توقعات الدبلوماسيين والسياسيين لطريقـة إدارة ترامب لملفات الحروب

حقق دونالد ترامب، الفوز فى الانتخابات الرئاسية على مرشحة الحزب الديمقراطى كاملا هاريس، ومع عودته إلى البيت الأبيض، تثار العديد من التساؤلات حول سياسته تجاه العالم العربي، وخاصة الحرب القائمة فى غزة ولبنان، وهل تشهد فترة رئاسته حربًا بين إسرائيل وإيران وغيرها من التساؤلات التى أجاب عنها عدد من الخبراء.

أكد السفير معتز أحمدين، مندوب مصر الدائم فى الأمم المتحدة، إن سياسة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تجاه الشرق الأوسط لا تبشر بالخير بالنسبة للقضية الفلسطينية والدول العربية، حيث أنه خلال ولايته الأولي، كان له موقف واضح فى دعم إسرائيل وتوجيه سياساته لصالحها، وهو ما تجسد فى علاقاته الوثيقة مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الذى بذل كل جهد ممكن لدعم فوز ترامب فى الانتخابات، معتبرًا ذلك "نصرًا عظيمًا" لإسرائيل.

وأوضح أحمدين أن ترامب لم يقتصر على دعم إسرائيل من خلال العلاقات الشخصية، بل كان يولى الملف الفلسطينى اهتمامًا خاصًا عبر صهره، جاريد كوشنر، الذى ينتمى إلى عائلة يهودية متشددة ولها علاقات وثيقة بالصهيونية وأنه عندما بدأت حرب غزة، قال صهره إنه من الأفضل مصادرة أراضى غزة وتحويلها إلى منتجعات سياحية، مما يعكس جهله الكامل بالقضية الفلسطينية وتقييمه للجانب العربى كصفقة تجارية فقط.

وأشار مندوب مصر الدائم فى الأمم المتحدة إلى أنه هو من ابتكر ما سمى بـ "صفقة القرن"، التى شملت منح أراض إضافية لإسرائيل على حساب الفلسطينيين، بالإضافة إلى عرضه نقل الفلسطينيين من أراضيهم مقابل تقديم "حفنة من الأموال" وكما أنه أقنع بعض الدول العربية لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل فى ما سمى بـ 'الاتفاقات الإبراهيمية'، وهو ما يعكس تمامًا تفضيله لمصالح إسرائيل على حساب القضية الفلسطينية.

وأضاف أن ترامب سيواصل محاولات إقناع بعض الدول العربية، وخاصة المملكة العربية السعودية، التى رحبت بفوزه فى الانتخابات الأمريكية، من أجل تطبيع العلاقات مع إسرائيل، مشيرًا إلى أن ترامب يتأثر بشكل كبير بالضغوط المالية والمصالح الشخصية، وأن السعودية ودول خليجية أخرى قد تكون قادرة على التأثير عبر الاستثمارات المالية أو من خلال الشركات المرتبطة به.

من جانبه أكد الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، أن فوز دونالد ترامب يمثل انتصارًا كبيرًا للحكومة الإسرائيلية المتطرفة، حيث أن وصوله إلى البيت الأبيض يشكل دعمًا قويًا لرؤية رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، التى تتضمن تصعيد العمليات العسكرية والسياسية فى المنطقة.

وأضاف الرقب أن التقارير تشير إلى أن ترامب طلب من حكومة الاحتلال الإسرائيلية إنهاء مهامها قبل استلامه الرئاسة رسميًا فى 20 يناير المقبل، مما يفتح المجال أمام حكومة نتنياهو لإنجاز العديد من الملفات الهامة فى فترة قصيرة لا تتجاوز الشهرين والنصف. مشيرًا إلى أن هذه الفترة الزمنية قد تكون غير كافية بالنسبة لنتنياهو لتنفيذ كل ما يطمح إليه، ولكن ترامب سيمنحه الضوء الأخضر للمضى قدماً فى سياساته المدمرة وقد يفتح شهية الحكومة الإسرائيلية لمزيد من التصعيد العسكرى فى المنطقة، خصوصًا مع تصريحاته التى نقلها عن رغبته فى توسيع حدود دولة الاحتلال على حساب الأراضى الفلسطينية.

وأضاف الرقب إن هذه التصريحات تتماشى مع الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية التى تسعى إلى تعزيز سيطرتها على مزيد من الأراضي، ما يرضى غرور المسؤولين الإسرائيليين ويدفعهم للتمادى فى سياساتهم العدوانية، مؤكدًا أن دعم ترامب لنظام الاحتلال الإسرائيلى قد يسهم فى استمرار الانتهاكات فى الأراضى الفلسطينية، فضلًا عن توسيع العمليات العسكرية فى مناطق أخرى، مثل الأراضى اللبنانية والسورية، بما يخدم أجندات الاحتلال ويزيد من معاناة الشعوب فى المنطقة.

أشار أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، إلى أن الفترة القادمة قد تشهد تصعيداً كبيراً بين إيران ودولة الاحتلال الإسرائيلي، خاصة مع اقتراب تولى الرئيس الأمريكى المنتخب منصبه فى 20 يناير المقبل، موضحًا أن إسرائيل تسعى بكل قوة لإنهاء بعض الملفات العالقة وفتح جبهة حرب جديدة قبل استلام ترامب مهامه بشكل رسمي، ما يمنحها فرصة لتحريك الأوضاع فى المنطقة كما ترغب. وأضاف أن هذا التصعيد قد يؤدى إلى اندلاع حرب موسعة فى المنطقة، خاصة ضد إيران، والتى ستكون بمثابة فرصة للتهرب من أى التزامات قد يطلبها فى فترة انتقال السلطة.

ورجح أن تسعى إسرائيل إلى تصعيد كبير ضد إيران خلال الفترة الانتقالية، حيث سيكون من الصعب على ترامب أن يطالب بوقف هذه الحرب فى حال اندلاعها، وذلك بسبب الأوضاع المشتعلة فى المنطقة. وهذا قد يمنح نتنياهو وحكومته مساحة أكبر لتحريك الأحداث كما يرغبون دون أن يكون هناك تدخل أمريكى مباشر فى الوقت المطلوب موضحًا أنه سواء بدأ التصعيد من جانب إيران أو من جانب إسرائيل، فالمهم فى هذه المرحلة هو أن التوتر سيزداد بشكل كبير، ما يفتح الباب أمام حرب شاملة قد تكون نقطة تحول فى الصراع الإقليمي، خاصة إذا استغلتها إسرائيل للقيام بعمليات عسكرية كبيرة ضد إيران.

علق، على الدور المحتمل للرئيس الأمريكى المنتهية وايتله جو بايدن فى حل النزاعات الحالية فى غزة ولبنان خلال الفترة الانتقالية التى تسبق تولى ترامب مهامه، معتبراً أن هناك فرصة للتدخل الدولى من أجل "تصحيح المسار" ووقف التصعيد العسكري، مشيرًا إلى أنه من الممكن خلال هذه الفترة أن تتحرك الإدارة الأمريكية بشكل جاد لتغيير سياساتها فى المنطقة، خاصة فيما يتعلق بالحرب فى غزة ولبنان. وقال: "قد تشهد هذه الفترة تصحيح مسار لما ارتكبته الحكومات السابقة من جرائم ضد الشعب الفلسطينى والشعب اللبناني، لكن هذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية للقيام بذلك".

وأوضح الرقب أن من الخطوات المحتملة فى هذا الاتجاه هى الضغط على المجتمع الدولى للتحرك، مثل الذهاب إلى مجلس الأمن الدولى لإصدار قرار تحت الفصل السابع، الذى يمنح شرعية قانونية لوقف الحرب ضد الفلسطينيين واللبنانيين. وأضاف: "إذا كانت الإدارة الأمريكية جادة فى التصحيح، يمكنها فعل ذلك، بما فى ذلك دفع الدول الكبرى إلى اتخاذ مواقف حاسمة ضد إسرائيل وإجراءات لمعاقبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين".

لكن الرقب فى الوقت نفسه أبدى شكوكه فى أن تكون هناك إرادة حقيقية لدى إدارة بايدن للقيام بذلك، إذا لم تكن هناك رغبة حقيقية فى تغيير المسار، سنستمر فى مشاهدة المزيد من الدماء والدمار فى المنطقة. التاريخ سيكتب أن الولايات المتحدة، بدلا من أن تكون جزءًا من الحل، ساعدت فى نشر الفوضى والحروب، مما سيجعل من الصعب إيقاف الصراعات فى المنطقة، مؤكدًا أن الموقف الأمريكى فى هذه الفترة الانتقالية سيكون حاسماً. إذا استمرت السياسة الأمريكية فى دعم إسرائيل بشكل كامل، فإن المنطقة ستظل تغرق فى الفوضى والدمار، ولن يتمكن أحد من إيقاف دوامة الحروب التى تعصف بالدول والشعوب فى المنطقة.

وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن محاولات ترامب لتحقيق تسويات سريعة فى الشرق الأوسط، بما فى ذلك "صفقة القرن"، لن تكون سهلة فى المرحلة القادمة، حيث أن هذه الصفقة التى قدمها قبل أربع سنوات كان يعتمد بشكل أساسى على مصالح اقتصادية تتعلق بإسرائيل والدول العربية، لكنه فشل فى تحقيق أهدافه بسبب الرفض العربى الكبير لأى تطبيع مع إسرائيل دون حل شامل للقضية الفلسطينية، لا سيما وأن الحديث الآن فى العالم العربى أصبح أكثر تبلوراً، حيث سيكون من المستحيل تقديم أى تطبيع جديد بين الدول العربية والاحتلال الإسرائيلى دون تحقيق تقدم ملموس فى إقامة دولة فلسطينية أو فتح مسار سياسى واضح يؤدى إلى هذا الهدف.

وأضاف الرقب أن هذا الموقف العربى سيكون أساسيًا فى القمة العربية القادمة فى الرياض، حيث سيتضح أن أى تسوية مع إسرائيل لن تتم إلا إذا قدمت إسرائيل التزامات حقيقية بشأن حقوق الفلسطينيين حيث سيواجه ترامب معضلة كبيرة فى هذا المجال، خاصة وأنه يتعامل مع حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة بقيادة نتنياهو، الذى رغم ميله للأجندة نفسها، فإنه سيجد صعوبة فى إقناع حكومته بتقديم تنازلات فى هذه القضية، وأوضح أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق أهدافها فى لبنان من خلال إزالة أى تهديدات محتملة من حزب الله، لكن تنفيذ هذه الأجندة ليس بالأمر السهل، خاصة أن حزب الله لن يوافق بسهولة على ذلك، ما قد يؤدى إلى مزيد من التوترات فى المنطقة.

قال إن هناك تأثيرًا كبيرًا للمواقف الدينية فى مواقف الرئيس الأمريكى السابق، خصوصًا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أما بالنسبة لترامب فبحكم انتمائه إلى التيار الإنجيلى المسيحي، لديه قناعة دينية قوية بأن دعم دولة الاحتلال الإسرائيلى هو جزء من مسار تاريخى ودينى يقود إلى معركة بنزول المسيح المخلص. لذلك، نحن لا نراهن كثيرًا على حدوث تحول حقيقى فى السياسة الأمريكية لصالح القضية الفلسطينية تحت حكمه، خاصة أن هذا الموقف الدينى قد يؤثر فى تحركاته تجاه فلسطين.

وأكد أن الفلسطينيين لن يعولوا كثيرًا على أى تغيرات إيجابية قد تحدث فى السياسات الأمريكية فى المستقبل القريب، بغض النظر عن ضغوط اللوبيات مثل منظمة إيباك (اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة)، فإن الموقف الأمريكى سيظل منحازاً بشكل كبير لصالح إسرائيل، ولن يكون هناك ضغط حقيقى من قبل الإدارة الأمريكية لصالح القضية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن الفلسطينيين يعولون فى المقام الأول على دعم الدول العربية والمجتمع الدولى لتحقيق تقدم فى مسار القضية، وأن أى حل حقيقى يجب أن يتضمن خطوات ملموسة نحو إقامة دولة فلسطينية حرة ومستقلة.

قال الدكتور طارق فهمى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إنه من المبكر الحديث عن كيفية تعامل إدارة الرئيس الأمريكى المنتخب، مع النزاع الفلسطيني-الإسرائيلى فى الفترة المقبلة، خاصة وأن ترامب لم يقدم حتى الآن رؤى أو حلولا ملموسة، بل اكتفى بتصريحات عامة حول إنهاء الحرب، مشيرًا إلى أن مثل هذه التصريحات قد تكون غير فعّالة دون وجود ترتيبات أمنية واستراتيجية واضحة، لا سيما وأن وقف إطلاق النار وحده لا يعنى شيئًا إذا استمر الاحتلال الإسرائيلى فى الأراضى الفلسطينية. الحديث يجب أن يكون عن إجراءات أمنية وسياسية حقيقية تفضى إلى حل شامل، وليس مجرد وقف مؤقت للقتال، إضافة إلى أن وقف إطلاق النار دون ترتيبات واضحة لن يؤدى إلى تغيير حقيقى على الأرض، حيث سيبقى الاحتلال الإسرائيلى قائمًا.

وأشار فهمى إلى أنه يمكن أن تكون هناك مقاربة أخرى تتمثل فى دعوة إسرائيل لسحب قواتها والانخراط فى عملية سياسية تفاوضية، على غرار اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل فى السبعينيات، ولكن هذه المقاربة تتطلب جهدًا كبيرًا وفريقًا مفاوضًا على أعلى مستوى، مع رؤية واضحة لحل قضايا غزة ولبنان والمشاكل العالقة الأخرى. لكن حتى الآن لا يبدو أن هناك استعدادًا حقيقيًا لذلك من قبل إدارة ترامب، إضافة إلى أن هذه المقاربة تتطلب وقتًا وموارد كبيرة ولا يمكن أن تتم بسرعة.

و أكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة أنه لن يكون هناك تكرار لـ"صفقة القرن"، التى أُطلق عليها اسم خطة السلام الأمريكية فى الولاية الماضية، حيث أن هذه الخطة انتهت مع نهاية ولاية ترامب، ولا أعتقد أنه سيكون هناك مشروع مماثل فى المستقبل القريب وأنه  خلال فترة ولايته الثانية، لن يتعامل مع القضية الفلسطينية إلا من خلال حسابات مكسب وخسارة، ولن يتبنى مقاربة لحل الصراع بناءً على فكرة "رابح رابح" أو "خاسر خاسر"، بل سيعمل وفق منطق القوة والسيطرة.

وأضاف إنه من غير المحتمل أن يتخذ ترامب خطوات جدية بشأن القضية الفلسطينية فى المستقبل القريب، مشيراً إلى أن العملية السياسية قد لا تبدأ إلا بعد مرور عدة أشهر ولن يتعامل مع القضية الفلسطينية بشكل جاد قبل مرور ستة أشهر على الأقل من الآن. ربما ننتظر حتى الربع الأول من العام المقبل لتبدأ الإدارة الأمريكية فى الانخراط الجدى فى هذا الملف موضحًا أن المفاوضات قد تكون مطلوبة، ولكنها قد تستغرق وقتًا طويلًا، وهو ما يعنى أن القضية ستظل عالقة فى الأفق لفترة طويلة.

 

Katen Doe

رشا حافظ

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر والسعودية جناحا الأمة وركيزة استقرار الأمـن القـومى العربى

جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...

الاعتـراف بـ«صومالى لانـد».. حماقــة إسرائيلية جديدة.. والعواقب وخيمة

شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...

العالم يترقب طبول الحرب العالمية الثالثة والصين تتخلى عن هدوئها

السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...

وسط اشتعال الصراعات بين الأقطاب الكبرى.. حدث ضخم ينتظــر العالم

الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص