شهادة الرئيس السادات عن تحرير سيناء:حاربنا لأجل السلام وحمايةكرامة المصريين

فجأة وجد السادات نفسه مسئولا عن اتخاذ قرار الحرب لتحرير سيناء، بعد أن مات الرئيس عبد الناصر فى 28 سبتمبر 1970،

 وكان قبل أقل من عام قد عين السادات نائبا لرئيس الجمهورية قبل أن يستقل طائرته بخمس دقائق لحضور مؤتمر القمة فى الرباط فى 20 ديسمبر 1969، وفى يوم 25 ديسمبر فوجئ السادات بتليفون يصرخ الخط والع نار، فقد أغارت 180 طائرة إسرائيلية على الخط من بورسعيد حتى السويس من الثامنة صباحا، وظلت النار مشتعلة حتى الرابعة مساء، وكان الهدف هو ضرب بطاريات الصواريخ التى أصابوا منها عددا كبيرا. يقول السادات فى أوراقه التى أملاها على أنيس منصور: "لا أنسى ذلك اليوم من عمري" فقد وجد السادات نفسه مسئولا عن إدارة المعارك القاسية فى غياب عبد الناصر، وضعف الإمكانيات العسكرية فى ظل تفوق الطيران الإسرائيلى الذى كان يعربد فى سماء مصر من القناة حتى الصعيد بدون رادع، فكيف تصرف السادات، وكيف كانت حالته النفسية طوال الفترة التى أصبح فيها نائبا حتى صار رئيسا للجمهورية، مع زيادة الضغط الشعبى عليه من الداخل باستعجاله  لتحرير الأرض، والضغط الخارجى بعدم توافر السلاح اللازم لبدء الحرب، وفى ظل حرب نفسية شرسة من إسرائيل؟

أعلن رئيس الأركان الإسرائيلى يوم رأس السنة فى 1970: "لقد انتهت مصر فى 67 وقضينا عليها تماما بحرب الاستنزاف، أما فى سنة 1970 فسوف يكون الشعب المصرى طوع أيدينا" !. وقد زاد الشعور العام فى مصر سوءا، ليرحل عبد الناصر فجأة صريعا للمرض واليأس، رغم محاولته التماسك أمام شعبه الذى يحتفظ له برصيد ضخم جعله يتراجع عن التنحى رغم قسوة الهزيمة، فكيف بالسادات الذى لا رصيد له، وقد وجد نفسه مسئولا بين ليلة وضحاها  عن تحقيق أمانى الشعب فى تحرير أرضه، حتى أن السادات نفسه قد سقط قبل سير جنازة عبد الناصر مغشيا عليه، وتم إعطاؤه خمس حقن، فقد كان الإرث ثقيلا، والمسئولية رهيبة.

 وهو ما عبر عنه عبد الناصر ذات يوم وقد اشتدت عليه الأنفلونزا، حين قال لنائبه السادات: " إن الذى توقعناه قد حدث، إن اليهود قد أغاروا ودخلوا وقتلوا وخرجوا وعادوا، ولا أحد يستطيع أن يوقفهم. ثم إنهم أعلنوا وصولهم دهشور على مدى ربع ساعة من القاهرة. ونزلوا عند محطة الكهرباء فى نجع حمادى وقناطرها، وكوبرى قنا، والمسافة التى تقطعها الطائرة الإسرائيلية من رأس محمد عند رأس مثلث شبه جزيرة سيناء إلى قنا صغيرة جدا، ومن هنا كانت مثل هذه العمليات سهلة التنفيذ والإخفاء أيضا ". وهو الأمر الذى جعل عبد الناصر يطلب من السادات الاتصال بالسفير الروسى ليحضر فورا، ليطلب منه الاتصال بالقادة السوفييت، ليقوم بزيارة سرية لموسكو، فالموقف لم يعد يحتمل التأجيل أو الانتظار، ليستعجلهم فى تسليح مصر بصواريخ سام 3 لحماية سماء مصر، ولكن مماطلة القادة السوفييت فى الاستجابة له جعلته يبلغ أقصى درجات اليأس من الحياة نفسها ومن دوره كزعيم للبلد - حسب قول السادات نفسه، مضيفا وصف الحالة التى تردى إليها عبد الناصر: "كان مريضا جسميا ومهدودا نفسيا وجريحا وطنيا وذبيحا قوميا". وقد ورث السادات هذا الوضع المأساوي، وكان إجماع المخابرات الأمريكية والإنجليزية أن الوضع فى مصر خطير وقابل للانفجار فى أية لحظة، وأن السادات لن يبقى فى مقعده كرئيس للجمهورية أكثر من أربعة إلى ستة أسابيع.. وحتى هذا تقدير مبالغ فيه!

