يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتانياهو اللعب بالنار، معلنا عزمه استكمال عمليته العسكرية فى مدينة رفح الفلسطينية
دون اعتداد بالتحذيرات الأممية من العواقب الكارثية لهذه الخطوة الجنونية بحق المدنيين، غير أنه لم يكترث وواصلت دباباته احتلال الجانب الفلسطينى من معبر رفح.
وتصدت مصر لهذه العنجهية الصهيونية مُصعّدة إجراءاتها تدريجيًا، محاولةً فى الوقت نفسه الحفاظ على دورها فى الوساطة لإحلال السلام وإنهاء الحرب، ففى البداية لم تعترف مصر بأحقية إسرائيل فى تماديها ورفضت التنسيق مع تل أبيب فى إدارة المعبر، وحملتها المسئولية الكاملة عن وقف دخول المساعدات للمدنيين، وتوجت هذه الإجراءات باللحاق بجنوب أفريقيا فى ركب محكمة "العدل الدولية" لمقاضاة إسرائيل على جرائمها بحق الفلسطينيين، وهددت واشنطن بورقة "كامب ديفيد".
الضغوط المصرية على إدارة الرئيس الأمريكى جو بايدن دفعته لتهديد نتانياهو بالتوقف عن إمداد جيش الاحتلال بأنواع معينة من الأسلحة حال شنه هجوما واسعا على رفح، وقابل هذا الموقف استنكار شديد من نتانياهو إذ قال إن "بلاده تستطيع الصمود بمفردها"، مضيفا: "سنقاتل بأظافرنا إذا لزم الأمر".. فهل حقًا الدعم الأمريكى للكيان الصهيونى يشهد تراجعا وما دوافع واشنطن الحقيقية من وراء هذا المنحى؟
يرى الخبراء أن هذا الأمر مجرد تهديد، فواشنطن لن تمضى فى معاقبة إسرائيل، موضحين فى الوقت نفسه، أن هذه الشحنة العسكرية لن تعطل الحرب حال نفذت الإدارة الأمريكية تهديدها، ويحدثنا الدكتور جمال عبد الجواد مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عن طبيعة الخلاف المعلن بين تل أبيب وواشنطن، قائلا إن الأمر بات أكبر من بايدن نفسه، ويهدد مستقبل حزبه، مشيرا إلى وجود مشكلة سياسية داخل الولايات المتحدة ناتجة عن الانقسام المتزايد حول الحرب الدائرة فى غزة، وما تشهده عدة جامعات من احتجاجات سببت حرجا للحزب الديمقراطى خاصة أن بايدن مقبل على الانتخابات.
ووافقه الرأى عقيل عباس الخبير فى الشئون السياسية الأمريكية، قائلا إن الأروقة السياسية فى واشنطن غاضبة على نتانياهو، الذى بات يهدد المستقبل السياسى للإدارة الأمريكية الحالية وعلى رأسها بايدن.
من جانبه، أوضح العميد محمود محيى الدين الخبير العسكرى والاستراتيجي، أن المساعدات العسكرية الأمريكية مفتوحة، إذ إن هناك 16 مليار دولار وافق عليها الكونجرس الأمريكى مساعدات عسكرية للجانب الإسرائيلي، لافتا إلى أن طائرات الجالاكس الأمريكية لا تنتهى من الهبوط مرارا وتكرارا فى المطارات الإسرائيلية ناقلة المعدات العسكرية المختلفة حتى وصلنا إلى العربات المدرعة التى تستخدمها وحدات اليمام الإسرائيلية لاعتقال الفلسطينيين فى الضفة الغربية.
وأكد محيى الدين أن "ما يخيف الجانب الأمريكى حاليا سقوط ضحايا فى رفح بصورة كبيرة خاصة مع تزايد التظاهرات فى العالم والولايات المتحدة، والانتفاضة ضد مجازر إسرائيل فى الأمم المتحدة".
