذرع الفنية المتخصصة في رصد وتحليل والتعامل مع الهجمات السيبرانية.

المركز كان ولا يزال يضم كوادر فنية عالية التأهيل ويتولى رئاسته أحد نواب رئيس الجهاز، بما يعكس الأهمية المؤسسية التي توليها الدولة لهذا الملف ودور هذا الجهاز لا يقتصر على التعامل مع الهجوم بعد وقوعه، بل يشمل المتابعة الاستباقية، ورصد أنماط الهجمات الجديدة والتنسيق مع مراكز الطوارئ المناظرة على مستوى العالم.

الأمن السيبراني لا يعرف حدودًا جغرافية، والهجمة التي تبدأ في دولة قد تصل إلى أخرى خلال ثوان. لذلك، كان التعاون الدولى وتبادل الإنذارات المبكرة جزءا أساسيا من آليات العمل.

ما الأهداف الأساسية وراء اختراق الهواتف الذكية حاليا ؟

اليوم، يمكن تقسيم الهجمات إلى أكثر من مستوى. المستوى الأول هو الاختراقات ذات الطابع الإجرامي البحث، وهدفها الأساسى سرقة الأموال، وهي الأكثر شيوعًا وانتشارا.

المواطن قد يتلقى رسالة تبدو رسمية من بنك أو جهة حكومية أو شركة معروفة، تطلب منه تحديث بياناته أو إدخال رمز تحقق، وبمجرد الاستجابة يتم اختراق الحساب البنكي أو المحفظة الإلكترونية خلال دقائق. لكن المستوى الأخطر هو الاختراق ذو البعد السياسي أو الأمني، حيث لا يكون الهدف المال، بل المعلومات. في هذه الحالات يتم استهداف شخصيات عامة أو مسؤولين أو رجال أعمال مؤثرين، ويتم تسجيل المكالمات، أو اختراق الكاميرا أو الميكروفون، أو تتبع التحركات، ثم استخدام ما يتم جمعه في الابتزاز السياسي أو الضغط أو التأثير على القرار.

هل تقف دول وراء هذه الهجمات أم مجرد أفراد؟

الغالبية العظمى من الهجمات التي تطال المواطنين العاديين يقف خلفها أفراد أو مجموعات صغيرة من الهاكرز يسعون لتحقيق مكاسب مالية سريعة. المواطن العادى ليس هدفا استراتيجيا في حد ذاته.

لكن عندما نتحدث عن اختراق مؤسسات كبرى، أو بنى تحتية حيوية، أو شبكات حكومية، فالوضع يختلف تماما هنا قد تكون هناك جهات منظمة أو دول تمتلك أدوات متقدمة وقدرات استخباراتية لأن الهدف لا يكون المال فقط، بل جمع المعلومات، أو التأثير السياسي، أو حتى إضعاف الخصم.

ماذا عن امتلاك الدولة المصرية شبكات حكومية مغلقة للحماية ؟

وجود شبكات حكومية مغلقة ومؤمنة أمر بالغ الأهمية، ولا يمكن لأى دولة جادة أن تعتمد على الشبكات العامة في إدارة معلوماتها الحساسة.

هذه الشبكات يجب أن تكون معزولة، ومؤمنة بأعلى مستويات التشفير ويتم تحديثها باستمرار الاعتماد على حلول قديمة أو أنظمة غير محدثة يفتح الباب أمام اختراقات خطيرة.

الدولة المصرية تبذل جهودا كبيرة لتعزيز تأمين بياناتها الاستراتيجية، وما يُعرف بـ «عقل الدولة». من خلال التوسع في إنشاء مراكز بيانات حديثة من بينها مراكز تحت الأرض، ثدار وفق أعلى المعايير العالمية للأمن السيبراني واستمرارية الأعمال

وتستهدف هذه المراكز حماية قواعد البيانات الحيوية، وضمان استمرار عمل مؤسسات الدولة في مختلف الظروف، بما في ذلك الأزمات والطوارئ ضمن رؤية شاملة لبناء بنية رقمية سيادية آمنة تدعم التحول الرقمي وتحافظ على استقلال القرار الوطني.

كيف يتم تأمين كبار المسؤولين ضد اختراق الهواتف ؟

وفقا لما أعرفه، فإن كثيرا من كبار المسؤولين خاصة في المناصب الحساسة، يمنعون من استخدام الهواتف الذكية الحديثة في الاتصالات الرسمية ويعتمدون على هواتف تقليدية تعمل بالأزرار.

كما يحظر تماما تخزين أي معلومات تخص جهة العمل على أجهزة ذكية شخصية. وهناك أيضا هواتف مشفرة بمستويات عالية جدا من التشفير تخصص لجهات بعينها.

خلال زيارة رسمية لى إلى الولايات المتحدة استخدمت هاتفا قديمًا، وقيل لي حينها إن هذه الأجهزة مطلوبة بشدة لأسباب أمنية، وهو ما يعكس حجم المخاطر المرتبطة بالهواتف الحديثة رغم إمكانياتها الهائلة.

تصريحات إسرائيلية تتحدث عن المشاركة في صناعة الهواتف والتطبيقات.. فكيف نحمى بياناتنا ؟

مثل هذه التصريحات لا توخذ باستخفاف بل يتم التعامل معها باعتبارها قضية أمن قومي من المعروف أن إسرائيل متقدمة في مجالات الأمن السيبراني وفك الشفرات ولديها شركات تعمل في هذا المجال على مستوى عالمي، وحين رفضت شركة أمريكية كبرى فك تشفير هاتف أحد المتورطين حفاظ على الخصوصية اضطرت السلطات الأمريكية للاستعانة بجهة خارجية استطاعت فك الهاتف، وسط تقارير إعلامية تحدثت عن دور شركة إسرائيلية، وهو ما أثار جدلا عالميا حول حدود الأمان الرقمي

هل يعنى ذلك تفوق إسرائيل على الولايات المتحدة في هذا المجال ؟

في بعض الجوانب المتخصصة، نعم إسرائيل تمتلك خبرات وشركات متقدمة للغاية في مجالات بعينها، وتتعامل مع كبرى شركات التكنولوجيا العالمية. وبعض هذه الكيانات تعمل تحت مسميات غير معلنة

لماذا تلجأ إسرائيل للتنمت وجمع المعلومات ؟

الهدف الأساسي هو جمع معلومات حساسة واستخدامها في الابتزاز السياسي أو التأثير على صناع القرار هذا الأسلوب مستخدم دوليا، لكنه يمثل أحد أعمدة الاستراتيجية الإسرائيلية في التعامل مع الخصوم.

ما رأيك في تجربة المين بالشبكات المغلقة بما لديها من فيس بوك خاص بها وتطبيقاتها ؟

الصين حالة خاصة دولة ضخمة ذات سوق مكتفية ذاتيا ونظام سياسي واقتصادي مختلف. أما في مصر ففكرة الانغلاق الكامل غير عملية، نظرا لارتباط الاقتصاد بالاستثمارات العالمية والتجارة الدولية. والانفتاح على العالم

منذ سنوات كانت هناك قضية تمرير المكالمات الدولية غير الشرعية تخفى وراءها أهدامًا مشبوهة؟

هذه القضية كانت من أخطر ملفات الاتصالات المرتبطة بالأمن القومي لم تقتصر خطورتها على الخسائر المالية بل امتدت إلى محاولات إسقاط أنظمة التتبع والحصول على أرقام مسؤولين وإخفاء مصادر الاتصالات وهو ما شكل تهديدا حقيقيا تطلب تدخلا حاسماً من الدولة.

 	عادل خفاجي

عادل خفاجي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من حوارات

الدكتور نظير عياد.. مفتى الجمهورية: الفتوى الشرعية صارت صناعة حضارية

« السوشيال ميديا» وراء التبرؤ على الفتوى وتحويلها إلى آراء شخصية والدتى معلمتى الأولى فى مدرسة الحياة

الدكتور ماهر عزيز: مصر رسّخت مكانتها كمركز إقليمى لتجارة وتبادل الطاقة

في وقت يشهد فيه العالم تحولات جذرية في أسواق الطاقة، ما بين اضطرابات جيوسياسية حادة، وتقلبات في أسعار النفط والغاز،

وزير التموين: مراجعة خطط الطوارئ لضمان تدفق السلع والحد من تداعيات الحرب

الاستعداد المسبق هو خط الدفاع فى مواجهة الازمات.. ولدينا خطط لكل السيناروهات

مسعود الفك: الحرس الثورى صاحب الكلمة العليا فى اختيار خليفة «خامنئى»

أهداف «ترامب » تختلف عن «نتياهو».. ويسعى للتفاوض مع طهران مجتبى خامنئى أبرز المرشحين لخلافة والده لكنه مصاب بجروح خطيرة


مقالات

مسجد الفتح بميدان رمسيس
  • الجمعة، 13 مارس 2026 09:00 ص
وحوى يا وحوى وتحطيم الهكسوس
  • الخميس، 12 مارس 2026 06:00 م
حديقة الأزبكية
  • الخميس، 12 مارس 2026 09:00 ص
حين نهدأ… ماذا نكتشف عن أنفسنا؟
  • الأربعاء، 11 مارس 2026 10:02 م