الرئيس الأسبق لمركز الأمان النووى:تنويع مصادر الطاقة ركيزة أساسية للأمن القومي

فى إطار الاهتمام المتزايد بالبرنامج النووى المصرى السلمى وتطوراته المتسارعة، خاصة مشروع محطة الضبعة النووية الذى يُعد أحد أبرز المشروعات الاستراتيجية على مستوى المنطقة والعالم، حرصت مجلة الإذاعة والتليفزيون على إجراء هذا الحوار الخاص مع واحد من أبرز الخبراء المصريين فى مجال الطاقة النووية والأمان الإشعاعي.

الضيف هو الدكتور كريم الأدهم، الرئيس الأسبق لمركز الأمان النووى والحماية من الإشعاع، وأستاذ الهندسة النووية بهيئة الطاقة الذرية المصرية، والذى يُعد أحد الرواد الذين أسهموا فى وضع أسس برنامج الطاقة النووية فى مصر على مدى عقود.

فى هذا الحوار الشامل، يستعرض الدكتور الأدهم تاريخ التعاون المصرى الروسى فى المجالات الصناعية والنووية، ودلالات اختيار روسيا شريكاً استراتيجياً لتنفيذ المحطة النووية بالضبعة، وأهمية تنويع مصادر الطاقة كركيزة للأمن القومي، بالإضافة إلى رؤيته لمستقبل العلاقات المصرية الروسية فى ظل المشروعات المشتركة الكبرى.

 سألناه.. كيف تقيِّم الخبرات الروسية التى استفادت منها مصر عبر العقود الماضية، والدور الذى لعبه الجانب الروسى فى تطوير الصناعة المصرية؟

لا شك أن التعاون المصرى الروسى تميّز دائماً بأنه تعاون بنّاء وليس استهلاكياً. روسيا كانت دائماً تتصدى للمشاريع العملاقة ذات الأثر الطويل الأجل والتى يحتاجها الجانب المصرى بشكل كبير. لا يمكننا أن ننسى دورها فى بناء السد العالى واكتماله حتى الآن، ولا مجمع الحديد والصلب الذى شكّل أساس الصناعات الثقيلة فى مصر وأسهم فى تكوين الكوادر المصرية وبناء شركات أخرى انبثقت عنه. كذلك مجمع الألمنيوم فى نجع حمادي، ومدّ خطوط الكهرباء التى ساهمت فى إنشاء الشبكة الكهربية الموحدة، الخبرة الروسية تمتد لعشرات السنين، ولم يبخل الجانب الروسى يوماً فى تقديم المعدات أو الإمدادات أو تدريب وتطوير الكوادر البشرية المصرية. هذه الصناعات الثقيلة طويلة الأجل لا تزال تتشكل ركيزة أساسية للاقتصاد المصرى حتى اليوم.

 ما الدلالات الكبرى لاختيار الجانب الروسى شريكاً لتنفيذ المشروع النووى المصرى فى الضبعة؟

الدلالات كبيرة جداً. أى مشروع نووى له شقّان أساسيان: تكنولوجى وتمويلي. العرض الروسى كان الأفضل على الإطلاق فى الجانب التمويلي، وفى الوقت نفسه يمتلك تكنولوجيا متميزة؛ فروسيا هى التى بنت أول مفاعل نووى لتوليد الطاقة الكهربية فى العالم عام 1954، وأول مفاعل بحثى مصرى عام 1961 كان روسى الصنع، وساهمت روسيا بشكل حاسم فى تكوين الرعيل الأول من الكوادر النووية المصرية من خلال المنح الدراسية والتدريب والمعدات والصيانة. اختيار روسيا كان تتويجاً طبيعياً لهذا التعاون التاريخي، خاصة أنها لم تشترط أى قيود أو رقابة إضافية، وهو ما يعكس عمق الثقة والصداقة بين البلدين. والدليل العملى أن البرنامج يسير بوتيرة تسبق الجدول الزمنى والمعدات تصل فى موعدها أو قبله.

 محور ارتكاز إقليمي

 كيف ترى نظرة الرئيس فلاديمير بوتين إلى مصر ضمن السياسة الروسية؟

فى عهد الرئيس بوتين تشهد العلاقات المصرية الروسية تطوراً ونمواً غير مسبوق. روسيا تنظر إلى مصر كمحور ارتكاز فى المنطقة، ودولة تتمتع باستقرار عالٍ فى منطقة تعانى اضطرابات. موقع مصر الجغرافى المتميز، وعلاقاتها المتوازنة مع الشرق والغرب، وكوادرها البشرية المؤهلة، كل ذلك يجعلها تحظى باحترام واهتمام خاص لدى الرئيس بوتين شخصياً.

