خبراء يحددون.. خارطة مستقبل أزمات الشرق الأوسـط فى ظل إدارة "ترامب"

أثارت الحرب الإسرائيلية على لبنان وغزة ردود فعل شعبية داخل الشارع الأمريكي، فقد امتلأت شوارع أمريكا باحتجاجات كبيرة قبيل الانتخابات،

وكانت مواقف مرشحى الرئاسة الأمريكية من قضايا الشرق الأوسط نقطة هامة ورئيسية فى السباق للبيت الأبيض، وبحسب وعود ترامب فإنه يستطيع توحيد كافة الأطراف، لذا تعول شعوب ودول الشرق الأوسط على دور أمريكى متباين فى ولاية ترامب فيما يتعلق بحرب إسرائيل على غزة ولبنان، فما الذى يمكن أن يقدمه ترامب فى ظل الشخصيات الجديدة التى اختارها لتشكيل إدارته الجديدة؟، وانعكاسات هذه الاختيارات على أزمات الشرق الأوسط؟، وما مدى الاتجاه التى ستسلكه الإدارة الأمريكية الجديدة بعد انتقال السلطة الرئاسية؟، لا شك أن هذا الملف سيكون أولى أولويات البيت الأبيض فى ظل الانخراط الأمريكى فى الصراع على جبهات متعددة، غزة ولبنان وإيران والحرب الروسية ضد أوكرانيا.

قالت النائبة غادة عجمى عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، إن ترامب سيسعى للبحث عن تسويات، لا سيما وأن قضايا الشرق الأوسط كانت عامل حسم فى الصراع الانتخابي، بعد انطلاق مظاهرات فى الشارع الأمريكى ضد سياسة بايدن فى مواجهة حرب إسرائيل على غزة ولبنان، وكانت دافعا أساسيا ليكون التصويت لصالح ترامب، فقد نجح ترامب والحزب الجمهورى فى كسب ثقة الناخبين وتحويل غضبهم لصالحه لحسم الجولة الانتخابية حينما رفع شعار "إنهاء الحروب" ومن ثم لزاما عليه تحقيق هذه الوعود حفاظا على شعبيته التى اكتسبها بسبب فشل بايدن فى إدارة ملف الشرق الأوسط وإنهاء الحروب، فضلا عن أن ترامب رجل اقتصادى ومن ثم سيسعى لإنهاء كافة الحروب الموجودة لتحقيق الرخاء والازدهار، وتوفير كافة الأموال التى تنفق على هذه الحروب القائمة، والتى بلغت نحو 90 مليار دولار كمساعدات لأوكرانيا حتى عام 2024، و25 مليار دولار إمدادات لإسرائيل منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى شهر نوفمبر المنصرم، ومن ثم فإنهاء هذه الحروب سيكون له آثاره الإيجابية على الاقتصاد الأمريكي.

وأضافت عجمى، أن كافة المؤشرات تشير لتراجع الدور الأمريكى فى الشرق الأوسط وفقد نفوذه، ولذلك من المتوقع أن يسعى ترامب لإنهاء هذه الحروب لفرض سيطرته على الشرق الأوسط والعودة لهيمنة الدور الأمريكى وتعزيز المصالح الأمريكية وتمكينها من التفوق على منافسيها، لا سيما بعد تزايد حجم الشراكة الاقتصادية بين الدول المنافسة كروسيا والصين ودول عربية أخرى حليفة للولايات المتحدة، وعلى الإدارة الأمريكية المقبلة أن تعى جيدا أن علاقاتها مع دول الشرق الأوسط قد تأثرت سلبا بسبب الدعم غير المشروط لإسرائيل، فى الوقت الذى تتعاطف فيه شعوب العالم مع القضية الفلسطينية، وهذا بخلاف الدعم الأمريكى لأوكرانيا فى حربها ضد روسيا والذى أثر بشكل كبير على معظم دول العالم وارتفاع أسعار العديد من السلع والمنتجات، ومن ثم فمن المنتظر أن تقوم الإدارة الجديدة بالضغط على نتنياهو لوقف الحرب أكثر مما كان يقوم به بايدن.

أكد الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، أن الرئيس الأمريكى المنتخب  دونالد ترامب، من خلال تجربته مع ما عُرف بـ"صفقة القرن" التى طرحها بين عامى 2017 و2020، بات يدرك أنه من غير الممكن تمرير مشروع ينكر الاعتراف بالدولة الفلسطينية، موضحًا أن خطة ترامب السابقة كانت تقوم على طرح كيان فلسطينى منفصل فى قطاع غزة مع توسيع حدوده جغرافياً باتجاه سيناء والصحراء، مقابل تقليص مساحات شاسعة من الضفة الغربية وضمها لإسرائيل. هذه الخطة قوبلت برفض فلسطينى قاطع وتصدٍّ عربي، ما أدى إلى فشل المشروع فى حينه.

