تفاصيل ملحمة رفع العلم المصرى فوق أقوى حصون «بارليف»

من البطل حسنى سلامة إلى الكاتب الصحفى الراحل ابراهيم حجازى

"حسبى من تلك الحرب معينا لا ينضب من الذكريات.. يكفينى منها مواقف لا تٌنسى ورجال أبطال حملوا الأمانات الثقال، حتى إذا ما انتهت المعارك، وتفرقت بنا السبل، عدنا لنفتش فى خزانة أيامنا الأولى عن معنى البطولة".. هكذا قال لى الرائد حسنى سلامة أحد أبطال الصاعقة المصرية وهو يحدثنى عن معنى الوفاء المتبادل بين رفقاء السلاح من جيل حرب أكتوبر، فلديهم لغة مشتركة لا يتبين معناها ولا يدرك مغزاها إلا من خاضوا المعارك وآثروا - عن طيب خاطر - أن يدفعوا ضريبة الدم.

كنت حملت أسئلتى للرائد حسنى ليحدثنى عن الإغارة الأولى على موقع العدو الحصين فى لسان بورتوفيق سنة 1969، وهى الملحمة التى خاضها ضمن جيل من عظماء الصاعقة المصرية فى ذروة حرب الاستنزاف، لكن الرجل آثر أن يختزل بطولته فى انتزاع العلم الاسرائيلى من الموقع الحصين واستبداله بعلم مصرى ظل يرفرف لأيام على الضفة الشرقية للقناة، وكان سبباً فى حوار لا ينساه مع الكاتب الصحفى ابراهيم حجازي.  

يقول الرائد حسنى سلامه: بعد عشرات السنوات من الحرب كنت قد تلقيت الدعوة من الكاتب ابراهيم حجازى للقائه فى مكتبه بجريدة الأهرام.. كان صحفيا مرموقاً يكتب أسبوعياً نصف صفحة أويزيد، وتفيض مقالاته  بسطور من نور حباً للعسكرية المصرية وتأريخاً لعملياتها البطولية أثناء حربيّ الاستنزاف وأكتوبر.

قابلنى الأستاذ ابراهيم بترحاب حار، تسبقة ابتسامته الصافية وهو يقول:"هذه أول مرة نلتقى.. ولكننا لم نتعرف عن قرب، وإن كنت أعرفك من سنوات طويلة حق المعرفة، وأسمك وملامحك وأعمالك البارزة محفورة فى ذاكرتى من أيام حرب الاستنزاف على قناة السويس، فقد رأيتك وقتها وشاهدت أعمالك بنفسى فى معركة لسان بور توفيق .. تفضل بالجلوس"

وجلسنا بينما أكمل ابراهيم حجازى حديثه، وأنا استمع سعيداً بما أغدق على شخصى من إطراء، وبحسه الصحفى لمح فى عينى تساؤلاً فبادر قائلاً: سأرد على سؤالك قبل أن تسأل عن سبب الدعوة لإجراء هذا الحوار.. وأضاف: أنا كنت ملازم أول احتياط بكتيبة المظلات التى كانت تحتل موقعاً دفاعياً على شاطئ القناة فى مواجهة تحصينات العدو فى منطقة لسان بور توفيق، وقد عبرت كتيبتك فى إغارة نهارية مبهرة من أمام كتيبتي.. وكانت إغارتكم على أخطر نقطة فى تحصينات خط بارليف، فأتيح لى أن أشاهد بعض تفاصيل هذه المعركة الرائعة والفارقة، وما حدث فيها من دقة فى الإعداد، وبراعة فى التخطيط، وشجاعة فى التنفيذ.. وأتذكر ما تركته هذه العملية من أثر إيجابى على سكان مدينة بورتوفيق المواجهة للموقع الحصين، فضلاً عن الأثر العسكرى الإيجابى على كافة رجال الصاعقة والقوات المسلحة عموماً، وهذا هو سبب دعوتى لك اليوم.. فأنا ككاتب صحفى أبحث عن مزيد من تفاصيل هذه المعركة الخالدة.. وكنت قد التقيت قائد العملية اللواء أركان حرب أحمد شوقى فتوصلت لأبطال العملية وأنت منهم، وحصلت من "اللواء شوقي" على رقم هاتفك.

قلت للكاتب ابراهيم حجازى: "وأنا تحت أمرك يا أستاذ.

 فعلق قائلاً: "أنا أخوك وزميلك بعيدا عن أى اعتبار آخر.. ويسعدنى الآن سماعك.. اشرب قهوتك أولاً ثم نبدأ الحوار".

بادرنى الكاتب ابراهيم حجازى بقوله: "ما أعرفه أنك كنت من أكفأ المقاتلين فى الكتيبة 43 صاعقة.. ولكن كيف أمكنك أن تزرع العلم المصرى على الضفة الشرقية للقناة بعد أثناء الإغارة الأولى على الموقع الاسرائيلى فى لسان بور توفيق.. وكيف ظل هذا العلم يرفرف داخل الموقع لبضعة أيام بعد انتهاء المعركة.. لقد ظل هذا العلم مرفوعا تحرسه نيران القوات المصرية فى غرب القناة متمثلة فى كتيبة المظلات التى كنت أنا ضمن رجالها.. ولا أنسى زغاريد النساء المصريات وتحية أهالى السويس وبورتوفيق لهذا العلم .. كانوا يصطفون لتحيته فى توقيت واحد كل صباح.. والغريب أن أحداً من الأعداء لم يفكر وقتها من الاقتراب لإزالته برغم ما مثله لهم رفع العلم المصرى على موقعهم من إذلال نفسى".

قلت للكاتب ابراهيم حجازي: حديثك أيقظ ذكريات لا تُنسى، وخبأت الكثير منها داخل نفسى أثناء استطلاعى لمنطقة عملى فى هذه المهمة..  كنت أحد قادة مجموعات القتال الرئيسية ضمن ستة مجموعات اقتحام قوامها 140 مقاتل من الكتيبة 43 صاعقة، وقد شرفت بتولى قيادة مجموعتى فى سابقة تدل على ثقة القائد والمخطط فى كفاءة أدائى وأداء من وقع عليه الاختيار من الجنود.

وأثناء استطلاعى لهذا الموقع لاحظت أن العلم الاسرائيلى موجود ضمن منطقة عملي، فأضمرت فى نفسى أن أنزعه، ولم أكتف بهذا الطموح بل قررت أن أزرع مكانه علماً مصرياً كمهمة أسندها لنفسى خارج تكليفاتى العسكرية.. وعدنا من الاستطلاع فقمت بتحضير علمين مصريين من الحجم المتوسط 120 × 160، وأثناء التلقين الأخير قبل بدء المعركة وبعد أن فرغ القائد الرائد أحمد شوقى من تعليماته حدثنى أمام الجميع قائلاً: "حسنى يا سلامة .. بلغنى إنك جهزت أعلام وفـ نيتك إنزال العلم الإسرائيلى لكنى أحذرك، فالاسرائيليين يضعون حول أعلامهم شراكاً خداعية للقضاء على من يحاول ذلك" فابتسمت ولم أرد، لكننى اعتبرتها موافقة ضمنية من سيادته على نزع العلم الاسرائيلى وأخذت نصيحة قائدى ومعلمى وأبى الروحى فى الحسبان، فقد كان المثل والقدوة فى حياتى العسكرية، وقلت لنفسي: العون من الله والنصر من عنده إن شاء الله" ولا أنسى حديث القائد الرائد أحمد شوقى أمام ضباط وجنود الكتيبة حين قال: "حسنى لاعب محترف وأنا مدرب فريق، وقد وضعت اللاعب المناسب فى المكان المناسب واختياره مسئوليتى الشخصية"

وفى ذروة حرب الاستنزاف نجحت إغارتنا الأولى على موقع العدو الحصين فى لسان بورتوفيق بقوة 140 مقاتل من خيرة ضباط وصف وجنود الكتيبة.. كانت إغارة صاخبة ونهارية لأول مرة على أقوى حصون خط بارليف

وأعود لأتذكر حديث الكاتب ابراهيم حجازى أثناء دعوته الكريمة لى فى صحيفة الأهرام حين سألني: بعد قيامك بزرع العلم المصرى على الضفة الشرقية للقناة فى هذا الوقت ماذا كان رد فعل العدو ؟

وأجبته:  ظل العلم يرفرف عاليا فى مواجهة الموقع، ولم يتمكن من إنزاله عدة أيام، فاضطر العدو إلى نسف قواعد صهريج المياه المعدنى الذى زرعت العلم فوق ماسورته العلوية، حيث نسف الاسرائيليون الصهريج بالكامل.. وللعلم فقد قمت أثناء العملية بانتزاع العلم الاسرائيلى وحملته معى فى رحلة العودة حيث سلمته لقائدى الرائد أحمد شوقي.. ولا استطيع وصف سعادته بعودتنا جميعاً سالمين غانمين وكان فى استقبالنا أيضا أستاذنا العظيم العقيد صالح فضل قائد مجموعة الصاعقة التى كانت كتيبتى إحدى وحداتها، حيث استقبلنا فور ملامسة أقدامنا الضفة الشرقية للقناة وقال لى : "شاهدت ما فعلتموه أنت ومجموعتك وحمداً لله على سلامتكم جميعا" ثم أثنى سيادته على انتزاعى العلم الاسرائيلي..وعلمت فيما بعد أنه أعطى العلم هدية تذكارية لمدير مدرسة السويس الثانوية العسكرية.

أعود لذكريات حديثى مع الكاتب ابراهيم حجازى حيث قلت له:  "فى ذلك الوقت قامت رشاشات كتيبة المظلات التى كنت أنت أحد ضباطها بحراسة العلم المصرى - الذى زرعناه بالموقع الاسرائيلى - على مدار 24 ساعة فى اليوم حتى لا يتمكن العدو من انتزاع العلم، إلى أن اضطرت اسرائيل أن تنسف الصهريج الحامل للعلم"

ومن دواعى الفخر أن الكتيبة نفذت خطة اقتحام نقطة العدو الحصينة فى لسان بورتوفيق لمرة ثانية أثناء حرب أكتوبر73، حيث سقط الموقع بكامله وتم أسر كل ضباطه وجنوده بعدما طلبوا الاستسلام.. وكانت فضيحة مدوية رصدتها كبرى وكالات الأنباء العالمية.. وهكذا بقى العلم المصرى على الموقع وظل يرفرف خفاقاً إلى الأبد.

أعود لمقابلتى مع الكاتب ابراهيم حجازى الذى سألنى عن مقدار النجاح الذى حققته عملية الإغارة الأولى على موقع لسان بورتوفيق، حيث أجبت: قبل تفيذ العملية، كانت تقديرات الخبراء الروس أن حجم خسائر قوة الإغارة المصرية ستصل إلى 50%، لكن الله كان معنا، حيث عادت القوة كاملة ومعها جثة الشهيد الوحيد الذى حملته على كتفيّ وكان أحد أفراد مجموعتى.. كما أحضَرَت مجموعة القائد النقيب معتز الشرقاوى أحد الأسرى الاسرائيليين أثناء رحلة العودة، إضافة إلى انتزاع علم اسرائيلى ثان.

أما علم مصر الذى زرعته فقد ظل يرفرف قبالة الموقع الاسرائيلى لعدة أيام كما قلت، ولم تتمكن اسرائيل من زرع علمها فى ذات الموضع حتى بعد انتهاء الإغارة، ولم تمنعنا عن الأعداء شراكهم وحصونهم فقد كان شعارنا الدائم "وإن جندنا لهم الغالبون" نتج عن ملحمة لسان بورتوفيق الأولى تنفيذ البروفة الأولى لاقتحام قناة السويس بقوة كتيبة فى وضح النهار وتحت ستر نيران المدفعية المصرية.. وأسفرت عن تدمير الموقع الاسرائيلى ونسف ملاجئه الحصينة، فضلا عن قتل نحو 40 ضابط وجندى اسرائيلي، لتظل هذه العملية أحد أهم روائع حرب الاستنزاف.

 	 محمد مسعد

محمد مسعد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

تفاصيل الخطة الإسرائيلية «ضم راكـض» لالتهام أراضى الضفة

د. جمال زحالقة: إسرائيل تخطط لترحيل أهالى الضفة الغربية إلى الأردن.. والموقف المصرى أفشل تهجير سكان غزة ديمترى دليانى: إسرائيل...

«أديس أبابا» تبحث عن منفذ بحرى.. وتطمع فى الأراضى الصومالية

أبعاد الصراع بين إثيوبيا والصومال بالبحــر الأحمر فى هذا التوقيت

سيناريوهات انهيار سد النهضة الإثيوبى وخططة مصر للمواجهة

الأقمار الصناعية رصدت الكارثة

بتوجيهات رئاسية.. المحاكم العسكرية تنتظر مافيا المتاجرين بقوت الشعب

محاكمة المتورطين فى أزمة الدواجن جنائياً.. خطوة على الطريق