 كيف تنظر إلى مكانة محطة الضبعة النووية ضمن البرامج النووية فى القارة الأفريقية؟

حتى الآن، جنوب أفريقيا هى الدولة الأفريقية الوحيدة التى تمتلك مفاعلاً لتوليد الكهرباء. أما محطة الضبعة فستكون الأكبر تقريباً قيد الإنشاء فى العالم حالياً بقدرة 4800 ميغاواط (أربع وحدات من الجيل الثالث المطور)، مما يمنحها ميزات تنافسية وتكنولوجية كبيرة، ويجعلها إضافة نوعية للقارة بأكملها.

 سوء حظ أم تأخير؟

 هل يمكن اعتبار تأخر انطلاق البرنامج النووى المصرى تأخراً فعلياً؟

لا، لم يكن تأخراً وإنما نوع من سوء الحظ. فى الستينيات كان هناك تفكير جاد وتم تخصيص موقع سيدى كرير، لكن جاءت حرب 1967 فتوقف كل شيء، ثم حرب الاستنزاف وحرب 1973. سعى الرئيس السادات لإحياء البرنامج، لكن أحداث 1981 أوقفته مجدداً. فى 1986 طرحت مصر عطاءً عالمياً جاداً، لكن فى نفس العام وقعت كارثة تشيرنوبل التى أثرت سلباً على كل البرامج النووية فى العالم. استمر التأثير حتى أوائل الألفية، ثم جاءت أحداث يناير 2011. مع تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى اتُخذ القرار الجريء بالتعاون مع روسيا، وبدأ التنفيذ الفعلى بنجاح كبير وفق الجداول الزمنية.

 ركيزة أمن قومي

 ما أهمية دخول الطاقة النووية ضمن مزيج الطاقة المصري؟

تنويع مصادر الطاقة يُعد من أهم عوامل الأمن القومي، لأن الاعتماد على مصدر واحد يشكل خطراً استراتيجياً. مصر تسير بخطى ثابتة فى كل الاتجاهات: تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، التوسع فى الطاقة المتجددة (محطة بنبان الشمسية من أكبر المحطات عالمياً، مزارع رياح الزعفرانة والبحر الأحمر)، وأخيراً إضافة الطاقة النووية.محطة الضبعة ستغطى نحو 10% من احتياجات مصر من الكهرباء بتكلفة تنافسية منخفضة، وهى طاقة آمنة واقتصادية وصديقة للبيئة تماماً (لا انبعاثات كربونية)، ومستدامة لأجيال طويلة، كما تحافظ على احتياطيات البترول والغاز للأجيال القادمة ولصناعات البتروكيماويات ذات العائد الاقتصادى الأعلى بعشر مرات.

 نقلة تكنولوجية

 ما الذى تضيفه المنطقة الصناعية الروسية فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى الاقتصاد المصري؟

هذه المنطقة تمثل استمراراً للمساهمة الروسية فى دعم الاقتصاد المصري. ستجلب تكنولوجيا روسية متقدمة جداً، لأن المنتجات موجهة أساساً للتصدير وبالتالى يجب أن تكون بأعلى معايير الجودة العالمية. كما ستوفر فرص عمل كبيرة للعمالة المصرية، وترفع مستوى الكوادر المصرية فى التكنولوجيا والتخطيط والإنشاءات. روسيا لا تبخل أبداً بأحدث ما لديها عندما يتعلق الأمر بمصر، وذلك انعكاس للمكانة الكبيرة التى تحظى بها مصر لدى الجانب الروسي.

 	حنان موج

حنان موج

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من حوارات

استيراد الدواجن المجمدة يعيد الاستقرار للأسواق ويخفض الأسعار

أكد الدكتور عبد العزيز السيد رئيس شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية أن أسعار الدواجن من المتوقع انخفاضها خلال الأسبوع الأول...

الدكتور فاروق الباز :كنت أحلم بدراسة الطب ودخلت عالم الفضاء بسبب المجموع

تعلمت أصول الإنسانية من والدتى وأحببت المتنزهات لأجل شقيقاتى ولعبت كرة القدم من أجل أشقائى الإذاعة المصرية وصوت أم كلثوم...

غلاق 42 دار أيتام نهائيًا ومحاسبة المسئولين.. بسبب رصد تجاوزات

كشف علاء عبد العاطى مدير عام الرعاية الاجتماعية بوزارة التضامن الاجتماعي عن أرقام ووقائع مهمة تخص الأيتام من نزلاء دور...

الدكتور محمد شطا: طفرة فى زراعات القمح.. لم تحدث منذ العصور القديمة

منظومة ذكية لمنع تسريب الأسمدة إلى السوق السوداء الأسمدة والتقاوى متوافرة.. وأسباب خاصة وراء الشكاوى