وتشير التصريحات الأمريكية إلى أن الشحنة من القنابل الهجومية عبارة عن 1800 قنبلة وزن الواحدة 900 كيلوجرام، و1700 قنبلة وزن الواحدة 225 كيلوجراما، وهذه القنابل جميعها دقيقة التوجيه إضافة إلى ذخائر توضع للقنابل غير الموجهة وتستخدم هذه الصواريخ نظام "جى بى إس" لتتحول إلى قنابل ذكية.
وإلى هذا، قلل رياض قهوجى مستشار الشئون العسكرية من الأهمية العسكرية لتهديدات بايدن، قائلا إن إسرائيل لديها مخزون احتياطى من الأسلحة والذخائر، ومنع هذه الشحنة لن يُوقف العمليات الإسرائيلية، لافتا إلى أن تل أبيب لديها مصادر أخرى من الدول الأخرى وبالأخص بريطانيا، ويمكنها تعويض هذه الشحنة، كما أن إسرائيل لديها عدد من المصانع العاملة فى منظومات تحويل القنابل الغبية إلى أخرى ذكية موجهة بالليزر، موضحا أن الميزة فى الذخيرة الأمريكية أنها مدفوعة الثمن من قبل دافعى الضرائب الأمريكيين ولا تمثل عبئا على الخزينة الإسرائيلية.
وعن السبب فى تلويح بايدن بمنع هذه الشحنة، قال قهوجى الخبير فى الشئون السياسية الأمريكية إن التعطيل ما هو إلا رسالة رمزية لن تؤثر على قدرات إسرائيل فى الحرب الحالية، منوها إلى أن هذه النوعية من القنابل استخدمتها إسرائيل فى قصف المدنيين فى جباليا، وكان هذا بداية الفراق بين بايدن ونتانياهو، وخرج بعدها الخلاف بينهما إلى العلن.
فهل يمكن لبايدن أن ينفذ تحذيره لنتانياهو؟ هنا يجيبنا عبد الجواد مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، قائلا إن الولايات المتحدة لا تريد معاقبة إسرائيل رغم الخسائر الكبيرة فى صفوف المدنيين، واستدل على ذلك بأن واشنطن عرضت صفقة على تل أبيب بتزويدها بمعلومات استخباراتية بخصوص الأنفاق لتصفية الكثيرين من قادة حماس الموجودين فى رفح مقابل عدم شن هجوم عسكرى واسع.
وأضاف قهوجى الخبير فى الشئون السياسية الأمريكية أن الإدارة الأمريكية تضع البنية التحتية القانونية والسياسية لاتخاذ مثل هذه الخطوات، مبينا أن نتانياهو يريد هجوما فى رفح للحفاظ على تحالفه اليمينى الحاكم، لكن مدى هذه المعركة يحدده التفاوض الأمريكى الإسرائيلي، وفى المقابل الانتخابات الأمريكية تملى على بايدن اتخاذ موقف صارم من نتانياهو.
وبالعودة إلى التاريخ، قال عباس: فى كل مرة اتخذت فيها الولايات المتحدة موقفا قويا ضد إسرائيل، تحققت نتيجة معينة، فبايدن بدأ مؤيدا جدا للعملية العسكرية فى غزة، وأتصور أنه سيحدث تغيير ما فى السلوك الإسرائيلي، مستدركا بأن حرب غزة لم تخترها إسرائيل مثلما حدث سابقا، وإدارة نتانياهو تتذرع بهذا أمام الداخل الإسرائيلى لمساندتها أمام الضغوط الأمريكية.
إذن هل يمكن لنتانياهو بعد كل هذه التحذيرات أن يضيف إلى سجله الدموى مجزرة جديدة فى رفح؟ هنا يوضح "فهوجي" أن الخطة عبارة عن عملية قضم عسكرية أى اجتياح متدرج بشكل يُظهر نتانياهو أنه يعطى مجالا للمدنيين للانسحاب، مضيفا: المشكلة هنا أن المنطقة البديلة المحددة للمدنيين لا تمتلك أى مقومات للمعيشة وغير صالحة لبناء مخيمات فيها وفقا للتقارير الأممية، وستكون هناك كارثة للنازحين، مردفا: "المشكلة الأساسية بين بايدن ونتانياهو هى الخلاف على ما بعد هذه العملية، فهو يريد من إسرائيل التزاما بالخطة اليوم التالي، وهذا ما يرفضه نتانياهو الحريص على إطالة أمد الحرب وعدم الوصول إلى أى اتفاق لإنهاء الحرب".
