فى العاشر من رمضان من العام الهجرى 1393 ـ الموافق السادس من أكتوبر 1973، انتصرت عقيدة العمل والإيمان بالله،
على عقيدة الغطرسة والتكبروالإجرام الصهيونى المدعوم من أوربا وأمريكا، واستطاع الجنود المصريون أو"العساكر الفلاحين " رد "الكرامة الوطنية " المفقودة، ورد الهيبة للجيش المصرى العظيم بعد هزيمة يوم الخامس من يونيو 1967، وأصبحت قيادة الجيش الوطنى مرفوعة الرأس، وانتزعت قواتنا الباسلة احترام العالم، بعد أن استطاعت كسر أنف جيش إسرائيل الذى كان يعيش "وهم القوة" بعد انتصاره السريع فى حرب يونيو..
فرحة قومية
من المهم أن أقول فى البداية إن مرور أكثر من نصف قرن من الزمان على حرب العبور المجيدة، لايعنى نسيانها، فهى من تاريخ هذا الشعب، ومازال الجنود الذين صنعوا مجدها ومنحوها قوتها، يعيشون فى القرى والنجوع، فلو افترضنا أن الجندى الذى حمل روحه على كفه وعبرالقناة كان عمره وقت اللحاق بالجيش عشرين سنة، فهو فى الوقت الحالى له من العمر سبعون سنة، والقصد هنا القول إن "حرب العبور" هى الحرب التى اشترك فيها المصريون، والعرب جميعا، لأن مصرهى قلب العروبة، سياسياً وثقافياً وجغرافياً، وكان "الوطن العربى " حقيقة فى تلك الفترة، فالشعار الذى رفعته "العسكرية المصرية" آنذاك هو "قومية المعركة"، ومن المعروف أن الجزائر والمغرب وتونس وليبيا والسودان والسعودية والعراق، شاركت فى المعارك بالرجال والمال والدعم السياسى، وامتنعت الدول العربية المنتجة للبترول عن توريد البترول إلى أوروبا وأمريكا، فكان هذا السلاح فعالا فى المسار السياسى الدولى، وكان ضاغطا على حكومات الغرب، ومن المهم ومن باب الأمانة التاريخية الاعتراف بالدور الذى قام به "الاتحاد السوفييتى " ـ وهو القوة العظمى التى كانت تدعم الحق العربى فى مواجهة أمريكا وإسرائيل وأوربا ـ وهو الذى منحنا الصواريخ والطائرات والدبابات، ومنحنا الخبرة العسكرية، من خلال سبعة آلاف خبير عسكرى، كانوا يعلمون جنودنا التعامل مع السلاح الروسى، وهو السلاح الذى استطاع أن يظهر قوة الجندى المصرى، فالسلاح الأمريكى المتقدم الذى كان فى أيدى جيش إسرائيل، لم يجد الجندى الإسرائيلى "الشجاع " ففقد تفوقه فى المعارك، وكانت الدعاية الإسرائيلية طوال سنوات ممتدة من العام 1967 حتى 1973 تروج لدعاية تقول فيها إن الجندى المصرى تنقصه الشجاعة، وهذه كذبة صهيونية، دحضتها معارك "أكتوبر1973" وهى المعارك التى كان البطل فيها هو "الجندى المصرى " بما أوتى من قوة وشجاعة وإيمان بالله، واستعداد عالٍ للتضحية فى سبيل الوطن،وكان "عبدالعاطى " و"محمدالمصرى " وغيرهما من "عساكر الفلاحين " الذين تغنى بقوتهم "أحمد فؤاد نجم" عبرحنجرة الفنانة الرائعة " سعادحسنى"، وكانت أغنية صادقة "دولا مين ودولا مين، دولا عساكر مصريين" دولامين ودولامين دولا ولاد الفلاحين حتى تصل إلى ذروة الصدق وهى تصفهم "دولا خلاصة مصر ياولدى" وكان هؤلاء الرجال الشجعان "خلاصة مصر" الذين ادخرتهم وجمعتهم من كل كفر ونجع وعزبة وحارة وقرية ومدينة صغيرة،لتثأر لكرامتها وتسترد أرضها التى فقدتها فى لحظة إهمال وفساد، دفعنا ثمنها فادحًا وغاليًا، لكن بفضل هؤلاء"العساكر الفلاحين " استرد "العرب " جميعا، وحدتهم ووزنهم السياسى فى المجتمع الدولى، وليست مصادفة أن يكون "النصر" ثمرة عمل وإيمان وتدبير وتخطيط علمى اتبعته "مصر" وكان من ضمن هذا التخطيط، وضع خطة خداع استراتيجى للعدو الإسرائيلى، شهد العالم كله بتفوقها وهى التى حققت عنصر"المفاجأة " ومنحت الجيوش العربية المجال للتعبيرعن قوتها وخبراتها فى الميدان .
خداع استراتيجى
كان الدرس الأول الذى عرفناه فى المدارس فى معنى "الحرب والخديعة " قائله الصحابى الجليل "سلمان الفارسى "، فى غزوة بدر" عندما أشارعلى النبى عليه الصلاة والسلام بجعل بئر "بدر" داخل نطاق سيطرة المسلمين، وبرر رؤيته بقوله "فنشرب ولا يشربون" والماء الذى خلق الله منه كل شىء حى، لاغنى عنه فى وقت القتال، ولم يطلق "سلمان الفارسى " رأيه إلا بعد أن سأل النبى " صلى الله عليه وسلم "حول "الوحى " و"الحرب " فعرف أنها الحرب، التى تستوعب الاجتهاد البشرى وأن الوحى لم يأمر النبى بترك "البئر"، وكان جواب النبى الأعظم "بل هى الحرب والخديعة " واستحوذ المسلمون على الماء، واجتهدوا وبذلوا كل طاقتهم وأرسل الله ملائكته ومدده للمسلمين، وتحقق النصر، فى "غزوة بدر الكبرى " بالعمل والإيمان، وكانت "حرب العبور" فى العصر الحديث، حربا بين "الحق " و"الباطل"، نحن أصحاب الحق المسلوب والأرض المحتلة، وهم "اللصوص" الذين اغتصبوا الأرض وقتلوا الأطفال وبقروا بطون النساء فى "ديرياسين " وقرى فلسطين فى العام 1948، وسرقوا كل شىء، فكان ـ الله عزوجل ـ معنا، لأننا التزمنا قانونه "إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا"، وكان من العمل الحسن الذى اتبعه رجال العسكرية المصرية وضع خطة خداع ناجحة، كان من عناصرها تحويل العادى إلى مدهش، مثل بناء نماذج شبيهة بنقاط خط بارليف فى غرب البلاد ـ الصحراء الغربية ـ وهو الأمر الذى منح جنودنا فرصة التدريب على اقتحام هذا الخط الذى كان "موشيه ديان " وغيره من قادة جيش العدو، يبالغون فى أهميته وتحصينه واستطاع واضعو خطة الخداع، تمويه النماذج المشابهة لنقاط هذا الخط، حتى لا تلتقط الأقمار الصناعية الأمريكية صورا له وتمنحها لإسرائيل، ومن إجراءات خطة الخداع التى تمت لتغطية عمليات نقل الدبابات والمعدات، نقل ورش إصلاح الدبابات إلى الخطوط الأمامية، وبذلك يصبح تحريك أرتال الدبابات نحو الجبهة منطقياً، فالجاسوس التابع للعدو، سوف يظن أنها دبابات معطوبة فى طريقها لورش الإصلاح، وكانت خطة الخداع مقسمة لأبواب وأقسام، منها ما تم تنفيذه بمعرفة القيادة العامة للقوات المسلحة، وما تم تنفيذه بواسطة رؤساء تحرير الصحف، وكان لرئيس الجمهورية دوره فى خطة الخداع، وكذلك وزير الحربية، والجنود أنفسهم وقادة الوحدات العسكرية الموجودة على الضفة الغربية لقناة السويس، ومن أهم أبواب هذه الخطة الناجحة، اختيار يوم العبور، يوم "كيبور" أو "يوم الغفران " فى الديانة اليهودية، وهو يوم يحرم فيه العمل، حتى الإذاعة والتليفزيون لا تعمل فى هذا اليوم، وكذلك الجيش، وكل قطاعات الحكومة والمرافق، ولكن كى تنجح خطة الخداع فى تحقيق "المفاجأة " كانت هناك ممارسات جعلت العدو يستبعد قيام مصر أو سوريا بالهجوم عليه، مثل إعلان رفع حالة الاستعداد، ثم العودة إلى الحالة العادية، وتكرار هذا الأمر، جعل إسرائيل تعتبرتحرك القوات ـ فى العاشر من رمضان ـ تدريبا عاديا، ولايعنى دخول الجيش المصرى حالة القتال، وفيما يخص تحريك القطع البحرية المصرية نحو"باب المندب" كانت خطة الخداع شديدة البراعة، جعلت القطع المصرية تتحرك نحو ميناء فى باكستان، ونحو الصومال، ثم عادت هذه القطع إلى ميناء "عدن " اليمنى، وفى مساء الخامس من أكتوبر 1973 تلقت هذه القطع أوامر بالتوجه نحو مواقع محددة لها عند مضيق باب المندب، تسمح لها برصد حركة السفن فى البحر الأحمر، ومنع سفن إسرائيل من المرور.
وكانت درة التاج، وواسطة العقد، فى خطة الخداع،استخدام "اللغة النوبية" فى الإشارات العسكرية، وهى لغة لا تفهمها مخابرات إسرائيل أو فرنسا أو أمريكا، لأنها لغة شفاهية، لا قاموس لها، وكان "الصول أحمد إدريس" النوبى الوطنى المحترم، هو صاحب اقتراح استخدام اللغة فى التخاطب بين القيادات والقوات المسلحة، وعظمة هذا الاقتراح تساوى عظمة اقتراح الضابط المهندس "زكى باقى " باستخدام خراطيم المياه لإزاحة الساتر الترابى الذى أقامته إسرائيل فوق شاطئ قناة السويس الشرقى لمنع قواتنا من دخول سيناء، وهو ضمن "خط بارليف " الذى جمعت فيه كل الموانع وكل الوسائل التى تحول دون عبور قواتنا إلى سيناء، ولكن العمل والإيمان، جعل كل "الوهم الإسرائيلى " يتبدد، والقوة العربية تسيطر، وروح الأمة العربية تعبر عن جوهرها النقى .
حرب المعلومات
الفارق بين "الفريق محمد فوزى " والقيادة العسكرية التى أوقعتنا فى "هزيمة 5 يونيو" هو العلم والمعرفة، كان الرجل خبيرا عسكريا، وكان صاحب تجربة فى ميادين القتال منذ حرب "العلمين " ثم "حرب فلسطين " وكان تخصصه "سلاح المدفعية " يتيح له متابعة تطور التصنيع العسكرى، وكان يعرف أن الجندى "المثقف" يستطيع استيعاب الأسلحة الحديثة ويستطيع التعامل معها وتحقيق أفضل النتائج فى الميدان، وكان المتبع قبل تولى الفريق فوزى منصب وزير الحربية، عدم تجنيد المتعلمين، والاكتفاء بتجنيد الأميين والمتسربين من التعليم، بحجة أن المتعلمين وجودهم فى الوحدات العسكرية يهدد الأمن الحربى والقومى ..
وفى حرب الاستنزاف، تعلم الجندى المصرى القتال وفق الخطط العسكرية الحديثة، وانضم المتعلمون لصفوف الجيش المصرى، وأصبح من بينهم "ضباط " يدرسون فى كلية الضباط الاحتياط، وبرزت مواهب المتعلمين فى سرعة تنفيذ المهام القتالية، وكانت المخابرات العامة والمخابرات الحربية، تنقل المعلومات عن العدو وتحركاته وأسلحته، وتقدمها للقيادة العسكرية والقيادة السياسية، وتقوم بحرب ضد شبكات التجسس، التى يزرعها العدو فى المجتمع المصرى، ولعل أخطر شبكة تجسس تم القبض على عناصرها، الشبكة التى كانت تقودها الجاسوسة "هبة سليم " وكان متورطا فيها "فاروق الفقى " الذى كان يعمل فى موقع دقيق ومهم وكان يسرب المعلومات إلى "هبة " وهى بدورها تنقلها إلى العدو الإسرائيلى، واستطاعت المخابرات المصرية السيطرة على هذه الشبكة والقبض على عناصرها قبل يوم "العاشر من رمضان "، وكذلك الشبكة التى كانت تضم "ابراهيم شاهين وزوجته انشراح" وبالتالى حققت القيادة السياسية والعسكرية أهم شرط للنصر فى الحرب الحديثة، وهو"المعلومات " فحرمت العدو من معرفة المعلومات المهمة عن قواتنا المسلحة، وفى الوقت ذاته زرعت عناصر فى قلب المجتمع والجيش الإسرائيلى وحصلت على معلومات مهمة عن قوات العدو واستعداداته وأزماته، وقدمت الدراما التليفزيونية المصرية والسينما قصص هذه الشبكات فى أعمال منها " رأفت الهجان " و"الصعود إلى الهاوية " و" السقوط فى بئر سبع " و"دموع فى عيون وقحة" و"الثعلب" وحققت هذه الأعمال مشاهدات مرتفعة، وحقق نجومها شهرة لدى الشعب العربى من المحيط إلى الخليج.
رمضان والمعركة
من المعروف لدى الناس أن "شهر رمضان " شهرعبادة وانقطاع للصلاة وقراءة القرآن، ولكن التاريخ يخبرنا بأنه الشهر الذى حقق فيه المسلمون النصر على العدو، مهما اختلف اسمه من عصر إلى عصر، فالمسلمون الأوائل انتصروا على كفار "قريش" فى شهررمضان، وفتح مكة، كان أيضا فى رمضان، وهو اليوم الذى انتصرت فيه دعوة الحق على قوى الباطل والكفر والشرك، وفى العصور الوسطى كانت موقعة "حطين " بقيادة القائد المجاهد "صلاح الدين الأيوبى، وتحرر"بيت المقدس " ـ بفضل هذه المعركة ـ من قبضة الصليبيين، وكانت فى عصرالمماليك معركة "عين جالوت " بقيادة "سيف الدين قطز" وفيها انتصرالعرب المسلمون على "المغول " ودحروهم دحرا، وهم شعب "همجى دموى" أسقط الخلافة العباسية فى "بغداد" وقتل آلاف الناس، ولكن "عين جالوت " كانت معركة فاصلة، خاضها المسلمون صائمين وانتصروا، وفى عصر الخلفاء الراشدين وصحابة الرسول الكريم، حارب المسلمون فى معركة " القادسية " تحت قيادة الصحابى الجليل " سعد بن أبى وقاص" وهزموا الفرس، وكل هذا التاريخ استفادت منه القيادة العسكرية للجيش المصرى، وجعلت من "رمضان " شهر عمل وجهاد وقتال، ورغم أن شيوخ الأزهر، أفتوا بإباحة الفطر فى وقت الحرب، إلا أن الجنود المصريين والقادة، حاربوا صائمين، وكان الصوم هو الذى منحهم الطاقة الروحية التى حببت إليهم الاستشهاد فى سبيل الله، وكانت صيحة "الله أكبر" دعمًا روحياً، وحدت بين الجنود المسلمين وأشقائهم المسيحيين، فالمسيحى والمسلم يعبدان الله الذى هو أكبر من قوى الكفر والعدوان، وهذا ما لم تفهمه المخابرات الإسرائيلية والأمريكية، التى تصورت أن خوض الحرب فى رمضان لا يرد على بال ولا يطرأ على عقول العسكريين المصريين والعرب عموما، وكان "العاشر من رمضان " هو المفاجأة الكبرى، والمفاجأة الأكبر كانت فى وقت القتال، فالمعتاد أن تبدأ المعارك فى الليل أو الصبح، لكن "حرب العبور" بدأت فى منتصف النهار، قبل "العصر " بقليل، وهو الوقت الذى يشعر فيه الصائمون بالرغبة فى النوم، ولكن العقيدة والعزيمة والإيمان الراسخ فى قلوب جنودنا على الجبهة المصرية، والجبهة السورية جعلت "العاشر من رمضان " يوم جهاد وقوة ونصر، وفيه تحقق حلم الأمة العربية، فعبرت من الهزيمة إلى النصر، وانكسرت شوكة الجيش الإسرائيلى الذى كان يسمى نفسه، زورًا وكذبًا ـ الجيش الذى لايقهر!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...
شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...
السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...
الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...