تفاصيل الخطة الهجومية المصرية «شامل».. وملحمة القضاء على الثغرة

يرحل الأبطال وتبقى سيرتهم العسكرية ومآثرهم الأخلاقية.. تبقى أيضا صورهم وأوراقهم الشخصية لتذكرنا بما تركوه لنا من حكمة خالدة وميراث عظيم.

 

واحد من هؤلاء هو اللواء أركان حرب سمير اسماعيل بركات، الذى خاض حرب أكتوبر كأحد ضباط العمليات بالجيش الثالث الميدانى، ثم عاد بعد سنوات ليثرى المكتبة الوطنية من موقعه كأستاذ للاستراتيجية بكلية الحرب العليا بأكاديمية ناصر العسكرية العليا.

وبين أيدينا الآن فصل مما سجله عن إحدى حلقات القتال الضارى والتى أوردها ضمن مخطوط كتابه "حرب أكتوبر بين الحقيقة والمعجزة".. عن الخطة الهجومية "شامل" لتصفية الثغرة يتحدث اللواء بركات.. وعن الجيل الذى حقق المستحيل نواصل الكشف عن أسرار أعظم انتصار مصرى فى العصر الحديث.

وإذ رحل البطل اللواء سمير بركات عن دنيانا قبل سنوات، فقد أهدانا نسخة مما كتب، وكان لزاماً علينا أن نواصل النشر لتعرف الأجيال كيف أمكن لهؤلاء الرجال أن يضربوا لنا المثل فى معنى العطاء، وأن يعبروا بمصر ذلك الجسر الفاصل ما بين اليأس والرجاء.

فى البداية يتحدث اللواء سمير بركات عن الفترة التى أعقبت انتصار مصر وصولا لوقف إطلاق النيران بقوله: رغم وصول ضباط هيئة الرقابة الدولية ظهر يوم 24 أكتوبر 1973 إلى قيادة الجيش الثالث الميداني، وبدء تحرك عرباتهم فى دوريات نشطة لمراقبة تطبيق قرار وقف إطلاق النار بين القوات المصرية والإسرائيلية غرب قناة السويس وحول مدينة السويس المحاصرة، إلا أن إطلاق النار إستمر بين قوات الجانبين حتى صباح يوم 28 أكتوبر 1973 حيث أعلنت قيادة قوات الأمم المتحدة بالقاهرة الساعة 1100 يوم 28 أكتوبر 1973 توقف جميع أعمال القتال بين الجانبين، وتوقف إطلاق النار على إمتداد الجبهة المصرية شرق وغرب قناة السويس.

وبعد 48 ساعة فقط (يومين) عاد الفريق أول/ أحمد إسماعيل على وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة وأصدر أوامره ببدء تنفيذ حرب إستنزاف جديدة ضد القوات الإسرائيلية شرق وغرب قناة السويس إعتباراً من 31 أكتوبر 1973، وكانت حرب استنزاف غير معلنة من جانب مصر، إكتفاء بما كانت تعلنه بلاغات العدو عن الاشتباكات وتقارير قيادة قوات الأمم المتحدة.

 أهداف القيادة العامة المصرية من حرب الاستنزاف الجديدة

واستمراراً من القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية من حرب أكتوبر 1973، كان البدء فى حرب الاستنزاف ضد القوات الإسرائيلية يهدف إلى تحقيق الآتي:

‌- إحداث أكبر خسائر فى العدو فى قواته البشرية وأسلحته ومعداته وأن تصبح قواته غرب القناة وفى منطقة الثغرة فى موقف غير محتمل وأن تدفع ثمناً باهظاً من حياة جنودها ومعداتهم العسكرية لتواجدها غرب القناة.

- إجبار العدو على إستمرار التعبئة العامة فى قواته المسلحة لأطول فترة ممكنة وهو الأمر الذى يدمر إقتصاده ولا يمكنه تحمله لفترة طويلة.

‌- تدمير دفاعات العدو خاصة غرب القناة وإجباره على بذل جهود عسكرية أكبر لتأمين قواته، بحيث يسهل على القوات المصرية القضاء عليها عند تنفيذ خطة تدمير التواجد الإسرائيلى غرب قناة السويس.

‌- تعديل أوضاع قواتنا وتحسين مواقعها شرق وغرب قناة السويس.. وكانت القوات المصرية قد أتمت خلال الأيام الأخيرة من شهر أكتوبر 1973 تدعيم القوات المحيطة بمنطقة الثغرة الإسرائيلية غرب القناة بمزيد من القوات المدرعة والمضادة للدبابات بحيث أصبح من المستحيل على القوات الإسرائيلية تنفيذ أى محاولات جديدة لتوسيع الثغرة أو لاقتحام مدينة السويس.

 حجم الأعمال القتالية المصرية:

بلغ عدد العمليات العسكرية التى قامت بها القوات المصرية ضد العدو الإسرائيلى فى الفترة من 31/10/1973 إلى 16/1/1974 حوالى 1500 إشتباك بالنيران أو عملية عسكرية وذلك بمتوسط 20 عملية عسكرية يومياً، كما بلغ عدد الاشتباكات الكبيرة التى استخدمت فيها نيران المدفعية والصواريخ والدبابات 439 اشتباك.

ولم تكن حرب الاستنزاف الجديدة قاصرة على القوات البرية فقط، بل تدخلت القوات الجوية وقوات الدفاع الجوى المصرية فيها، وكذلك القوات البحرية خاصة فى مياه خليج السويس.

 خسائر العدو خلال حرب الاستنزاف الجديدة:

أسفرت عمليات حرب الاستنزاف المصرية ضد القوات الإسرائيلية غرب قناة السويس فقط طبقاً لبلاغات قيادة قوات الأمم المتحدة وبلاغات المتحدث العسكرى الإسرائيلى نفسه عن الخسائر التالية:

11 طائرة عسكرية أنواع مختلفة.

41 دبابة قتال وعربة مجنزرة.

10 رشاش ثقيل عيار 0.5 بوصة.

‌36 مُعِدَّة هندسية كبيرة (بلدوزر + قصابية + حفار خنادق)

‌إصابة ناقلة البترول سرينيا بالقرب من الشاطئ الشرقى لخليج السويس.

‌إغراق زورق إنزال بحرى إسرائيلي.

‌قتل 178 مقاتلاً للعدو ما بين ضابط وجندي.

‌عدد كبير من الجرحى والمعدات المصابة والمعطلة.

 حرب الألغام والخنادق المضادة للدبابات:

خلال فترة حرب الاستنزاف من جانب القوات المصرية، ونظراً لخطورة موقف القوات الإسرائيلية غرب القناة وخاصة حول مدنية السويس، ونظراً لعلم القيادة الإسرائيلية بالاستعدادات المصرية وحشدها القوات من أجل تدمير القوات الإسرائيلية غرب قناة السويس، قامت إسرائيل برص حوالى 750000 لغم ما بين مضاد للدبابات ومضاد للأفراد على امتداد الدفاعات الإسرائيلية غرب القناة، وكانت غالبيتها دفاعات هشة من شكاير الرمال، كما قامت بحفر خندق مضاد للدبابات فى منطقة وادى العشرة غرب أبو سلطان وسرابيوم لوقاية أضعف نقطة فى الثغرة الإسرائيلية غرب القناة وهى عنق الثغرة.

وقد تمكنت قوات سلاح المهندسين من إزالة جميع تلك الألغام عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من غرب القناة طبقاً لاتفاقية فصل القوات ويقدر ثمن تلك الألغام بحوالى خمسة ملايين جنيه مصري، وكانت جميعها بحالة جيدة وأعادت القوات المصرية إستخدام بعض تلك الألغام مرة أخرى لتأمين الدفاعات المصرية شرق قناة السويس.

 المعبر البرى الإسرائيلي:

نتيجة تدخل المدفعية والصواريخ المصرية ضد معبريّ الكبارى العائمة الإسرائيلية فى منطقة الدفرسوار، وتدمير نسبة كبيرة من الوحدات العائمة لتلك الكبارى بشكل مستمر شكل إستنزافاً مصرياً لقدرات إسرائيل فى هذا المجال، شرعت إسرائيل فور توقف أعمال القتال قبيل ظهر يوم 28 أكتوبر 1973 فى إنشاء معبر برى كامل (سد صناعي) بين ضفتى قناة السويس بإستخدام كمية كبيرة من مواسير حديدية خاصة بهيئة قناة السويس كانت مشونة شرق القناة منذ عدوان يونيو 1967 واستخدمت الكتل الخرسانية المسلحة التى تستخدم فى تكسية جوانب قناة السويس فى بناء هذا السد الصناعى ليكون معبراً لقواتها بدلاً من الكبارى العائمة التى تعرضت لأعمال التخريب من جانب قوات الصاعقة المصرية بالإضافة لقصف المدفعية والصواريخ وقصف الطائرات المصرية.. وقد نجح الطيران المصرى من إصابة الكبارى العائمة الاسرائيلية ثلاثة مرات، ونجحت الصواريخ أرض/ أرض بعيدة المدى من إصابة وتدمير أحد الكوبريين مرة رابعة وذلك خلال الفترة من 16/ 10 – 22/ 10/ 1973

واستخدمت قوات المهندسين بالجيش الإسرائيلى كل ما عثرت عليه فى المنطقة من صنادل بحرية قديمة وكثير من مخلفات هيئة القناة، فضلاً عن تلك الكتل الخرسانية التى تزن الواحدة ما بين 5-10 أطنان، لإقامة ذلك السد الصناعى عبر ضفتى القناة وأضافت إليه كميات كبيرة من الرمال والأتربة، حيث بلغ إجمالى المواد المستخدمة فى إنشاء السد حوالى 300,000 متر مكعب وبلغ طوله حوالى 220 متراً، وعرضه عند القاع حوالى 50 متراً واتساع سطحه حوالى عشرة أمتار، بينما بلغ العمق من قاع القناة وحتى سطح الماء حوالى 11.5 متراً خلال فترات المد.

 الخطة "شامل"

عقب صدور قرار وقف إطلاق النار يوم 22 أكتوبر 1973 شرعت القيادة العسكرية المصرية فى الإعداد والتخطيط لعملية عسكرية هجومية شاملة تهدف إلى مهاجمة القوات الإسرائيلية غرب قناة السويس وحول مدينة السويس والعمل على تجزئة تجميعها الرئيسى ثم تدميرها تماماً، وتصفية التواجد الإسرائيلى غرب قناة السويس.

وفى إطار تلك الخطة تم حشد قوات جديدة من إحتياطيات القيادة العامة للقوات المسلحة من المشاة الميكانيكية والمدرعات والمدفعية والصواريخ أرض/ أرض وقوات الأبرار الجوى والصاعقة وقوات الدفاع الجوي،  بالإضافة إلى قوات الأنساق الثانية والاحتياطيات لكل من الجيش الثانى والثالث وبالتعاون مع القوات الجوية والبحرية وباقى عناصر القوات المسلحة الأخرى.. وقد تمت مناقشة تفاصيل الخطة وصدق عليها القائد العام للقوات المسلحة وأعطيت الأسم الرمزى (الكودي) "شامل"

ونظراً لأن انتشار القوات الإسرائيلية غرب القناة قد اشتمل على أراضى من نطاق مسئولية الجيش الثانى الميدانى وأغلبية القوات الإسرائيلية تتمركز داخل نطاق مسئولية الجيش الثالث الميداني، فقد رأت القيادة العامة للقوات المسلحة تعيين قيادة خاصة تكون مسئولة عن تنفيذ تلك الخطة الهجومية بعيداً عن قيادة الجيوش الميدانية وقيادة قوات بدر داخل رأس كوبرى الجيش الثالث شرق قناة السويس.

اختار الفريق أول/ أحمد إسماعيل على القائد العام للقوات المسلحة اللواء أ.ح/ محمد سعد الدين مأمون مساعد وزير الحربية لتلك المهمة إعتباراً من مساء يوم 12 ديسمبر 1973، حيث كانت الخطة جاهزة والقوات قد تم تمركزها فى أوضاعها النسبية فى صالح الخطة شامل، وبدأ التدريب فى القيادات المختلفة على تنفيذ الخطة بكل احتمالاتها وتفاصيلها.

وفى يوم 24 ديسمبر 1973 عرض القائد العام الخطة "شامل" على الرئيس أنور السادات وذلك من خلال اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية وذلك فى استراحة القناطر الخيرية شمال القاهرة، فأقر الرئيس الخطة وصدق عليها، وتركت عملية تحديد توقيت تنفيذها لشخص القائد الأعلى، باعتبار ذلك يرتبط بالموقف العالمى والسياسى وكذلك مع موقف الدول العربية بعد قرار حظر البترول عن الولايات المتحدة وهولندا والدول الحليفة لإسرائيل عسكرياً.

وعن بعض تفاصيل الخطة الهجومية "شامل" قال اللواء أ.ح/ محمد سعد الدين مأمون مساعد وزير الحربية وهو القائد المعين لتنفيذها:

 كانت الخطة تعتمد على الآتي:

تقدير حقيقى وسليم لقدرات العدو (إمكانياته القتالية)

‌تحديد سليم لنقاط القوة للعدو.

‌تحديد سليم لنقاط الضعف لدى العدو الإسرائيلي.

لقد كان العدو الإسرائيلى فى مصيدة، وكان عَلىَّ أن أزيد من إحساسه بأنه فى مصيدة وكانت قواته تتخذ مواقع دفاعية وليست هجومية، وكان يدافع وهو فى حالة نفسية ومعنوية سيئة ويبدو قلقة الزائد فى جميع تصرفاته، حتى أوضاعه الدفاعية كانت تعبر عن الفزع الشديد.

وكان شعارى أن نلقن العدو الإسرائيلى درساً جديداً .. أقسى من درس اقتحام قناة السويس، وتحطيم حصون خط بارليف.. لقد كانت القوات المصرية التى خصصت لتصفية التواجد الإسرائيلى غرب القناة تحقق تفوقاً عددياً وفعلياً ساحقاً ضد القوات الإسرائيلية المحاصرة داخل الجيب فى الضفة الغربية:

كانت نسبة التفوق فى الدبابات 2 : 1 لصالح قواتنا المصرية

كانت نسبة التفوق فى المشاة 5 : 1 لصالح قواتنا المصرية

كانت نسبة التفوق فى المدفعية 4 : 1 لصالح قواتنا المصرية.

وكانت نسبة التفوق فى القطع (المدافع والصواريخ) المضادة للدبابات 2 : 1 لصالح قواتنا وبالإضافة إلى ذلك كانت غالبية الأرض التى يحتلها العدو الإسرائيلى غرب قناة السويس مغطاة بنيران كتائب الصواريخ أرض/ جو للدفاع الجوى المصرى بعد تعديل أوضاعها الجديدة الأمر الذى يحرم العدو من حرية إستخدام طيرانه فى دعم العملية القادمة، ويحقق ذلك التعاون التام بين الدفاع الجوى المصرى والقوات الجوية أفضل الظروف لتدمير المدرعات الإسرائيلية غرب القناة.

وفى النهاية كان القائد العام للقوات المسلحة يحتفظ لديه بقوات أخرى ذات حجم ضخم ومؤثر كاحتياطى للقيادة العامة للقوات المسلحة جاهزة لحسم أى اختلال فى ميزان القوة العسكرية إذا أقدمت إسرائيل تحت أى من الظروف لتدعيم قواتها غرب القناة بعناصر جديدة.

 ويبقى السؤال.. لماذا لم تنفذ القوات المصرية الخطة "شامل" ؟

- اعتباراً من يوم 18 ديسمبر 1973 كانت القوات المسلحة المصرية - شرق وغرب قناة السويس - جاهزة لتنفيذ الخطة الهجومية "شامل" لتصفية التواجد الإسرائيلى غرب قناة السويس، ولم يكن الأمر ينتظر سوى قرار القائد الأعلى للقوات المسلحة الرئيس/ السادات، لقد كانت الخطة مُحْكَمة ومؤكدة تماماً – وحسب التعبير العسكرى كانت مُدَقَّقَةْ – وكانت نسبة التفوق المصرى فيها تحقق إنجازها كالآتي:

- القيام بقفل عنق الثغرة عند منطقة الدفرسوار ومدخل البحيرة المرة الكبرى الشمالى فور بدء تنفيذ العملية "شامل" مع تدمير جميع وسائل العبور والكبارى العائمة وتخريب السد الصناعى المستخدم كمعبر برى بين سيناء وغرب القناة لمنع إمكانية إستخدامه فى انسحاب أى دبابات أو مركبات أخرى عليه.

‌- يتم فتح الطريق من منطقة كم 101 طريق القاهرة – السويس إلى مدينة السويس خلال مدة من 24-48 ساعة على أقصى تقدير.

‌- القيام بتجزئة القوة الرئيسية الإسرائيلية غرب القناة إلى ثلاثة مجموعات يتم حصارها وتدميرها بالهجمات والنيران الشديدة من الطيران والمدفعية والصواريخ المصرية بحيث يتم إبادتها أو إستسلامها خلال مدة من 48 -72  ساعة (من يومين إلى ثلاثة) من توقيت بدء العملية.

- يتم استعادة الأوضاع غرب قناة السويس بعد تصفية التواجد الإسرائيلى إلى الأوضاع السابقة ليوم 15 أكتوبر 1973 مع تأمين الضفة الغربية للقناة بأسلوب آخر جديد.

وكان معنى تنفيذ الخطة "شامل" هو تدمير حوالى 80% من القوات الإسرائيلية الموجودة غرب القناة والتى قدرت فى توقيت تمام إستعداد الخطة بالآتي:

- لواء مدرع إسرائيلى بإجمالى حوالى 400 - 450 دبابة قتال أنواع مختلفة.

- لواء مشاة ميكانيكى ولواء مظلى إسرائيلى محملين على حوالى 150 ناقلة جند مدرعة م-113، نصف جنزير.

- حوالى 100 قطعة مدفعية ميدان ومدفعية متوسطة غالبتها ذاتية الحركة أى على شاسية دبابة.

- أما بالنسبة للأفراد من القوات الإسرائيلية، فإن أقل تقدير لعدد القتلى والجرحى كان سيتراوح ما بين 15000 – 20000 مقاتل.

لكن حقيقة الأمر لم يكن يتوقف على قدرات كل من مصر وإسرائيل عسكرياً وقدارتهما على مواجهة عسكرية جديدة بعد قرار وقف إطلاق النار على جبهتى قناة السويس والجولان، بل كان يمتد إلى آفاق أبعد من ذلك كثيراً، إذ كان سيمتد إلى توازن القوى العسكرية بين القوتين العظميين ومدى ما يسمح به كل طرف من انتصارات محدودة للطرف الآخر أو الدولة الصديقة أو الحليفة له، وهذا ما يجعل الأمر لا يتعلق فقط بأطراف الصراع الفعلي/ العسكري، ولكن يخرج إلى آفاق صراع أكبر لا يمكن حساب نتائجه بدقة.

وعن هذا المعنى كان د. هنرى كيسنجر واضحاً فى شرحه للأمر عندما زار القاهرة لأول مرة يوم 6 نوفمبر 1973 عقب وقف القتال الفعلى على الجبهة المصرية، حيث قال: 

"هناك اعتبار آخر أرجوك أن تصنعه فى اعتبارك، ولست مستعداً لأن أخدعك فيه أيضاً، وهذا الاعتبار ببساطة هو أن الولايت المتحدة لا تستطيع اليوم ولا غداً أن تسمح للسلاح السوفيتى بأن يحقق انتصاراً كبيراً - حتى إذا لم يكن انتصاراً حاسماً - ضد السلاح الأمريكى .. هذه مسألة لا علاقة لها بكم ولا علاقة لها بإسرائيل .. هذه مسألة تتصل مباشرة بتوازن القوة بين الدولتين العظمتين"

وهذا ما حدث تماماً، فالولايات المتحدة لديها أقمار صناعية عديدة لأغراض التجسس العسكري، وبالقطع قدمت تلك الأقمار لحكومة واشنطن صورة صادقة عن مدى الحشد العسكرى المصرى حول منطقة الثغرة وقوات الجنرال/ شارون غرب قناة السويس.

وطبعاً كان تقدير الخبراء العسكريين فى وزارة الدفاع الأمريكية بعد دراسة تلك الصور الجوية أن نسبة عالية من الخسائر البشرية وفى المعدات سوف تلحق بقوات شارون غرب قناة السويس عندما تشن القوات المصرية الهجوم ضدها، وحيث أن غالبية الأسلحة الموجودة لدى القوات الإسرائيلية هى أسلحة أمريكية جاء بعض منها خلال الجسر الجوى الأمريكى لدعم إسرائيل عسكرياً اعتباراً من التاسع من أكتوبر 1973، بينما غالبية السلاح الموجود فى يد القوات المصرية هو سلاح سوفيتى الصنع أو صناعة شرقية فى الدول الدائرة فى فلكه وهى دول حلف وارسو، فإن معنى ذلك هو سقوط السلاح الأمريكى أمام السلاح السوفيتى وهو ما لا تسمح به الولايات المتحدة الأمريكية كاستراتيجية عامة.

وكان الحل.. ضغط أمريكى شديد على إسرائيل من أجل الموافقة على انسحاب قواتها من الضفة الغربية لقناة السويس ضمن اتفاقية لفصل القوات المتحاربة وفض الاشتباك بينها بإقامة منطقة عازلة بينهما تعمل فيها القوات من الأمم المتحدة من دول محايدة من أمريكا اللاتينية وأفريقيا، وبشرط إعطاء الولايات المتحدة لإسرائيل ضمان سلامة قواتها خلال مراحل الانسحاب من الثغرة غرب قناة السويس، مع مزيد من الأسلحة والمعدات بخلاف ما تم خلال الجسر الجوى والبحري.

وطار هنرى كيسنجر يوم 10 يناير 1974 إلى أسوان حيث قابل الرئيس/ أنور السادات لمدة يومى 11، 12 يناير ثم طار إلى القدس وتل أبيب فى إسرائيل حيث قابل جولدا مائير رئيسة الوزراء والجنرال/ موشى ديان وزير الدفاع لمدة يومين ونصف 12، 13، 14 يناير ثم عاد إلى أسوان ومنها لإسرائيل فى رحلات مكوكية متكررة حتى إستطاع التوصل إلى الاتفاق الأول لفض الاشتباك والفصل بين القوات المصرية والإسرائيلية فى سيناء، (متضمناً انسحاب القوات الإسرائيلية من غرب قناة السويس) وتم توقيع الاتفاق فى القاهرة وتل أبيب يوم 17/1/1974

وخرج السلاح الأمريكى من المأزق الحرج، وأفلت الجنرال/ شارون من مصير محتوم وهزيمة نكراء مؤكدة وتدمير شديد وشبه تام لقواته التى عبرت خلف طموحاته وجنونه إلى الضفة الغربية لقناة السويس.

ورفعت خرائط الخطة الهجومية "شامل" ودخلت إلى الخزائن الحديدية من جديد، من أجل التاريخ العسكرى المصرى ناصع البياض الذى اعترفت فيه حكومة الولايات المتحدة بالتفوق فى الأداء العسكرى المصرى تخطيطاً وإعداداً وتنفيذاً.

 	محمد مسعد

محمد مسعد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

تفاصيل الخطة الإسرائيلية «ضم راكـض» لالتهام أراضى الضفة

د. جمال زحالقة: إسرائيل تخطط لترحيل أهالى الضفة الغربية إلى الأردن.. والموقف المصرى أفشل تهجير سكان غزة ديمترى دليانى: إسرائيل...

«أديس أبابا» تبحث عن منفذ بحرى.. وتطمع فى الأراضى الصومالية

أبعاد الصراع بين إثيوبيا والصومال بالبحــر الأحمر فى هذا التوقيت

سيناريوهات انهيار سد النهضة الإثيوبى وخططة مصر للمواجهة

الأقمار الصناعية رصدت الكارثة

بتوجيهات رئاسية.. المحاكم العسكرية تنتظر مافيا المتاجرين بقوت الشعب

محاكمة المتورطين فى أزمة الدواجن جنائياً.. خطوة على الطريق