لا تملك أمام صورته، وملامحه الجادة، إلا أن تشعر بأنك أمام رجل صارم، حكيم، قائد من طراز فريد، تشى ملامحه بالكبرياء والفخر.. قيل عنه إنه مهندس حرب أكتوبر المجيدة.. إنه المشير محمد عبدالغنى الجمسى فخر العسكرية المصرية، وآخر من حمل حقيبة وزارة الحربية قبل تغيير مسماها إلى وزارة الدفاع.
هو من مواليد 9 من سبتمبر 1921 بمحافظة المنوفية.. كان مميزًا جدًا منذ نشأته حتى إنه هو الوحيد بين أبناء أسرته الذى حصل على تعليم نظامى قبل أن تعرف مصر مجانية التعليم، وأتم تعليمه النظامى فى مدرسة المساعى المشكورة بشبين الكوم بالمنوفية .
التحق بالكلية الحربية فى سن الـ 17 عامًا وتخرج فيها عام 1939 بسلاح المدرعات، ومع بدء الحرب العالمية الثانية عُين كضابط فى صحراء مصر الغربية؛ حيث كان من قلائل القادة الذين شهدوا تلك الحرب، حيث دارت أمامه أعنف معارك المدرعات بين قوات الحلفاء بقيادة مونتجمرى والمحور بقيادة روميل .
عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية واصل مسيرته العسكرية، فعمل ضابطًا بالمخابرات الحربية، فمدرسًا بمدرسة المخابرات؛ حيث تخصص فى تدريس التاريخ العسكرى لإسرائيل، الذى كان يضم كل ما يتعلق بها عسكريًا من التسليح إلى الاستراتيجية إلى المواجهة.
وبعد ذلك تلقى عددًا من الدورات التدريبية العسكرية فى كثير من دول العالم، وحصل على إجازة كلية القادة والأركان عام 1951، وحصل على إجازة أكاديمية ناصر العسكرية العليا عام 1966 .
واشترك فى كل الحروب العربية الإسرائيلية باستثناء حرب فلسطين عام 1948 التى كان خلالها فى بعثة عسكرية خارج البلاد .
«استقالة النكسة» و«تخطيط النصر»
من رحم المعاناة يولد النجاح ومن رحم الهزيمة يأتى النصر ، ذاق المشير الجمسى مرارة الهزيمة فى عام ١٩٦٧ وتقدم باستقالته لكن الرئيس جمال عبد الناصر رفضها.. كان الجمسى وقتها يريد أن يفسح للجيل الجديد مجالا وفرصة لاسترداد الأرض التى احتلت ورفض الرئيس جمال عبد الناصر الاستقالة، بل إنه أسند اليه مهام الإشراف على تدريب الجيش المصرى مع عدد من القيادات المتميزة والمشهود لها بالاستقامة والخبرة استعدادًا للثأر من هزيمة يونيو ١٩٦٧ وقد كان هو وزملاؤه على قدر المسئولية وكان من أكثر قادة الجيش دراية بالعدو، فساعده ذلك على الصعود بقوة، فتولى رئاسة هيئة تدريب القوات المسلحة، ثم رئاسة هيئة العمليات بالقوات المسلحة، وهو الموقع الذى شغله عام 1972، ولم يتركه إلا أثناء الحرب ليشغل منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة.
فى عام 1973 عندما اقترب موعد الهجوم لتحرير سيناء كان يرأس وقتها هيئة عمليات القوات المسلحة، والى جانب تخطيط تفاصيل العمليات للحرب، قامت هيئة عمليات القوات المسلحة برئاسته بإعداد دراسة عن أنسب التوقيتات للقيام بالعملية الهجومية، حتى توضع أمام الرئيس أنور السادات والرئيس حافظ الأسد لاختيار التوقيت المناسب للطرفين. وتقوم على دراسة الموقف العسكرى للعدو وللقوات المصرية والسورية، وسميت «بكشكول الجمسي» وتم اختيار يوم 6 أكتوبر بناء على تلك الدراسة.
ويحكى المشير الجمسى فى كتابه «مذكرات المشير عبد الغنى الجمسى.. حرب أكتوبر»، قائلا: «وضعنا فى هيئة العمليات بمبادأة من الهيئة، هذه الدراسة على ضوء الموقف العسكرى للعدو وقواتنا، وفكرة العملية الهجومية المخططة والمواصفات الفنية لقناة السويس، من حيث المد والجزر، وسرعة التيار واتجاهه، وساعات الإظلام وساعات ضوء القمر، والأحوال الجوية، وحالة البحرين المتوسط والأحمر، التى تحقق أفضل استخدام لقواتنا للقيام بالعملية الهجومية بنجاح، وتحقق أسوأ الظروف لإسرائيل، كما كان ضروريا اختيار أفضل التوقيتات، التى تناسب تنفيذ الهجوم على الجبهتين المصرية والسورية فى توقيت واحد».
ويضيف فى مذكراته: «لا بد أن أسجل فضل العقول المصرية فى هيئة عمليات القوات المسلحة مع العقول الأخرى فى تخصصات مختلفة بالقوات المسلحة، التى أسهمت بعلم واقتدار فى نواح علمية وفنية كثيرة استدعتها هذه الدراسة، والتى لولاها لما أمكن تحديد أنسب شهر وأفضل يوم لشن الحرب، وحتى أعطى الفضل لأصحابه فإنى أقول إن هذه الوثيقة هى «كشكول هيئة عمليات القوات المسلحة»، التى أعتز وأفخر بأننى كنت رئيسا لها فى فترة مهمة من تاريخ القوات المسلحة وتاريخ مصر ».
وقع اختيار الرئيس السادات عليه ليقود المفاوضات مع الإسرائيليين بعد الحرب والتى عرفت بمباحثات الكيلو 101، وقاد الجمسى هذه المباحثات مع الجانب الإسرائيلي، التى أسفرت عن توقيع اتفاقيتى فك الاشتباك الأولى والثانية، اللتين استردت مصر بموجبهما حقول بترول فى شبه جزيرة سيناء.
وفى خيمة عسكرية، اتفق الجانبان على قبول منطقة عازلة تابعة للأمم المتحدة، وتبادل الأسرى، ورفع الحصار المفروض على الشحن الإسرائيلى.
«مفاوض شرس»
كان المشير عبدالغنى الجمسى من أقوى القادة الذين حاربوا إسرائيل على الإطلاق، وحتى فى مباحثات السلام - الكيلو 101، كان من أشرس القادة الذين جلسوا مع الإسرائيليين على مائدة المفاوضات، ولا يمكن أن ننسى خروجه على الجنرال ياريف رئيس الوفد الإسرائيلى دون إلقاء التحية أو المصافحة، وبكل تجاهل جلس مترئسا الوفد المصرى مفاوضًا ذكيًا وبارعًا.
وبعد الحرب مباشرة رُقى الفريق الجمسى إلى رتبة الفريق أول مع توليه منصب وزير الحربية عام 1974 وقائدًا عامًا للجبهات العربية عام 1975 .
فى السابع من يونيو2003، رحل المشير الجمسى فى صمت بعد معاناة طويلة مع المرض، ليتم تشييع جثمانه فى اليوم التالى بجنازة عسكرية شارك فيها الرئيس الراحل حسنى مبارك.
الخلاصة أن المشير محمد عبد الغنى الجسمى واحد من أشهر رجالات القوات المسلحة المصرية - «مصنع الرجال» - كما عودتنا دائمًا، استطاع أن يصنع لنفسه مجدًا كبيرًا وسيظل اسمه محفورا فى عقول وأذهان المصريين ومرتبطًا ارتباطًا كبيرًا بنصر أكتوبر المجيد فخر العسكرية المصرية على مر التاريخ.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تسهيلات لعودة من خرجوا من القطاع للعلاج
3 لقاءات للرئيس مع «مدبولى» قببل التعديل الوزارى وبعده لتحديد أولويات المرحلة الجديدة زيارة مسئول الاستخبارات الروسية للقاهرة خلال التعديل...
خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى
لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...