وأشار الرقب إلى أن هناك خشية من أن يعيد ترامب التفكير فى طرح مشاريع مشابهة، خاصةً تحت تأثير الضغط الصهيونى وفريق العمل الذى يشكّله ويضم غالباً شخصيات موالية لإسرائيل. وأضاف أن السيناريو المطروح قد يتضمن اعترافاً بمناطق واسعة من الضفة الغربية كجزء من إسرائيل، مقابل وقف الحرب فى غزة وانسحاب الاحتلال منها بشكل كامل، لافتًا إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو يسعى خلال الأشهر المقبلة إلى فرض واقع جديد فى قطاع غزة، ما قد يفتح الباب أمام "مقايضة" سياسية وجغرافية. وتابع قائلاً: "كما اعترف ترامب بالجولان جزءاً من إسرائيل، لا يُستبعد أن يمارس ضغوطاً للاعتراف بالضفة الغربية كجزء من إسرائيل، فى محاولة لإحداث تغيير ديموغرافى وجغرافى فى المنطقة".

وأكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس أن هذه التحركات لن تخدم مساعى السلام، بل ستؤسس لمزيد من الحروب والصراعات المستمرة، والتى لن تُحسم خلال ولاية ترامب المحتملة أو فى المدى القريب، مشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية المقبلة، التى قد يقودها ترامب فى حال فوزه، ترفع شعارات وقف الحروب، إلا أن توجهات الرئيس السابق تعتمد على الصفقات، وخاصة الاقتصادية منها، التى يربطها دائماً بالسياسة. ترامب، وفقاً لوصفه، يعتبر رجل الصفقات، وقد يسعى لتحقيق وعوده للجالية اليهودية بتوسيع حدود إسرائيل، وهو ما يُنذر بتصعيد جديد فى المنطقة بدلاً من تحقيق السلام.

وأشار الرقب إلى أن أى توجه لترامب نحو ضم مناطق من الضفة الغربية أو سوريا أو لبنان إلى إسرائيل سيخلق وضعاً مشتعلاً، كما أن استخدام هذا الأسلوب قد يستهلك فترة ولايته دون تحقيق إنجاز ملموس، تاركاً وراءه منطقة ملتهبة، معربًا عن شكوكه فى قدرة الفريق الذى قد يشكله ترامب على تقديم حلول جذرية، وأن سياستهم تجاه الشرق الأوسط قد تركز على تعزيز الهيمنة الإسرائيلية بدلاً من التوصل إلى تسوية شاملة.

وأضاف: ترامب سبق أن أمهل نتنياهو الوقت لحسم الملفات العالقة فى المنطقة، مثل الحرب على لبنان وغزة. ولكن الضغط الديمقراطى خلال حكم بايدن كان حاسماً فى منع التصعيد الكبير، خاصة من خلال تقليص الدعم العسكرى لإسرائيل، موضحًا أن تصريحات نتنياهو بشأن انخفاض مخزون الذخيرة فى إسرائيل كانت أحد الأسباب التى أدت إلى توقف التصعيد مؤقتاً، وهذا يظهر تأثير الضغوط التى مارستها الإدارة الديمقراطية، التى خففت من تأثير اللوبى الصهيونى داخل الولايات المتحدة، خاصة منظمة إيباك.

وأوضح  إمكانية قيام الإدارة الديمقراطية بدفع ملف الاعتراف بالدولة الفلسطينية كعضو كامل فى الأمم المتحدة عبر مجلس الأمن، دون استخدام الفيتو الأمريكى المعتاد، وقد نشهد ضغطاً دبلوماسياً دولياً على إسرائيل للقبول بهدنة طويلة الأمد. وإن لم توافق إسرائيل، فقد يكون هناك تحرك نحو اتخاذ قرار دولى بالاعتراف بفلسطين كدولة ذات سيادة، مضيفًا أن ترامب قد يكون مهتماً بتخفيف التوترات الإقليمية، خصوصاً أنه يسعى للتفرغ لمواجهة ملفات أخرى، مثل إيران أو الخليج، كما أنه قد يختار تأجيل ملفات حساسة مثل القضية الفلسطينية، وهو يدرك جيداً أن الاستقرار فى المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال قيام دولة فلسطينية.

وأشار السياسى الفلسطينى إلى أن الدول العربية والمسلمة قد أجمعت فى قمة الرياض فى نوفمبر الماضى على أمر بالغ الأهمية، وهو أنه لا تطبيع مع إسرائيل قبل إقامة دولة فلسطينية. كما أكد أن هناك ضرورة لوضع مسارات واضحة لقيام هذه الدولة، وهو ما يعتبر خطوة أساسية فى أى مسار للسلام ومع ذلك، يرى أن موافقة ترامب على هذا الطرح قد لا تكون مقبولة من اليمين الحاكم فى إسرائيل، وبالتالى قد تتعثر الجهود لتحقيق السلام، كما أنه إذا استمر ترامب فى نفس رؤيته، فإن مشروع التسوية قد يفشل، إذ سيكون بحاجة لتغيير القيادة داخل دولة الاحتلال الإسرائيلى ليتمكن من تنفيذ أى خطة أو مشروع للسلام.

من جانبه قال الدكتور أحمد ماهر أبو جبل، الباحث فى العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إن إدارة ترامب تعتمد على شخصيات متشددة، تميل إلى دعم التوسع الإسرائيلى وتقويض أى محاولات لدعم الفلسطينيين وهذا النهج يعقّد الأزمات فى الشرق الأوسط، خاصة فى غزة ولبنان، اللتين تتطلبان حلولًا دبلوماسية مرنة وحلولًا وسطى إلا أن هذه الحلول قد لا تكون أولوية للإدارة الأمريكية القادمة، مما يزيد من تعقيد الوضع فى المنطقة.

أكد أبو جبل أن التصريحات الأمريكية المتعلقة بوقف الحروب تبدو أكثر شعاراتية منها خططًا عملية إذ أن إنهاء الحروب سواء فى غزة أو لبنان يتطلب معالجة الجذور السياسية والاقتصادية للصراعات، وهو ما لم يظهر فى أجندة ترامب، التى غالبًا ما تركز على المصالح الإسرائيلية. مما يعنى أن احتمالية التصعيد ما تزال قائمة.

وفيما يتعلق بمخططات التهجير فى لبنان وغزة، أوضح أن إدارة ترامب قد تسعى بالفعل لتحقيق مصالح اللوبى اليهودي، الذى دعم ترامب فى الانتخابات الأمريكية، مشيرًا إلى ان إدارة ترامب تدعم بشكل علنى المستوطنات الإسرائيلية والسياسات التى تتعارض مع حقوق الفلسطينيين، و مخططات التهجير جزء من السياسات المتشددة تجاه الفلسطينيين".

أما عن عدم اعتراف ترامب بالضفة وغزة، فقد أشار إلى أن هذا الموقف يعكس انحيازًا واضحًا لإسرائيل، وتجاهلًا للقرارات الدولية والشرعية الفلسطينية. واعتبر أن هذا التناقض بين الحديث عن السلام وفرض سياسة الأمر الواقع من قبل إسرائيل يعنى أن السلام الذى يسعى إليه ترامب هو "سلام بشروط إسرائيلية"، وهو ما يزيد من تعقيد الأوضاع ويبعد أى أمل فى تحقيق سلام عادل.

وأشار أبو جبل إلى أن إحلال السلام بالقوة هو تناقض فى حد ذاته. القوة العسكرية لا تحقق سلامًا دائمًا بل تزيد من الكراهية وعدم الاستقرار وبيّن أن المدنيين فى غزة ولبنان سيدفعون الثمن الأكبر بسبب التصعيد العسكرى المتوقع.

وفيما يخص التوجهات الاستراتيجية للإدارة الأمريكية الجديدة تجاه ملفات مثل الصراع مع الصين، الحرب الروسية الأوكرانية، والملف النووى الإيراني، أضاف أن اختيارات ترامب تعكس رغبة فى التصعيد مع الصين اقتصاديًا وعسكريًا، فضلًا عن العودة إلى سياسة "الضغط الأقصى" فى التعامل مع إيران، مما يزيد التوتر فى المنطقة. كما توقع أن تكون السياسة الأمريكية تجاه الحرب الروسية الأوكرانية مبنية على مواجهة مباشرة مع روسيا لتعزيز الهيمنة الأمريكية عالميًا مشيرًا إلى أن وقف إطلاق النار فى لبنان يعتمد على التحركات الدبلوماسية الجارية، إلا أن إدارة بايدن قد لا تتمكن من تطبيق حلول مستدامة فى الوقت المتبقى من ولايتها. وأوضح أن التصعيد فى ظل إدارة ترامب يبدو أكثر احتمالًا، خاصة فى ظل سياساته المتشددة.

وشدد على أن لبنان سيواجه المزيد من الضغوطات السياسية والاقتصادية فى ظل إدارة ترامب ودعمه لإسرائيل وتجاهله للأطراف الأخرى قد يزيد من التوترات الإقليمية، والحل الوحيد هو أن تعمل القوى المحلية والإقليمية على إيجاد حلول ذاتية بعيدًا عن الاعتماد الكلى على واشنطن.

Katen Doe

رشا حافظ

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر والسعودية جناحا الأمة وركيزة استقرار الأمـن القـومى العربى

جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...

الاعتـراف بـ«صومالى لانـد».. حماقــة إسرائيلية جديدة.. والعواقب وخيمة

شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...

العالم يترقب طبول الحرب العالمية الثالثة والصين تتخلى عن هدوئها

السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...

وسط اشتعال الصراعات بين الأقطاب الكبرى.. حدث ضخم ينتظــر العالم

الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص