قصة الجسر الجوى الأمريكى لدعم اسرائيل فى حرب أكتوبر

عندما حاربت مصر أقوى جيوش العالم..

"تأبى المروءة أن تفارق أهلها

إن المروءة فى الرجال خصال"

وبوسعنا أن نزيد من الشعر بيتاً عمن أمكنهم عبور المحالْ، ثم عادوا بعد أن هدأ القتال ليمنحوا الأجيال آثارهم الخالدة.

سيأخذنا الحنين للراحلين من هؤلاء الأبطال، ولن يخفف ألم البعد عنهم إلا ما تركوه من حكمة عابرة للزمن.

واحد منهم هو الخبير الاستراتيجى الراحل لواء أركان حرب سمير بركات والذى أثرى صفحات مجلتنا قبل سنوات من رحيله مؤرخاً لحرب أكتوبر، فبقيت كتاباته أشبه بسراج وهاج ينير الطريق لمن يريد أن يستزيد عن وقائع أمجد وأعظم أيام حياتنا.

على مدى سبع سنوات نشرنا عشرات الصفحات من مخطوط كتابه "حرب أكتوبر بين الحقيقة والمعجزة" .. واليوم نقف على محطة بارزة تناول فيها اللواء "بركات" التفاصيل الكاملة لقصة الجسر الجوى الأمريكى لدعم اسرائيل فى حرب أكتوبر، لنخرج من تلك الأوراق بنتيجة مفادها: أن أعتى ترسانة حربية فى العالم ما كان بمقدورها أن توقف زحف المارد المصرى كى يحقق أعظم انتصاراته العسكرية، فالمنتصرون هم الذين يملون الشروط فى نهاية المطاف.. مستعينين بالثبات والرباط وامتلاك زمام القوة لفرض إرادة السلام.

تحت عنوان "التأييد الأمريكيّ السافر" استهل اللواء أركان حرب سمير بركات حديثه عن الجسر الجوى الأمريكى لدعم إسرائيل عسكرياً بالقول: منذ انتهاء حرب يونيه 1967 وتحقيق إسرائيل لأهداف عسكرية وسياسية تفوق بمراحل كل تصوراتها، والولايات المتحدة تؤيد إسرائيل تأييداً مطلقاً على كافة الأصعدة سياسية وعسكرية واقتصادية.

ولقد كانت فترة رئاسة الرئيس الأمريكى "جونسون" حافلة بأشكال الدعم والتأييد لإسرائيل، إلا أنه بعد رحيل جونسون وانتخاب نيكسون رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية استمر التأييد التام لإسرائيل خاصةً فى وجود "هنرى كيسنجر" كمستشار للأمن القومى قبل تعيينه وزيراً لخارجية الولايات المتحدة وهو اليهودى الديانة المُتعصب لصالح إسرائيل.

وكان أكبر تأييد أمريكى لإسرائيل هو اتفاق الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفيتى فى بداية صيف 1972 على فرض حالة من الاسترخاء العسكرى فى الشرق الأوسط، الأمر الذى يعنى استمرار احتلال إسرائيل لأراض كبيرة من ثلاث دول عربية هي: مصر وسوريا والأردن، وأن هذا الاسترخاء العسكرى يؤجل عملية تحرير تلك الأراضى المحتلة من الاحتلال الإسرائيلي، ويزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية والنفسية على تلك الدول العربية وباقى دول المواجهة القريبة منها.

أما عن الدعم العسكرى الأمريكى لإسرائيل فيكفى أن نذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية قدمت لإسرائيل فى مجال القوات الجوية فقط حوالى 290 طائرة قتال حديثة جدا منها: 162 طائرة مقاتلة قاذفة سكاى هوك أ-4، و127 طائرة مقاتلة قاذفة مُتعدّدة المهامّ من طُراز فانتوم ف-4 وذلك خلال الفترة من عام 1968-1973.

كذلك يجب الإشارة إلى الدعم الكبير التى كانت إسرائيل تحصل عليه فى مجال المعلومات عن كافة الدول العربية وخاصةً دول المواجهة الثلاثة مصر وسوريا والأردن، وذلك من خلال وزارة الدفاع الأمريكية مباشرة أو عن طريق التنسيق الدائم بين جهاز المخابرات الأمريكية "سى آى إيه" جهاز الموساد الاسرائيلي.

 كيسنجر يحذر إسرائيل من توجيه ضربة إجهاض

كانت الساعة تعلن السادسة صباحًا بتوقيت نيويورك (وهى تعادل الثانية عشرة ظُهرًا بتوقيت القاهرة) من يوم السبت 6 أكتوبر 1973 حينما دق جرس التليفون فى غرفة نوم هنرى كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكيّة بفندق والدورف أوستريا العملاق فى نيويورك وأبلغ بمضمون البرقيّة العاجلة التى بعث بها السفير الأمريكيّ فى إسرائيل/ كينيث كينتج الذى استدعته جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل فى مكتبها قبل ساعتيْن تقريبا (حوالى الحادية عشرة صباحا بتوقيت تلّ أبيب - العاشرة بتوقيت القاهرة) وأبلغته رسالة هامّة أن كل من مصر وسوريا فى المراحل النهائيّة من العدّ التنازُليّ للحرب، وطلبت منه إبلاغ حكومته ضرورة بذل كلّ نفوذها لدى الدولتيْن مصر وسوريا وكذلك لدى الاتحاد السوفيتيّ لمنعها من شنّ هذا الهجوم على إسرائيل، كما أكّدَت جولدا مائير للسفير الأمريكيّ أنها لن تكون البادئة بشَـنّ ضربة إحباط/ إجهاض ضدّ العرب.

وهـز كيسنجر رأسه متعجبا من الموقف.. إسرائيل تطلب التدخل حتى لا يُهاجمها العرب مصر وسوريا وهى التى تتفوق عليهم مجتمعين.. لابد أنها تنوى شرا ؟؟ وأمسك كيسنجر بالتليفون وهو مازال فى سريره وتحدث مع الرئيس الأمريكي/ نيكسون فى منزله الريفى بولاية فلوريدا فى جنوب الولايات المتحدة حيث يقضى عطلة نهاية الأسبوع - حيث شرح له الموقِف فى الشرق الأوسط حتى آخر لحظة، وتصوراته واعتقاده بأن إسرائيل تحاول خداع الجميع حتى الولايات المتحدة وأنها تستعد لتوجيه ضربة إجهاض ضد جيوش كل من مصر وسوريا اللتين حشدتا قوّاتهما على امتداد قناة السويس والجولان.   

وطلب نيكسون من وزير خارجيّته الاتصال بنفسه بوزيرى خارجية مصر وسوريا - الموجودين فى ذلك الوقت فى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة- وأن يحثهما على ضبط النفس، وفعَل كيسنجر ما طلبه رئيسه نيكسون وأكّدَ فى نهاية حديثه مع كلٍ منهما "تجنب خرق وقف إطلاق النار القائم"، ثم اتصل كيسنجر بـ أبا إيبان وزير خارجية إسرائيل وقال له فى نهاية حديثـه: "احذروا توجيه ضربة إجهاض ضد العرب"، ثم اتصل مع سفير الاتحاد السوفيتى فى واشنطُـن/ أناتولى دوبرينين وطلب منه بذل الاتحاد السوفيتى كلّ جهوده مع كل من مصر وسوريا للحيلولة ضد اندلاع القتال فى الشرق الأوسَط.

وأخيراً أملى برقية لإرسالها إلى السفير الأمريكى فى إسرائيل يطلب فيها تكرار التحذير لجولدا مائير رئيسة الوزراء - وهو التحذير الذى دأب السفير- بتكليف من حكومته - على إبلاغه لحكومة إسرائيل خلال الشهور الأخيرة، حتى صار كقطعة من الشعر يُرددها السفير الأمريكى أمام مسئولى الحكومة الإسرائيليّة وقد حفظها عن ظَهر قلب، وفعلاً قام السفير الأمريكى بإبلاغ البرقية إلى جولدا مائير وأضاف عليها من عنده تهديدًا مُستتراً.

إذا امتنعت إسرائيل عن توجيه ضربة إجهاض، وتركت للعرب أن يقدموا دليلا إلى العالم كله لا يقبل النفى على أنهم هم البادئون بالعدوان، فإن الولايات المتحدة سوف تشعر بالتزام أخلاقى بمساعَدة إسرائيل".

لكن هذا التحذير والتهديد كان عديم الفائدة حيث اجتمعت جولدا مائير بعده مباشرة بوزراء مجموعة المطبخ وهم: إيجال آلون نائب رئيس الوزراء، إسرائيل جاليلى وزير الدولة، وموشى ديان وزير الدفاع، والجنرال ديفيد إليعازار رئيس الأركان العامة، نائب رئيس المُخابرات الإسرائيليّة، وتم تدارس الموقف وفكرة توجيه ضربة إجهاض ضد قوات مصر وسوريا، إلا أنه فى ظل التحذير الأمريكى الصريح قررت رئيسة الوزراء قَبول إسرائيل تلقّى الضربة الأولى من العرب وأن تمتنع عن المبادرة بكسر وقف إطلاق النار ومهاجمة العرب.

 كيسنجر يُفاجَأ باندلاع الحرب

وفى الثامنة وخمس دقائق بتوقيت نيويورك (الثانية ظُهراً بتوقيت القاهرة)، اندلعت الحرب بين كلٍ من مصر وسوريا ضدّ إسرائيل، ودقّ جرس التليفون من جديدٍ فى جناح كيسنجر بالفندق، وكان المتحدث هو وزير خارجية مصر الدكتور/ محمد حسن الزيات الذى أبلغ كيسنجر "أن إسرائيل استفزت العرب حيث أرسلت بعض قِطَع أسطولها الحربيّ لتُهاجِم ميناء اللاذقيّـة السورى وأنه جار صد هذا الاعتداء".

وفى الثامنة وخمس وعشرين دقيقة بتوقيت الولايات المتحدة (أى الساعة 1425 بتوقيت القاهرة) اتصل شاليف القائم بالأعمال الإسرائيلية فى نيويورك تليفونيا مع هنرى كيسنجر وأبلغه أن العرب قد بدأوا الحرب ضدّ إسرائيل.. ولما حكى له كيسنجر اتصال وزير خارجية مصر، نفى شاليف القصّة كلها.

 ولقد فوجئ هنرى كيسنجر بالحرب مفاجأة تامة خاصةً بعد أن تأكد من اتصاله مع مجموعة العمل فى مركز إدارة الأزمات بالبيت الأبيض أن العرب هم الذين بدأوا الهجوم ضد إسرائيل، ويقول كيسنجر:

"إننى لم أكن قد فتحت بعد ملف الشرق الأوسط، وكنت أتصور أن تلك الأزمة سوف تنتظر دورها، لكن الأزمة فرضت نفسها على الجميع وأنا بينهم على غير انتظار، إنكم فى هذا نجحتم.. وأنا أول من يسلم لكم بهذا النجاح"

 إسرائيل تبدأ طلب المساعَدة العسكرية

ولقد تصوّرَ هنرى كيسنجر للوهلة الأولى ومن واقع معلوماته السابقة عن حجم ومدى التوازن العسكريّ بين إسرائيل ودول المواجهَة العربية والذى هو فى صالح إسرائيل بصفةٍ عامة، تصوّرَ الرجل:

"أن المصريين والسوريين قد قاموا بمغامرة خطيرة، ربما دفعهما إليها اليأس من الموقِف المتجمد، لكن القوّة العسكرية الإسرائيلية المتفوقة سوف تنقض عليهم من الآن بمنتهَى القسوة وبعدها سوف تتجه مصر إلى الاتحاد السوفيتي"

وبعد أن تأكد كيسنجر من دقة المعلومات التى أبلغت إليه، اتصل من جديد بالرئيس الأمريكى وأبلغه بالمعلومات التى توافرت لديه، ثم حول جناحه فى الفندق إلى غرفة عمليات واستدعى عددا كبيرا من المسئولين والمعاونين له وتم زيادة إمكانيات الاتصالات مع مختلف الأطراف ومع البيت الأبيض ووزارة الخارجية..

ومع مساء نفس اليوم فى واشنطن غادر كيسنجر نيويورك إلى وَزارة الخارجية فى واشنطن، وفى السادسة من مساء اليوم التالى الأحد 7 أكتوبر 1973 (اليوم الثانى للقتال) استقبل هنرى كيسنجر فى مكتبه بوزارة الخارجيّة السفير الإسرائيلى فى واشنطن- الذى عاد صباح الأحد من إسرائيل حيث كان هناك فى مهمة للتشاور مع حكومته - وذلك بناء على طلب السفير الإسرائيلى سميجا دينتز الذى كان يحمل معه طلبا متواضعاً من الدعم العسكرى وذلك بسرعة تعجيل تسليم صفقة الطائرات الفانتوم التى تم الاتفاق عليها منذ عدّة أشهر وكذلك بعض الدبّابات والمُعدّات الإليكترونية وقطَع الغيار، وطلب تسهيل قيام طائرات شركة العال الإسرائيلية التى تم تحويلها لصالح المجهود الحربى فى نقل المعدات الخفيفة وبعض أنواع الذخائر على أن يتم نقل الطائرات والدبابات بإمكانيّات الولايات المتحدة الأمريكية.

كذلك أوضح السفير الإسرائيلى لوزير الخارجية الأمريكى أن حكومة إسرائيل قد التزمت بطلب الولايات المتحدة فى عدم توجيه ضربة إجهاض ضد العرب، وأن ذلك الالتزام الإسرائيلى يلقى على الولايات المتحدة مسئوليّة خاصّة وهى أهميّة دعم إسرائيل بالأسلحة والمُعدّات العسكريّة ولو حتى لاستعواض خسائرها.

وفى صباح 8 أكتوبر 1973 ناقش وزير الدفاع الأمريكى طلب إسرائيل فى هبوط طائراتها التابعة لشركة العال فى المطارات الأمريكية لتعود حاملة المعدات والصواريخ والأسلحة الخفيفة، وتمّت مناقَشة الأمر بين وزير الدفاع ومساعديه وانتهت برفض طلب إسرائيل.

وعندما علم السفير الإسرائيليّ برفض الطلب استنجد بوزير الخارجيّة كيسنجر الذى أبلغه بعد عدّة اتصالات مع وَزارة الدفاع الأمريكيّة بالقرار الآتي:

"لا مانع من هبوط عدد محدود من الطائرات الإسرائيليّة ولكن بشرط دهان ذيول الطائرات لإخفاء النجمة السداسيّة الزرقاء (شعار إسرائيل) من عليها" ووافق السفيـر.

 إسرائيل تتوسع فى طلب المُساعدات العسكريـة

فى الواحدة والرُبع بعد ظُهر الاثنين 8 أكتوبر 1973 أبلغ كيسنجر السفير الإسرائيليّ تليفونيًا أن الرئيس الأمريكيّ نيكسون وافق من حيث المبدأ على تعويض إسرائيل فورًا عن كلّ ما فقدته من طائرات عسكرية.

وفى الخامسة من مساء نفس اليوم 8 أكتوبر اتصل السفير الإسرائيلى دينتز مع هنرى كيسنجر تليفونيا وأبلغه أن جولدا مائير ترجوه ليس فقط استعجال إرسال الطائرات لاستعواض الخسائر، بل تطلب قائمة أخرى من المُعدّات والذخائر ترى أن إسرائيل فى حاجة ماسّة جدا إليها بسبب فداحة الخسائر الإسرائيليّة خلال أيام القتال الثلاثة الماضية.

وعندما علم السفير أنه تمّ إرسال طائرتيْ فانتوم فقط لإسرائيل رغم موافقة الرئيس نيكسون المبدئيّة على استعواض الخسائر، تعجّب جدا وأبلغ كيسنجر أنه سيحضر بنفسه إلى وزارة الخارجية لمناقَشَة الموضوع.

وفى السادسة وأربعين دقيقة بتوقيت واشنطن حضر السفير الإسرائيلى إلى مكتب كيسنجر فى وَزَارَة الخارجيّة وشرح شدة احتياج إسرائيل لمزيدٍ من الطائرات والدبّابات حيث الخسائر هناك فادحة خاصةً على الجَبهَة المصرية، وقال السفير إنه لن يستطيع التأثير الكافى على أعضاء مجلس الشيوخ والنواب الأمريكيين من اليهود الذين تطوعوا لمساعدة إسرائيل فى الحصول على الأسلحة والمعدات اللازمة لها بصفة عاجلة، وذلك إذا ثاروا عندما يعلمون بقيود إرسال الأسلحة لإسرائيل إلى هذه الدرجة المُخجلة.

 كيسنجر يُعيـد تقدير الموقف فى الشرق الأوسَـط

وطوال يوم 8 أكتوبر 1973 كانت تقارير المخابرات الأمريكية ووزارة الدفاع (البنتاجون) وكذلك التقارير الصحفيّة ووكالات الأنباء تحمل مزيدًا من أخبار الهزائم الإسرائيليّة خاصّةً على جَبهَة قناة السويس، ومع مساء اليوم كانت المُحصّلة سيئة، وخلال ليلة 8/9 أكتوبر 1973 أعاد كيسنجر تقديره للموقِف فى الشرق الأوسط وتوصّل منذ البداية أن الاتحاد السوفيتى غير راغب حاليًا فى سُرعَة وقف القتال نظرًا لأن كلٍ من مصر وسوريا ويُعاونهما عناصر من دول عربيّة أخرى، تحقّقان انتصارات جيدة بفضل استخدام سلاح سوفيتى أساسا كما توصّل كيسنجر أن إسرائيل تحتاج إلى خمسة أيام - وليس ثلاثة أيام فقط كما تصوّر فى البداية – لصد الهجوم العربى والتحول من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم المضاد وبالتالى تُحقّق الانتصار على العرب.

والحقيقة أنه كان وراء إعادة تقدير هنرى كيسنجر للموقِف السياسى والعسكريّ فى الشرق الأوسط ضغوط شديدة من داخل الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، فقد تعرضت الحكومة الأمريكية بضغوط من كبار رجال الأعمال والمصالح البترولية الأمريكية فى الأراضى العربية والذين طالبوا الحكومة الأمريكية بإعطاء العرب الفرصة لاسترداد أراضيهم التى احتلّتها إسرائيل فى حرب يونيه 1967، أو على أقلّ تقدير عدم اتخاذ الولايات المتحدة الأمريكيّة موقفًا منحازا لإسرائيل فى صراعها العسكرى الدائر فى المِنطَقَة بطريقة قد تدفع العرب إلى فرض حظر حقيقيّ وخطير فى الإمدادات البترولية إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهى تعانى فعلاً من أزمة شديدة فى المواد البترولية.

 الولايات المتحدة  ترصد تزايـد الدعم العسكريّ السوفيتيّ لمصر وسوريا

وقُبيل ظُهر يوم 9 أكتوبر 1973 تمكّن هنرى كيسنجر من توفير خطّ تليفونى مباشر بين مكتبه بوزارة الخارجية ومكتب السفير الإسرائيليّ بواشنطن/ "سميجا دينتز"، وقد أوضح السفير الإسرائيلى أن خسائر إسرائيل فى الطائرات بالذات زادت بدرجة كبيرة نظراً لشدة فاعلية الصواريخ المصرية والسورية من طُراز سام-6، وسام-7 السوفيتيّة الصُنع، وطالب السفير وزير الخارجية الأمريكية بسرعَة استعواض خسائر الطائرات مع توفير أجهزة إعاقة وشوشرة على تردّدات عمل تلك الصواريخ السوفيتيّة.

وفى نفس الوقت توالت منذ صباح يوم 9 أكتوبر 1973 الأخبار المزعجة من جانب وزارة الدفاع ووكالة المخابرات المركزية "سى آى إيه" تنحصر فى الآتي:

أ- وجود شواهد حقيقية على تزايد عدد وحجم النقل العسكريّ السوفيتى عبر مضيقى البسفور والدردنيل فى تركيا والتى تربط بين الموانى السوفيتيّة فى البحر الأسود وموانى سوريا ومصر فى البحر المُتوسّط.

ب- تزايد أعداد وحدات الأسطول الحربى السوفيتى فى شرق البحر الأبيض المُتوسّط وذلك منذ اندلاع القتال بين العرب وإسرائيل.

جـ- ظهور لهجة متشددة فى أحاديث قادة الاتحاد السوفيتيّ وكان أخطرها خطاب الزعيم السوفيتى بريجينيف، إلى الرئيس الجزائرى هوارى بومدين والذى طالبه فيه:

"استعمال جميع الوسائل المُتوافّرة لديه واتخاذ جميع الخُطُوَات اللازمة نحو دعم كل من سوريا ومصر فى الكفاح الصعب الذى فرضه المُعتدون الإسرائيليّون" وفهم كيسنجر فورًا أن الاتحاد السوفيتى غير راغب فى احتواء القتال حاليا حيث أن صيغة الخطاب تدعو الجزائر صراحة إلى الانضمام الفورى للحرب العربية ضد إسرائيل.

وبعد ظهر يوم 9 أكتوبر 1973 اجتمع الرئيس الأمريكى نيكسون مع وزير خارجيته كيسنجر وعدد من مساعديهم حيث تدارسوا الموقف الإسرائيلى فى الشرق الأوسط وقد وافق الرئيس الأمريكى على بعض المقترحات الهامة التى قدمها له كيسنجر لصالح دعم إسرائيل، ثم استدعى كيسنجر السفير الإسرائيلى فى الساعة السادسة والنصف من مساء 9/10/1973 إلى مكتبه حيث أبلغه بتلك القرارات الهامة وهي:

أ- أن الرئيس الأمريكى قد وافق على شحن جميع مطالب إسرائيل من الأسلحة والمعدات الحربية مع تعويض جميع خسائرها فى الطائرات والدبابات.

‌ب- تقرر السماح لطائرات النقل المدنية الإسرائيلية التابعة لشركة العال بالهبوط مباشرة فى القاعدة الجوية الأمريكية "لويزيانا" على ساحل ولاية فرجينيا ليتم تحميلها بالصواريخ جو/ جو من طرازيّ "سبارو"، "سايدوندر" وكذلك بعض المعدات الإلكترونية المعقدة الخاصة بالتشويش على صواريخ سام.

- وقد أوضح كيسنجر للسفير الإسرائيلى أن هناك عقبات بيروقراطية فى وزارة الدفاع (البنتاجون) وأنه - أى كيسنجر - يحارب معركة إسرائيل كلها ضد الإدارة الأمريكية بمفرده وضد وزارة الدفاع وعلى رأسها وزير الدفاع الأمريكى جيمس شليزنجر نفسه.

- وكان هنرى كيسنجر حتى تلك اللحظات - مساء يوم 9 أكتوبر 1973 - يرى أنه مع حلول اليوم التالى الأربعاء 10 أكتوبر 1973، فإن إسرائيل ستكون قادرة على هزيمة العرب بمفردها وبإمكانياتها دون مساعدة كبيرة من الولايات المتحدة وكل وعود الرئيس الأمريكى هى مجرد الدعم المعنوى لإسرائيل، ثم استعواض الخسائر بعد وقف إطلاق النار.

- ومع فجر اليوم الخامس للقتال – 10 أكتوبر 1973 كان واضحاً لأجهزة الرصد التابعة للمخابرات المركزية الأمريكية ووكالة الأمن القومى وهى متخصصة فى أعمال المخابرات الإلكترونية، أن هناك جسرا جويا سوفيتيا منتظما بين الاتحاد السوفيتي، وكل من مصر وسوريا ولكن حجمه الحقيقى بقى غير مؤكد وذلك على الرغم من أن التقارير الواردة إلى غرفة إدارة الأزمات بالبيت الأبيض والتى يشرف عليها الجنرال الأمريكي"سكوكروفت" (مساعد كسينجر لشئون الأمن القومى ) تدل على أن السوفيت يستخدمون فى هذا الجسر حوالى 20 طائرة من طراز (أنتينوف - 22) وعددا آخر من الطائرات الأصغر من طراز (أنتينوف -12)

 البنتاجون يعطل جهود السفير الإسرائيلى فى شحن الأسلحة لإسرائيل

وفى صباح الأربعاء العاشر من أكتوبر 1973، وبعد أن تلقى كيسنجر آخر تطورات الجسر الجوى السوفيتى إلى كل من مصر وسوريا، اتصل به السفير الإسرائيلى فى واشنطن وأبلغه بزيادة حجم الخسائر الإسرائيلية فى الطائرات والدبابات وكرر - كالمعتاد - طلبه بضرورة استعجال إرسال الامدادات العسكرية لإسرائيل.

واتصل كيسنجر بوزير الدفاع الأمريكى جيمس شليزنجر الذى أبلغه بعقبات فى شحن الأسلحة والذخيرة على الطائرات الإسرائيلية، فطلب منه كيسنجر استئجار طائرات شحن مدنية أمريكية لنقل تلك المعدات والذخيرة إلى إسرائيل، لكن وزير الدفاع لم يبد لهذا الرأى حماساً ولكنه لم يعترض عليه.

وفى الساعة (الحادية عشرة والثلث بتوقيت واشنطن) اتصل الجنرال/ سكوكروفت من البيت الأبيض بالسفير الإسرائيلى فى واشنطن حيث أبلغه بما دار بين الوزيرين الأمريكين كذلك أبلغه أن الملك الحسين بن طلال ملك الأردن قرر إرسال قوة محدودة من قواته المسلحة لمساعدة سوريا (التى تعانى ضغطاً شديداً من جانب القوات الإسرائيلية) وأن كيسنجر يأمل من حكومة إسرائيل الا يدفعها ذلك إلى فتح جبة ثالثة مع الأردن.

وفى الساعة الثالثة والنصف من بعد الظهر بتوقيت واشنطن توجه السفير الإسرائيلى إلى البيت الأبيض حيث قابله الجنرال/ سكوكروفت وشرح له التغيير المفاجئ الذى ظهر فى تصرفات الاتحاد السوفيتى الواضح من هذه العملية هو محاولة تثبيت الأوضاع على جهات القتال وهى فى موقف - خاصة على جبهة قناة السويس - حقق فيه العرب انتصارات كبيرة على القوات الإسرائيلية، وكذلك محاولة منع قيام إسرائيل بتوجيه الضربات المضادة بالاحتياطيات التعبوية بعد اكتمال أعمال التعبئة وحشد الاحتياطيات.

ولقد أثارت تلك الأخبار السفير الإسرائيلى سميحا دينتز وأعلن أن إسرائيل لن توافق على قرار وقف إطلاق النار مع العرب قبل أن توجه لهم الضربات المضادة وترد القوات المصرية والسورية إلى مواقعهم الأصلية فيما قبل اندلاع القتال يوم 6 أكتوبر 1973، وأن الموقف يدعو الولايات المتحدة إلى سرعة إقامة جسر جوى فورى ومباشر إلى إسرائيل لتوصيل المعدات المطلوبة إليها بما يعادل الجسر الجوى السوفيتى على الأقل.

وخرج السفير الإسرائيلى متوجهاً إلى وزير الدفاع الأمريكى جيمس شليزنجر لبحث سرعة إجراءات شحن المعدات والذخائر المطلوبة لإسرائيل، لكن وزير الدفاع ألغى الموعد فى اللحظة الأخيرة بإيعاز من نائبه وليام كليمنتس، ولقد جعل إلغاء الاجتماع السفير الإسرائيلى فى واشنطن يغلى غيظاً

وفى نفس الوقت تقريباً - بعد ظهر العاشر من أكتوبر 1973- اجتمع الرئيس الأمريكى نيكسون مع عشرة من أعضاء الكونجرس الأمريكى (مجلس الشيوخ) وتسعة من أعضاء مجلس النواب ليشرح لهم أبعاد الموقف فى الشرق الأوسط ونية الحكومة الأمريكية إزاء ذلك.

وقد اشترك فى هذا الاجتماع السناتور/ مايك مانفيلد زعيم الأغلبية الديمقراطية فى مجلس الشيوخ الأمريكى الذى أعلن للصحفيين قبل دخوله الاجتماع بأنه لا يحبذ تدخل الولايات المتحدة الأمريكية فى الحرب الدائرة فى الشرق الأوسط سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وشدد على قوله: "إننى لا أريد فيتنام أخرى هناك".

 سفير إسرائيل فى واشنطن يحرض كيسنجر ضد الاتحاد السوفيتي

وفى الثامنة من مساء نفس اليوم الحافل ذهب السفير الإسرائيلى لمقابلة كيسنجر فى مكتبه بوزارة الخارجية الأمريكية وأخذ يحرضه ضد الاتحاد السوفيتى باعتباره علم مؤكداً بقرار الحرب وأرسل لسحب الخبراء والعائلات من مصر وسوريا دون إبلاغ الولايات المتحدة، وهو الآن يدعم كل من الدولتين عسكرياً عن طريق الجسر الجوى السوفيتي، كما يدعو باقى الدول العربية الأخرى لدخول الحرب ودعم مصر وسوريا.

وعقب خروج السفير الإسرائيلي، سارع كيسنجر بالاتصال مع السفير السوفيتي/ أناتولى دوبرينيين على الهاتف وحاول إقناعه بتأجيل طلب اجتماع مجلس الأمن لبحث موضوع وقف إطلاق النار فى الشرق الأوسط.

 الاتحاد السوفيتى يضع بعض قواته شرق أوروبا فى حالة تأهب قصوى

وفى ساعة متأخرة من ليلة 10/11 أكتوبر 1973 تلقى كيسنجر تقريراً بالغ السوء والخطورة، وخلاصته أن الاتحاد السوفيتى قد وضع ثلاث فرق محمولة جواً من قواته فى شرق أوروبا فى حالة تأهب كاملة استعداداً للتدخل العسكرى المباشر فى حرب الشرق الأوسط، وكان ذلك مؤشراً بالغ الخطورة على حالة التوازن الإستراتيجى بين العملاقتين.

 كيسنجر يتخذ قراراً لتغيير دفة الحرب فى الشرق الأوسط

وخلال ليلة 10/11 أكتوبر 1973 تدارس كيسنجر الموقف العالمى والإقليمى مرة أخرى ونتائج الحرب على الجبهة المصرية والسورية، ثم توصل إلى قرار خطير مفاده: "يجب على أمريكا أن تتدخل لوقف الاتحاد السوفيتى عند حده، وتقديم المساعدة العاجلة لإسرائيل لمنع انهيارها وليس لمجرد رفع معنوياتها، وكذلك سرعة العمل لتجنب احتمال وقوع مواجهة عسكرية بين العملاقين الكبيرين".وكان كيسنجر قد فقد الأمل نهائياً فى أى نجاح إسرائيلى خاصة على جبهة قناة السويس وذلك رغم مضى خمسة أيام على بدء القتال، وخاصة بعد التزايد الواضح فى حجم الجسر الجوى السوفيتى لكل من سوريا ومصر.

وكما سبق وأخطأ كيسنجر فى تقدير موقف الحشود العسكرية لكل من مصر وسوريا خلال الأسابيع القليلة الماضية التى سبقت الحرب، ثم أخطأ مرة ثانية فى تقدير تصميم العرب على مواصلة القتال وكذلك كفاءتهم فى استخدام الأسلحة والمعدات الحديثة، ثم أخطأ مرة ثالثة عندما تخيل أن سياسة الوفاق مع الاتحاد السوفيتى سوف تجعله أكثر حذراً فى التورط المباشر فى حرب الشرق الأوسط.وأكثر اندفاعاً ورغبة فى إجراء حوار مباشر مع الولايات المتحدة بهدف احتواء القتال وليس الدعوة إلى تدخل دول عربية أخرى إلى المعارك الضارية الجارية حالياً.

وكان القرار هو ضرورة قيام الولايات المتحدة الأمريكية بعمل جسر جوى إلى إسرائيل يمثل الجسر الجوى السوفيتي، وذلك بهدف إظهار قوة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها نحو إسرائيل مهما كانت المسافات شاسعة، وكذلك لزيادة قدرة إسرائيل العسكرية بالدرجة التى تحقق لها التفوق على كل الدول العربية المشتركة فى القتال، وبذلك يتحقق لإسرائيل تغيير اتجاه الحرب وتحقيق نصر عسكرى واضح ضد العرب.

وكان من العناصر الإستراتيجية الهامة فى خطة  هنرى كيسنجر فى ذلك الوقت – ليلة 10/11 أكتوبر 1973، ضرورة أن يقتنع العرب ولو عن طريق القوة العسكرية غير المباشرة، بأنهم لن يحرزوا نصراً عسكرياً حاسماً ضد إسرائيل بأسلحة سوفيتية، وأنه يتعين عليهم - على المدى الطويل - التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية والاعتماد على نفوذها لدى إسرائيل فى سبيل تحقيق بعض من أهدافهم المرجوة.

 مساعى كيسنجر لتصحيح الميزان العسكرى لصالح إسرائيل

وفى صباح يوم الخميس 11 أكتوبر 1973 عقد كيسنجر اجتماعاً هاماً مع مساعديه لوضع خطة عاجلة لحمل وزارة الدفاع الأمريكية على تقديم إمدادات عاجلة لإسرائيل من الطائرات والدبابات ومعدات الحرب الإلكترونية.

وعقب الاجتماع اتصل كيسنجر بالسفير الإسرائيلى فى واشنطن وطلب منه مقابلة وزير الدفاع الأمريكى لبحث ترتيبات الحصول على المعدات وإجراءات شحنها لإسرائيل على وجه السرعة.

وبعد الظهر اتصل كيسنجر مع جيمس شليزنجر وزير الدفاع الأمريكى وطلب منه سرعة استئجار عدد 20 طائرة نقل مدنية لنقل المعدات العاجلة لإسرائيل، لكن وزير الدفاع قاوم هذه الفكرة بشدة، وقال إن أى دعم عسكرى لإسرائيل مهما كان محدوداً سوف يكون سبباً واضحاً لاستفزاز العرب ودفعهم نحو فرض حظر بترولى ضد الولايات المتحدة الأمريكية وهو الأمر الذى يؤثر ليس فقط على الاقتصاد الأمريكى بل يتعداه إلى الجانب العسكرى كما أن شركات الشحن المدنية الخاصة تخشى عمليات الثأر.

وفى النهاية اضطر هنرى كيسنجر إلى أن يصدر الأمر لوزير الدفاع الأمريكى باسم الرئيس نيكسون شخصياً بضرورة تخصيص 20 طائرة نقل فى نفس اليوم لبدء أعمال الإمداد الجوى لإسرائيل.

وحتى صباح الجمعة 12 أكتوبر 1973 – سابع أيام القتال – لم تكن هناك أى مظاهر لبدء الجسر الجوى الأمريكى الذى تحدث عنه كيسنجر مع السفير الإسرائيلي/ سميحا دينتز ولم تكن إسرائيل قد حصلت سوى على حمولة 6 طائرات نقل من شركة العال الإسرائيلية التى تعبئ لصالح المجهود الحربى الإسرائيلي، وغالبيتها من الذخيرة: صواريخ جو/ جو من طرازيّ: "سايدوندر"، و"سبارو" وهى التى تعانى إسرائيل من عجز شديد بها.

ومرة جديدة عاود هنرى كيسنجر الاتصال مع وزير الدفاع الأمريكى للتغلب على مشاكل الطائرات المدنية، وذلك باستخدام طائرات نقل عسكرية أمريكية، ورفض شليزنجر استخدام طائرات عسكرية أمريكية للنقل إلا بأمر شخصى من الرئيس الأمريكى نفسه.

وفعلاً لجأ هنرى كيسنجر إلى الرئيس نيسكون الذى كان يعانى كل تعقيدات فضيحة ووترجيت وطلب منه إخطار وزير الدفاع لبدء الجسر الجوى الأمريكى بطائرات نقل عسكرية، وفعلاً طلب الرئيس نيكسون وزير دفاعه وأبلغه بموافقته على بدء التنفيذ وبأعلى معدل ممكن.

 الجسر الجوى الأمريكى لدعم إسرائيل عسكرياً

خصص وزير الدفاع الامريكى 68 طائرة نقل عسكرية من اسطول النقل الجوى العسكرى الأمريكى منها 51 طائرة نقل عملاقة (لوكهيد سى- 5 ايه جلاكسي) وهى أكبر طائرة نقل ثقيل فى العالم، و17 طائرة نقل ثقيل بعيدة المدى من طراز (لوكهيد سى 141)  لتنفيذ الجسر الجوى الأمريكى إلى إسرائيل.

كما حدد وزير الدفاع الأمريكى الحد الأقصى لعدد الطائرات التى تهبط فى يوم واحد داخل إسرائيل من الجسر الجوى بعدد 6 طائرات عملاقة (سى- 5 ايه)، وعدد 17 طائرة (سي- 141)، وذلك لاعتبارات سياسية تتعلق بميزان القوى العسكرية الإقليمية والعالمية، وهذه الرحلة قادرة على نقل حوالى ألف طن من المعدات والذخائر العسكرية فى اليوم الواحد.

وقد تم استخدام 228 طائرة من النوعين لتنفيذ 569 رحلة نقل من الأراضى الأمريكية إلى إسرائيل منها 147 طلعة/ طائرة (سى 5 إيه)، 422 طلعة/ طائرة (سى- 141)، وتم نقل 11000 طن بالطائرات (سى- 5 ايه)، و11500 طن بالطائرات (سى 141) بإجمالى 22.500 طن معدات عسكرية وذخائر، وذلك فى المدة من 13 أكتوبر 1973 وحتى 14 نوفمبر 1973 أى لمدة 33 يوماً متصلة، وتم نقل 8774 طنا من هذه الكمية خلال مدة القتال من 13 – 24 أكتوبر 1973 أى لمدة (12 يوما) بنسبة 39% من إجمالى ما تم نقله بالجسر الجوي، وباقى الكمية وقدرها 13729 طنا خلال باقى المدة من 25 أكتوبر 1973 وحتى 14 نوفمبر 1973 لمدة (21 يوما) وبنسبة 61% من الإجمالي.

وبالتوازى مع الجسر الجوى الأمريكى أمكن لطائرات شركة العال الإسرائيلية المعبأة لصالح المجهود الحربى نقل 5500 طن من الصواريخ جو/جو وبعض قطع الغيار الهامة والمعدات الإلكترونية من قاعدة لويزيانا الجوية الأمريكية إلى إسرائيل وذلك بعدد ثلاث طائرات من طرازى جامبو 747، وثمانى طائرات بوينج 707 وذلك خلال الفترة من 13/10/1973 وحتى 24/10/1973 بعد صدور قرار وقف إطلاق النار.

وقد اعتمد الجسر الجوى الأمريكى على الطيران المباشر من الولايات المتحدة إلى إسرائيل مع عمل ترتيبات إعادة ملء الطائرات بالوقود فى الجو، ووجود أطقم طيارين وملاحين بدلاء على نفس الطائرات لسرعة الوصول إلى أرض إسرائيل فى رحلة الذهاب فقط، أما فى رحلة العودة (وكانت الطائرات فارغة من أى حمولة) فكانت تتوقف لإعادة الملء فى قاعدة أمريكية بجزر الأزورس فى المحيط الأطلنطى قبالة سواحل المغرب.

وقد تكلف الجسر الجوى الأمريكى مبلغ 88.5 مليون دولار نفقات تشغيل الطائرات والوقود فقط بدون أى تكلفة نقل أو ثمن المعدات فهى منحة أمريكية لإسرائيل لمنع انهيارها العسكري، وتم استخدام 24% من إجمالى طائرات قيادة النقل الجوى الاستراتيجى الأمريكى البالغة حوالى 1000 طائرة.

فى النهاية لم يفلح هذا الجسر الجوى فى تغيير مصير الحرب وأجبرت إسرائيل على توقيع اتفاقيتى فض الاشتباك الأولى والثانية وصولاً لمعاهدة السلام وتحرير الأرض بعد الانسحاب الكامل من سيناء ليتحقق الهدف من حرب أكتوبر.

أخيراً.. يمكننا أن نختم بما قاله كسينجر إبان إحدى جولاته لتمهيد توقيع اتفاقية فض الاشتباك الثانية، موجهاً حديثه للمفاوضين المصريين : "إنكم لا تقدرون ماذا فعلتم فى حرب أكتوبر.. ولا تعرفون صداه الذى يتردد على الجانب الآخر.. إنهم معذورون فى هذا القلق والتردد، لأن عندهم حالة خوف وفزع من الجيش المصري.. وهم يخشون أن تتكرر أكتوبر مرة أخرى فى سيناء.. لذلك تراهم يدققون فى كل شئ ويختلفون على أى شيء".

 	محمد مسعد

محمد مسعد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

وقائع الاستيلاء على موقع تبــة الشجرة

المزيد من سياسة

تفاصيل الخطة الإسرائيلية «ضم راكـض» لالتهام أراضى الضفة

د. جمال زحالقة: إسرائيل تخطط لترحيل أهالى الضفة الغربية إلى الأردن.. والموقف المصرى أفشل تهجير سكان غزة ديمترى دليانى: إسرائيل...

«أديس أبابا» تبحث عن منفذ بحرى.. وتطمع فى الأراضى الصومالية

أبعاد الصراع بين إثيوبيا والصومال بالبحــر الأحمر فى هذا التوقيت

سيناريوهات انهيار سد النهضة الإثيوبى وخططة مصر للمواجهة

الأقمار الصناعية رصدت الكارثة

بتوجيهات رئاسية.. المحاكم العسكرية تنتظر مافيا المتاجرين بقوت الشعب

محاكمة المتورطين فى أزمة الدواجن جنائياً.. خطوة على الطريق