لكن الصورة ليست قاتمة إلى هذا الحد بعد، فهناك من يرى أملا فى إيقاف نتانياهو عن دمويته المفرطة، إذ أكد صبحى عسيلة الخبير بالمركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية، أن الموقف شديد الصعوبة لكن الأجواء الإيجابية التى تتحدث عنها مصر موجودة، وما يفصلنا عن الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار والمضى فيه مسافة قصيرة جدا يمكن تجاوزها فى حال تحلى الجانبان بأقصى قدر ممكن من الجدية.
وأبرز أن "المقترح المصرى كان جاهزا وكانت هناك موافقة مبدئية من قبل مجلس الحرب الإسرائيلى على هذه الخطوط العريضة ووزير الدفاع الإسرائيلى جالانت طالب نتانياهو بالتوقيع وحماس أخيرا أعلنت بشكل واضح الموافقة، لكن نتنياهو يحاول أن يستغل التفاوض فى تأمين أكبر قدر ممكن من المكاسب تحت قصف النيران، وعلق اقتحام رفح للوصول إلى صفقة، وهدد بذلك للضغط على حماس".
ونوه عسيلة إلى أن مصر حذرت مرارا وتكرارا من خطورة العملية العسكرية لنتانياهو فى رفع والتى ستؤدى إلى تصعيد لا يحتمل ولا يمكن لأحد أن يتوقع تداعياته، وبالتالى نحن أمام مفترق طرق حقيقى إما التهدئة أو الانفجار فى المنطقة وستطال آثاره إسرائيل نفسها، إسرائيل تحاول جر المنطقة إلى الجحيم، واستطرد:إن أى انفجار فى منطقة الشرق الأوسط سيكلف الولايات المتحدة الكثير، وهذا التصعيد لا يمكن لأحد أن يحسب مداه.
ومع ذلك فمصر جاهزة للتعامل مع كل السيناريوهات وتفضل عدم التصعيد بأى حال من الأحوال، وهنا يأتى دور المجتمع الدولى الذى طالبه الرئيس عبد الفتاح السيسى بأن يتحلى بالمسئولية للضغط على إسرائيل للوصول إلى اتفاق، كما يقول "عسيلة" الذى أشار إلى أن ويليام بيرنز مدير المخابرات الأمريكية الذى حلّ ضيفا على القاهرة قبل أيام فى زيارة غير مجدولة أثارت حفيظة نتانياهو الذى رفض استقباله فى تل أبيب وأرسل له مدير "الموساد"، ما يدل على أن هناك ضغوطًا من واشنطن على تل أبيب، لكنها فى النهاية ما زالت غير كافية.
والدور المصرى البارز فى الضغط على بايدن لتحجيم نتانياهو اعترفت به صحيفة "معاريف" العبرية، التى قالت: "مسؤولون مصريون أبلغوا مدير الاستخبارات الأمريكية وليام بيرنز، بوجوب ممارسة الولايات المتحدة ضغوطاً جدية على إسرائيل من أجل وقف عمليتها فى رفح، والعودة إلى المفاوضات الجادة، وإلا فإن القاهرة ستعمل على إلغاء اتفاقية كامب ديفيد".
ومن هنا حركت مصر المياه الراكدة، بعد قطع نتانياهو شوطا فى احتلال معبر رفع، ومارست القاهرة ضغوطًا عبر أوراق اللعبة السياسية التى تمتلكها فى يديها، ما دفع إدارة البيت الأبيض لتغيير موقفها من ممارسات نتانياهو الإجرامية، وإعلان ذلك على الملأ.
