كرة القدم «سلاح رياضى» لخداع العدو ..

عندما هتف جمهور المحلة للطيران وسط صــدمـة نجوم الفلاحين أين كان محمود الجوهرى وقت العبور؟ جنودنا يداعبون الكرة على الضفة الغربية قبل حرب الكرامة

كيف تحارب مصر وتعبر قناة السويس.. وتلعب كرة القدم فى اليوم ذاته؟!

سؤال ترجع إجابته إلى 53 عاماً مضت،  لكنه يحمل العديد من الحكايات والذكريات والأحداث التاريخية،  ويكشف بوضوح عن استخدام ملاعب كرة القدم،  ضمن خطة الخداع الاستراتيجى التى أشرف الرئيس السادات على وضعها.. فقد أرادت القيادة السياسية آنذاك أن تسير كل الأحداث كما هى،  وأن يتوجه كل عامل إلى مصنعه،  وكل موظف إلى مكتبه،  وكل فلاح إلى أرضه،  وكل لاعب كرة إلى ملعبه.. هكذا سارت الأمور،  حتى تحقيق الانتصار العظيم.. ولم تكن كرة القدم بعيدة عن ساحة القتال،  فقد لعب الجنود الكرة أمام أعين قوات الاحتلال الذين كانوا يشاهدون جنود الجيش المصرى يداعبون كرة القدم فى بعض الأحيان،  بما يؤكد أن الجيش لا يفكر فى العبور،  وربما لن يفكر طالما انشغل بكرة القدم أو بغيرها.

فى القاهرة والمحافظات.. لم تكن هناك أجراس إنذار للحرب،  خاصة عندما يهتم الناس بما تكتبه الصحف اليومية عن مباريات الكرة ونجومها وإثارتها ونتائجها.

بعد نكسة 67.. توقفت الحياة فى مصر لبعض الوقت.. توقف النشاط الرياضى بالكامل لأربعة مواسم،  قبل أن يعود الدورى المصرى موسم 72-73،  وحقق فريق غزل المحلة إنجازا كبيرا بالحصول على لقب هذه النسخة التاريخية،  واتجهت الأنظار نحو النسخة التالية التى انطلقت يوم 7 سبتمبر 1973،  أى قبل أقل من شهر واحد من حرب أكتوبر بمشاركة 18 فريقا.

وتوالت المباريات الساخنة فى تلك البطولة،  خاصة مع سعى الأهلى لحصد اللقب مبكرا،  والمنافسة الحامية مع الزمالك.

وأقيمت 4 جولات بشكل طبيعى،  فى رسالة واضحة أن كل الأمور تسير بطبيعتها فى المحروسة.. والدليل أن بطولة الدورى تشهد منافسات قوية للموسم الثانى على التوالى.. من المؤكد أن المصريين لا يفكرون فى الحرب.. هكذا كانت تنظر إسرائيل للموقف المصرى.. فكيف يفكر المصريون فى العبور ورد الاعتبار واسترجاع سيناء وهم يلعبون كرة القدم؟.. ليس فقط فى ملاعب مصر كلها تقريبا،  بل على الجبهة نفسها،  حيث يداعب الجنود تلك الساحرة المستديرة "كرة القدم" على الضفة الغربية لقناة السويس على مرأى ومسمع من جنود الاحتلال المندهشة من تصرفات الجنود قبل حرب الكرامة بأيام قليلة.

لقد كانت تلك المشاهد واحدة من أهم أساليب الخداع فى حرب أكتوبر،  ولم لا وقد نجح المخطط الدقيق فى إيهام العدو بأن المصريين لا يفكرون فى الحرب،  ولا يستعدون،  وغير جاهزين،  ومنشغلون باهتمامات أخرى.

فى الخامس من أكتوبر من عام 1973 اهتم المصريون بمباريات الدورى،  وأقيمت 7 مباريات،  حيث تعادل الزمالك مع الاتحاد السكندرى من دون أهداف،  وتعادل الأولمبى أمام السكة الحديد،  وفاز الترسانة على المنصورة والشرقية على دمياط والبلاستيك على بنى سويف.. وعلى خط القناة نفسه فاز منتخب السويس على فريق القناة،  وهو ما يعد أفضل خداع للعدو.. ودليلا دامغا على أن كل ما ينشغل به أهل السويس والإسماعيلية هو كرة القدم.

بينما فاز الأهلى على المنيا بهدف نظيف سجله محسن صالح.. وكانت جماهير الأهلى تترقب مواجهة غزل المحلة أمام الطيران أملا فى تعطل حامل اللقب بما يفسح الطريق أمام الأحمر لمواصلة المشوار خاصة أن غزل المحلة كان مرشحا بقوة للمنافسة على اللقب والاحتفاظ بالدرع الذى حصل عليه فريق الفلاحين فى الموسم السابق.

زحفت الجماهير إلى ملعب الترسانة بميت عقبة لمتابعة المباراة المهمة بين الطيران وغزل المحلة،  وتسلح فريق المحلة بعدد وافر من النجوم وسط حضور جماهيرى غفير.

وانطلقت المباراة فى تمام الثانية والنصف.. أى بعد نصف ساعة من توجيه القوات الجوية المصرية للضربة الأولى تجاه جيش الاحتلال بسيناء.. لكن لم يكن يعلم أى شخص داخل الملعب أن الحرب قد بدأت،  خاصة أن البيان الأول الذى سمعه المصريون عبر أثير الإذاعة بصوت الإعلامى حلمى البلك فى تمام الثانية والربع ظهرا،  أى قبل انطلاق المباراة بربع ساعة،  لم يشر بأى حال من الأحوال إلى أن معركة العبور قد بدأت.

وجاء بالبيان الأول: "قام العدو فى الساعة الواحدة والنصف من بعد ظهر اليوم بمهاجمة قواتنا فى منطقة الزعفرانة والسخنة فى خليج السويس،  وتقوم قواتنا حاليا بالتصدى للقوات المغيرة".. وهو ما يعنى بوضوح أن مصر تقف فى موضع المدافع وليس الهجوم.. فى حين أن القوات الجوية المصرية كانت تنفذ فى التوقيت ذاته عمليات ناجحة وتستعد القوات البرية للعبور.

انطلقت مباراة المحلة والطيران وسط حماس جماهيرى كبير وإثارة متوقعة،  حيث أشهر الحكم الدولى إبراهيم الجوينى الكارت الأحمر فى وجه السيد محرز نجم غزل المحلة بعد ربع ساعة فقط من انطلاق المباراة.

وقبلها بدقائق لم تنتبه الجماهير للبيان الثانى،  الذى أكد قيام بعض التشكيلات الجوية بقصف قواعد وأهداف عسكرية فى الأراضى المحتلة.

وفى تمام الثالثة،  سمعت الجماهير المحتشدة فى قلب الترسانة عبر أجهزة الراديو البيان الثالث فى تمام الثالثة عصرا،  أى مع الدقيقة 30 من الشوط الأول،  حيث جاء بالبيان "نفذت قواتنا الجوية مهامها بنجاح وأصابت مواقع العدو بإصابات مباشرة وعادت جميع طائراتنا إلى قواعدها سالمة عدا طائرة واحدة".

وهنا انفجر ملعب الترسانة فرحا بالضربة الجوية،  وهتفت الجماهير للطيران وسط صدمة نجوم غزل المحلة،  ليضرب كل لاعب كفا بكف،  فالمباراة فى شوطها الأول والنتيجة التعادل السلبى،  وغزل المحلة يقدم مباراة جيدة رغم نقص الصفوف بعد طرد محرز.

لم يكن أى لاعب يتصور أن الجماهير تهتف للطيران المصرى وليس لفريق الطيران.. مرت الدقائق من دون أن يفهم أحد ما يحدث،  لينتهى الشوط الأول "الغريب" وسط دهشة بالغة ظهرت على الوجوه وفى التساؤلات التى جاءت على ألسنة نجوم المحلة،  الذين توجهوا للجماهير متسائلين عن سر هذا الغضب.. وانطلقت الضحكات والتكبيرات فى آن واحد.

نجوم المحلة يسألون الجماهير: بتشجعوا الطيران ليه.. هوه إحنا قصرنا فى إيه؟!..

ليضحك المشجعون قائلين: "نحن نشجع الطيران المصرى أى القوات الجوية وليس فريق الطيران.. الطيران بيضرب إسرائيل فى سيناء.. فبدأ نجوم المحلة يهتفون مع الجماهير الله أكبر.. الله أكبر.. يحيا الطيران الحربى".

دخل لاعبو المحلة والطيران لغرف الملابس.. ومن المفترض أن يقوم كل مدرب بتوجيه لاعبيه،  لكن لا أحد يتحدث عن المباراة ولا عن شوطها الثانى.. الكل يفكر فقط فى المعركة الدائرة فى سيناء.. ورغم ذلك.. لا يعتقد الجميع أنها الحرب.. لكن بعد دقائق قليلة وفى تمام الثالثة والنصف عصرا جاء البيان الرابع عبر الراديو "حاولت قوات معادية الاستيلاء على جزء من أراضينا غرب القناة وقد تصدت لها قواتنا البرية،  وقامت بهجوم ناجح ضدها بعد قصفات مركزة من مدفعيتنا على النقاط القوية المعادية،  ثم قامت بعض من قواتنا باقتحام قناة السويس ومطاردة العدو إلى الضفة الشرقية".

هنا تأكد كل من فى ملعب الترسانة أن الحرب قامت،  وحاول نجوم المحلة والطيران إقناع العميد إبراهيم الجوينى حكم المباراة والذى كان ضابطا سابقا بالقوات المسلحة بإلغائها،  لكن الجوينى كان على ما يبدو غير مقتنع بأنها الحرب،  وطلب الحكم من اللاعبين استكمال المباراة احتراما للجمهور الموجود،  فى انتظار بيانات جديدة عبر أثير الإذاعة.

وخلال الشوط الثانى انشغل اللاعبون وحكم المباراة بهتافات الجماهير والأخبار المقبلة عبر الراديو.. ومع كل دقيقة يذهب لاعب للحكم لإقناعه بإلغاء المباراة،  وهو ما أكد عليه عدد من شهود العيان آنذاك مثل عمر عبدالله وحنفى خليل نجمى المحلة.. لكن الحكم كان يرفض.

جاء البيان الخامس فى تمام الرابعة عصرا،  والمباراة فى شوطها الثانى،  وقال "نجحت قوانا المسلحة فى اقتحام قناة السويس فى قطاعات عديدة واستولت على نقاط العدو القوية بها ورفع علم مصر على الضفة الشرقية للقناة.. هنا القاهرة".. لتنفجر المدرجات بالتكبيرات.. الله أكبر.. الله أكبر.

وقامت الجماهير بإبلاغ اللاعبين بعبور قواتنا،  لكن الحكم لا يزال رافضا لإلغاء اللقاء،  حتى مرت الدقائق من دون لعب حقيقى ومن دون أى فرص على المرمى،  لتنتهى المباراة بالتعادل السلبى وسط فرحة الجميع.. ليس بنتيجة اللقاء.. لكن من أجل الانتصار على العدو الغاشم.

 أين محمود الجوهرى؟

لكن.. هل كان كل نجوم الكرة والرياضة موجودين فى الملاعب فقط خلال حرب العبور.. أم شارك بعض النجوم فى هذا اليوم المشهود؟!

الحقيقة أن السجلات التاريخية تكشف عن دور واضح لبعض نجوم الرياضة فى حرب أكتوبر،  لعل أبرزهم محمود الجوهرى نجم الأهلى ومتخب مصر،  والذى اعتزل كرة القدم مبكرا بسبب الإصابة سنة 65،  لكنه قبل ذلك كان ضابطا عاملا بالقوات المسلحة،  وتخرج فى الكلية الحربية عام 57،  وأصبح ضابطا بسلاح الإشارة وتدرج فى المناصب والتكليفات وحصل على العديد من الدورات،  وأصبح من أمهر وأشهر ضباط سلاح الإشارة على الإطلاق،  حتى تم اختياره ليكون قائدا لجناح التكتيك الخاص والمسئول عن الإشارة بين الجبهة والقيادة.

يقول الجوهرى فى حواره الأوحد عن تفاصيل مشاركته فى حرب أكتوبر عبر مجلة "الإذاعة والتليفزيون" عام 2010: "اخترت سلاح الإشارة بنفسى حيث كنت من المتفوقين بدفعة الكلية الحربية وترتيبى رقم 121،  وهو ما منحنى حرية الاختيار.. ورفضت الالتحاق بالاتحاد الرياضى العسكرى نظرا لعشقى لسلاح الإشارة.. وعملت رئيسا للإشارة فى منطقة الدفرسوار حتى جنوب الإسماعيلية وبالتحديد فى نقطة تمركز بين الجيشين الثانى والثالث.. ثم رئيس إشارة فى قطاع بورسعيد.. واقتربت وقتها من اللواء رفعت وهبة أحد عظماء سلاح الإشارة. وقبل الحرب تم استدعائى وتكليفى بقيادة جناح التكتيك الخاص ومهمته السيطرة على كل القوات".

يضيف المقدم محمود الجوهرى: "قبل الحرب بأيام قليلة أصبحت أحد ضباط الاتصال بين القيادة والقوات فى الجبهة،  وهى مهمة صعبة للغاية".. وشارك الجوهرى فى عمليات إغارة أكثر من مرة خاصة مع اللواء عبدالمنعم خليل قائد الجيش الثانى،  ومنها غارة مهمة على نقطة قوية فى الدفرسوار،  حيث نجحت القوات المصرية فى تحطيم النقطة الحصينة.

لم يكن الجوهرى الرياضى الوحيد الذى شارك فى حرب أكتوبر،  فقد استشهد لاعب المصرى عبده أبوحسين فى أول أيام الحرب،  وشهدت المعركة مشاركة عبدالعزيز قابيل ومحمود بكير وسمير زاهر وفكرى صالح وحمادة إمام،  وصبرى سراج لاعب كرة اليد بالزمالك،  وحكم الكرة حسام طه،  وهانى سرور حارس الاتحاد السكندرى الذى تم استدعاؤه للانضمام للجيش والوجود على الجبهة قبل معركة أكتوبر بأيام قليلة.

محمود شوقي

محمود شوقي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

عفواً يا سادة.. الأندية الجماهيرية ليست للبيع !
نحتاج قراراً بإجراء الانتخابات فى موعدها لترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص
ثورة 30 يونيو أعادت الحياة للرياضة المصرية !
بأمر الرئيس.. تطوير الحركة الرياضية فى مصر أمن قومى

المزيد من رياضة

كرة القدم «سلاح رياضى» لخداع العدو ..

عندما هتف جمهور المحلة للطيران وسط صــدمـة نجوم الفلاحين أين كان محمود الجوهرى وقت العبور؟ جنودنا يداعبون الكرة على الضفة...

حسين عبداللطيف: هدفنا ترك بصمة فى كأس العالم

طالب بضرورة الاهتمام بمسابقات الناشئين

مكافأة السوبر المصرى مليون دولار

كشف مصدر فى اتحاد الكرة أن هناك اتجاها لزيادة مكافأة بطل السوبر المصرى لهذا الموسم بحيث تصل إلى مليون دولار،...

زيزو يرحل عن الأهلى فى الصيف

كشف مصدر قريب الصلة من أحمد مصطفى زيزو، مهاجم الأهلى ومنتخب مصر الوطنى، أن الأخير اتخذ قراره بالرحيل عن القلعة...