ومع احتفاظ القاهرة بمقعدها فى الوساطة بين جميع الأطراف لإنهاء الحرب، شاركت فى التصويت بالأغلبية داخل الأمم المتحدة على منح العضوية الكاملة لدولة فلسطين، وأعلنت وزارة الخارجية اعتزام القاهرة الانضمام إلى جنوب أفريقيا فى دعوتها بمحكمة العدل الدولية ضد إسرائيل، بسبب تفاقم حدة ونطاق الاعتداءات الإسرائيلية فى قطاع غزة، والإمعان فى الاستهداف المباشر للمدنيين وتدمير البنية التحتية فى القطاع، ودفع الفلسطينيين للنزوح والتهجير خارج أرضهم.
وأثارت هذه الخطوات غضب الداخل الإسرائيلى ضد حكومة نتانياهو، إذ ذكرت صحيفة "يديعوت أحرنوت" أن غضبًا "فى إسرائيل بسبب انضمام مصر إلى الدعوى القضائية فى لاهاي"، ووصفت الصحيفة فى مقال هذه الخطوة بـ"خطوة صعبة"، مبينة أن الإسرائيليين يخشون أن تصدر محكمة العدل الدولية أمرا بوقف القتال فى رفح.
كما يترجم حالة الغضب، التصريحات التى نشرتها صحيفة "هآرتس" العبرية نقلا عن مسئولين عسكريين كبار: "علينا الاستماع لتحذيرات أمريكا وإذا استمر تجاهلها سنجد أنفسنا أمام وضع مركب، وقف المساعدات العسكرية الأمريكية سينعكس سلبا علينا إذا اندلعت حرب فى جبهات أخرى".
ولا تترك القاهرة مناسبة إلا وطالبت مجلس الأمن والأطراف الدولية المؤثرة بالتحرك الفورى لوقف إطلاق النار والعمليات العسكرية فى رفح وحماية الفلسطينيين، آخرها الرسائل الحاسمة التى وجهها وزير الخارجية سامح شكرى فى مؤتمر صحفى مع وزيرة الخارجية السلوفينية، تانيا فاجون، محذرًا من عدم الاكتفاء بالحديث الشفهى ولكن ستكون هناك إجراءات مؤثرة لاحتواء الأزمة والوصول لوقف إطلاق النار الكامل.
وأشار شكرى فى هذا الصدد إلى اتفاقية السلام "كامب ديفيد" وما تتضمنه من آليات للتعامل مع أى مخالفات أو انتهاكات، وحمّل فى كلمته إسرائيل مسئولية إغلاق معبر رفح من الجانب الفلسطينى داعيا إلى إعادة فتحه وإلزام إسرائيل كدولة احتلال بأن توفر المساعدات لغزة، وشدد على أن مصر لا تقبل بأى عملية نزوح للفلسطينيين أو تهجير من أراضيهم.
ومثّل الموقف المصرى ضربة لأحلام نتانياهو الذى تتصاعد تحذيرات المقربين له من التمادى فى التهور، وحذرته صحيفة "يديعوت أحرنوت"، إذ نقلت عن مسئول إسرائيلى كبير قوله: "إن هذا أمر لم يحدث فى الماضى فى العلاقات مع مصر هذه خطوة صعبة، مصر ستواصل الضغط سياسيا، وتبين لنا أنها لا تملك الصبر أو القدرة على الاستمرار، أمر محزن للغاية ومقلق للغاية".
ودفع هذا، يعكوف بيرى رئيس جهاز الشاباك السابق للوم حكومة نتانياهو قائلا لـ"يديعوت أحرونوت": "لا أتذكر أن إسرائيل مرت بظرف محبط ويائس كالذى تمر به الآن".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
د. جمال زحالقة: إسرائيل تخطط لترحيل أهالى الضفة الغربية إلى الأردن.. والموقف المصرى أفشل تهجير سكان غزة ديمترى دليانى: إسرائيل...
أبعاد الصراع بين إثيوبيا والصومال بالبحــر الأحمر فى هذا التوقيت
الأقمار الصناعية رصدت الكارثة
محاكمة المتورطين فى أزمة الدواجن جنائياً.. خطوة على الطريق