أما السادات نفسه فقد عبر لأنيس منصور فى أوراقه التى أملاها عليه قائلا يصف حالته: "كنت مشغولا تماما بالمهمة الجديدة، وأرى أمامى أعباء ثقيلة وطريقا صعبا طويلا، والصورة التى أمامى أليمة وسوداء، والله سبحانه وتعالى هو القادر على أن يعيننى على ما أنا فيه".

وأضاف: "من الناحية السياسية كانت المصائب أمامى كثيرة، لا أول لها ولا آخر، تزداد تعقدا وتهدد بالانفجار، فاليهود قد أثاروا أمريكا والعالم أيضا وشككوا فى صدق قبولنا لمبادرة روجرز، التى قبلها عبد الناصر، لكى يتمكن فى ظل وقف إطلاق النار من بناء قواعد الصواريخ لحماية سماء مصر من استباحة الطيران الإسرائيلى له، وقد أثارت إسرائيل أمريكا والعالم ضدنا بعد أيام من قبولنا المبادرة حتى صورونا أمام العالم بأننا نستعد للعدوان بتحريك الصواريخ داخل أرضنا. ومعنى ذلك أن إسرائيل لا تستطيع أن تنسحب، رغم موافقتها على المبادرة التى تنص على ضرورة الانسحاب".

يضيف السادات: "وكانت صورة مصر الداخلية أمامى سليمة، وصورتنا العسكرية الدفاعية سليمة، إلى أن نفكر فى خطة هجومية.

أما من الناحية الاقتصادية فنحن فى أسوأ حال، حتى هذا التعبير لا يفى بالمعنى الذى أراه وأحسه، ويحزننى ذلك، وقد استدعيت حسن عباس زكى وزير الاقتصاد، فكان رأيه أن مصر فى حالة إفلاس تام، قلت والحل؟ وكان رده هو التعبير المصرى الذى يقول: آخذ طاقية هذا وأضعها على رأس ذاك. أى أن الذى يستطيعه ليس حلا علميا وإنما هو أن يقوم بنوع من الحيل الاقتصادية ليسكت الناس، أى ليس عنده حل، فالذى وصلنا إليه ليس هناك ما هو أدنى منه.. نحن اقتصاديا فى الحضيض، مع الأسف الشديد. وكادت أن تنتهى مدة مبادرة روجرز لوقف إطلاق النار، وجمعت مجلس الأمن القومى وانتهينا إلى ضرورة مد المبادرة تسعين يوما أخرى، لأننا إذا لم نفعل كان علينا أن نستأنف حرب الاستنزاف، نضربهم ويضربون مصر فى أعماقها، وعلى رغم أن لدينا صواريخ سام 3 فإن أهدافنا فى الصعيد ماتزال عارية، ومن الممكن أن تعاود إسرائيل نسف المنشآت الحيوية فى جنوب مصر.

وقررت بعض الإجراءات الداخلية، فألغيت الحراسات، قرار اتخذته من واقع ما أراه فى مصر، فأنا كأى طبيب لابد أن يداوى جراح المرضى قبل إعداد غرفة العمليات، فأنا أريد أن أجفف الدموع وأداوى الجراحات، لأننى أعد نفسى وبلدى لعملية كبرى، هذه العملية لم تغب عن بالى لحظة، ولكن يجب أولا أن نطمئن على سلامة النفوس، وعلى كرامة الإنسان، نعم كرامة الإنسان، فأنا لا أتصور حاكما يسمى نفسه حاكما وطنيا صادقا، إذا كان يحكم شعبا من ذوى الكرامة المجروحة، أو النفوس المهانة، وكان من المعروف أن قرارات لجنة الإقطاع ووضع الحراسات كانت تصدر كل يوم خميس، وكانت هناك حالة رعب تهز البلد من أوله لآخره، ولا تكاد تصدر هذه القرارات حتى تطول أظافر ومخالب بعض الناس وتنغرس فى لحوم الآخرين وأعراضهم بلا رحمة، مع أنهم جميعا مصريون، لذلك كان قرارى بإلغاء لجان الإقطاع وفرض الحراسات، من القرارات الإنسانية التى أصدرتها، بعد شهرين من ولايتي، وبعد الشهر الثالث جمعت مجلس الأمن القومى بشأن تقرير المد الثانى لوقف إطلاق النار، وتكلموا جميعا، ووضح لى أنهم رتبوا كل شيء، واتفقوا على عدم التجديد، وسألت محمد فوزى وزير الحربية، فمثل هذه القرارات لا تؤخذ هكذا. وقلت يا فوزى هل جاءت بطاريات الصعيد ؟، أجاب: ليس بعد. سألت عندك أية معلومات عن متى تصل إلينا؟ أجاب: ربما فى فبراير القادم، قلت: يعنى مع نهاية التسعين يوما. فلم يرد أحد، ووجدت إجماعا غريبا، ولكن لم أضع الفرصة، والتفت للجميع وقلت للجميع: آسف جدا أن أقول لكم إننى لا ألعب القمار، وإذا كنت ألعب القمار، فلن ألعب بمصير بلدي، أنا غير مستعد أن أدخل فى حرب استنزاف يضيع فيها الصعيد بالكامل. وتعالت أصوات تقول: يا فندم إنها مسألة كرامة.. كيف لا نحارب؟، قلت إنها ليست مسألة كرامة، إننى على استعداد أن أبتلع كرامتى من أجل حماية الصعيد، أنا موافق أن أعلن معكم نهاية مبادرة روجرز يوم 4 فبراير، ولكن آسف جدا لا أستطيع بعدها أن أبدأ حرب استنزاف.

وجاء 4 فبراير وذهبت إلى مجلس الشعب وأعلنت المبادرة المصرية للسلام، والذين عارضوها لم يكن تصرفهم هذا عن سوء فهم وإنما سوء نية وعن حقد من مراكز القوى، كما أنهم لم يفهموا أننى عندما طلبت اتفاق سلام لم أقصد معاهدة سلام، فالذى قصدته هو امتحان النيات، ثم إننى قلت لنفسى إن أمريكا هى الدولة التى وراء إسرائيل، وعلى ذلك يجب أن أنتهز هذه الفرصة ولن أضيع وقتي، وقد أدرك عبد الناصر هذه الحقيقة متأخرا جدا. وكنت أتطلع إلى أن تتحقق هذه المبادرة التى تنص على انسحاب إسرائيل إلى المضايق، وتترك قناة السويس.. وتتجه قواتنا إلى الشرق، ويتولى فى نفس الوقت د. يارنج سكرتير الأمم المتحدة هذه المهمة بيننا وبين إسرائيل لإتمام عملية الانسحاب سلميا، وكان فى نيتى أن أعطى ستة شهور أخرى إذا سار كل شيء على الصورة التى نرجوها، وينطبق هذا على مصر وعلى الجبهات العربية الأخرى، وبذلك تحل المشكلة بلا قتال.

ولو قبلت إسرائيل ذلك لكانوا فى وضع أحسن، ولكن غطرستهم وغرورهم وطمعهم أيضا قد أعماهم عن هذه الحقيقة، أما الحقيقة فهى أنهم تركوا مصر حتى استكملت قواتها تدريبها واستيعابها للسلاح، وكان النصر عليهم بعد ذلك فى أكتوبر 1973، ولحسن الحظ كان الإسرائيليون أغبياء فى هذا الموقف.

يكمل السادات شهادته عن المراحل التى مر بها حتى انتهى إلى أنه لا مفر من اتخاذ قرار الحرب من أجل التحرير:

ذهبت إلى موسكو عدة مرات وشرحت لهم أن إسرائيل متقدمة عنا بعشر خطوات، وهم المعتدون، ونحن متخلفون عنهم، ونحن المعتدى علينا، ونريد أن نحرر أرضنا، ونسترد ما فقدناه، وأنتم أصدقاؤنا، تقولون ذلك ونصدقكم، ولكن الذى تفعلونه يجعلنا نشك فى كل ما تقولون. إنها حيرة وقعت فيها، ولا أعرف لى شاطئا للأمان منكم أو شاطئا للأمان بكم. وقالوا لي: لا داعى للحرب، وأنه لا يوجد إلا الحل السلمي. وأنا موافق تماما على ذلك، ولكن من الذى يستطيع أن يتكلم عن السلام وهو ضعيف. إن السلام لا يمكن أن يتم إلا فى ظل القوة، إذا أنا أصبحت قويا وأيقنت إسرائيل ذلك، استطعت أن أتحدث عن السلام وأنا أهددهم بالحرب.

واشتدت المناقشة واحتدت، وتدخل بريجينيف سكرتير الحزب الشيوعى السوفييتي، وقلت له: بدون تحرك عسكرى مستحيل أن يحدث شيء. ولم يكن صعبا أن أدرك حقيقة مؤلمة وهى أن الروس رأيهم كاليهود تماما: أننا جثة هامدة ولا أمل فينا. ولذلك كان بودجورنى الرئيس السوفييتى لا يجد حرجا فى أن يطلق بعض التعليقات المؤلمة لنا، والجارحة أيضا، ولم أطق صبرا على الذى رأيت وسمعت، وثرت أمام الجميع. وعند قمة غضبي، وكما هى العادة يخرج الروس قائمة تقول: وافقت القيادة السوفييتية على تزويد مصر بالأسلحة التالية...

 هم الذين اختاروا الأسلحة، وليس من بين هذه الأسلحة جميعا سلاح الردع الذى وعدوا به جمال عبد الناصر من قبل، ولا من بينها بطاريات الصعيد.

ولما قلت لهم إننا بذلك مختلفون - وكأننى ألقيت شعلة نار، فقالوا: إلا هذه الكلمة، سوف نعطيك سلاح الردع، أى الطائرة ذات الصاروخ الذى مداه 150 ميلا، على أن يكون تشغيلها بأوامر موسكو. قلت: أنا أرفض طائرة الردع هذه. ليس فى مصر إلا قرارى أنا وقرار الشعب.

وجمعت اللجنة العليا وعرضت عليهم الصورة بكل ألوانها، وأعطيت الكلمة لمحمد فوزى فوصف أسلوبى فى الحديث مع الروس فقال إننى شرحت الموقف وشرحت الروس – بتشديد الراء. وخرجوا من عندي، وعرفت أنهم التقوا بعد ذلك وقالوا كيف يرفض أسلحة الردع، كيف لا يقبل أمر موسكو بتشغيلها، إن مصر دولة مهزومة وروسيا دولة كبرى، ما الذى يظنه فى نفسه؟!.

وكان لابد من التخلص من مراكز القوى، ولما وجد الاتحاد السوفييتى أن رجاله قد أطيح بهم، أراد تأمين وجوده فى مصر، وفجأة تلقيت رسالة من القيادة السوفيتية تقول إن الرئيس بودجورنى يريد زيارتي، وجاء يريد توقيع معاهدة، وهى التى طلبتها من قبل كما طلبها عبد الناصر نفسه، فرفضوها، فما الذى حدث ؟، قالوا: نريد فتح صفحة جديدة، وأن كل ما تريده مصر من سلاح سيصل بعد خمسة أيام.

 بدأت أعد الساعات التى وعدنى بها بودجورني، وجعلت أفكر فى الأيام التى أنا مقبل عليها، ومعى مصر والأمة العربية كلها، فقد حددت هذا العام 1971 بسنة الحسم. وقد تنبه المعلقون السياسيون والصحف الغربية إلى عبارات لى فى كلمة الترحيب بالرئيس بودجورنى فى حفل توقيع المعاهدة، فقد قلت: نحن نريد أن يعرف الكل أننا لسنا على استعداد لأن نفرط فى الأرض، أو فى الحق مقابل سراب، كما أن الكلمات المعسولة ليست دليلا على صدق النوايا التى وراءها.

وتوالت الشهور بطيئة جدا وموجعة جدا، وأحسست بأسنان الزمن أليمة، وفى ديسمبر نهاية عام الحسم وقعت الحرب بين الهند وباكستان، وانشغلت موسكو بوقوفها مع الهند، إذن لقد انتهى كل شيء، ولن تكون سنة 1971 هى السنة التى ناديت بها، ووعدت وهددت، انحسمت سنة الحسم بلا حرب، ولا أعرف كم مضى من الوقت، وأنا أتذكر ما قاله السوفييت، وما قلت لهم.. ودوختى بين الأمل واليأس، بين الصبر والغضب، بين الصمت والسكوت على الفضيحة. وتذكرت ما قاله لى المشير أحمد إسماعيل من أن بريجينيف كان حريصا على أن يصب الماء البارد على رأسي، لأن رأسى ساخن. ولكن فى مواجهة هؤلاء الناس كان رأسى باردا. وأحنيت رأسى للعاصفة الهوجاء التى هبت من موسكو فأطاحت بسنة الحسم كلها، ولكن لن أسمح لها بأن تطيح بى وبآمال شعبي، وعندما أحنيت رأسى للعاصفة أعترف أننى أحنيته لمصر، فقلت للسفير الروسي: قل للقادة السوفييت إننى مسافر لهم يوم أول فبراير.

مع أوائل سنة 1972 اشتد الهجوم على السوفييت، فهم الذين تخلوا عنا، لأنهم أرادوا أن يؤكدوا لى وللعالم أننى لا أستطيع أن أتخذ قرارا، فسنة الحسم هذه ما كان يجب أن أعلنها قبل أن أخطرهم بذلك، واستشعر الناس فى مصر إهانة بالغة، وفوجئت فى ذلك الوقت بعريضة موقعة من عدد من السياسيين بينهم د. مصطفى خليل الأمين الأول للاتحاد الاشتراكي،  تحدثوا فيها عن أن مصر تمر بمحنة فظيعة، وأن هذه المحنة تهدد مصر شعبا وأرضا وحضارة، وأن الاتحاد السوفييتى يقدم لمصر العون الذى لا يسمح بتحرير الأرض واسترداد الحق. وقالت العريضة إنه آن الأوان لأن ترسم مصر سياسة التحرير الوطني، على أساس أن قوى مصر الذاتية وحدها: روحية ومادية، هى الركيزة الأولى والأمنية الوحيدة لتلك السياسة، وأنه آن الأوان لمراجعة الإسراف فى الاعتماد على السوفييت كل هذه السنوات.

ورغم أنى فلاح أدرك تماما مدى صدق هذه الجراح، فقد دافعت عن السوفييت وذكرت لهم فضلهم، بل إننى هددت أمام مجلس الشعب: هذا هو موقفي، والذى لا يريد أن يتعاون معى فليقدم استقالته أمام المجلس. وسافرت إلى موسكو وقلت لبريجينيف: إن العواقب أسوأ مما تتصورون، إن إضاعة سنة الحسم قد أصابتنى فى أعماقى وأوجعت شعبي. وسألت: ما الذى منع وصول الأسلحة إلينا ؟، فأجاب: إنه الروتين عندنا. وأخرج  بريجينيف ورقة من جيبه بقائمة سلاح لا تحتوى على شيء واحد مما طلبته. وكما هى عادتى فإننى أبتلع غضبى ومعه كرامتي، وأقول لنفسي: إن هذه الأسلحة مهما كانت قيمتها متواضعة جدا، فهى إضافة إلى قوة مصر، ولكم الشكر.

 ولكننى بينى وبين نفسى شعرت بالتشاؤم لأول مرة، فهذه هى المرة الأولى التى عرفت فيها اليأس، وعذرى معي، وهو عذر واضح، فالذى رأيته وسمعته هذه المرة، قد رأيته وسمعته من قبل، وهذه هى المرة الثالثة، فما معنى ذلك، لا معنى عندى إلا أنهم يستخفون بي.. يلعبون بى وبقدرى وبمصر، فلا الاتحاد السوفييتى كبير جدا، ولا أنا صغير جدا، ثم إنها قضيتنا فى الدرجة الأولى، وعلينا أن نحسم ما نراه، وأن نتحمل النتائج، ونحن قادرون وعلى استعداد تام لكل شيء من أجل مصر.. إن السوفييت حاربوا واستماتوا من أجل أرضهم، فكيف يتصورون أننا لن نفعل ذلك.

عدت إلى مصر هذه المرة: جيبى خال، لكن قلبى ملآن. قلبى ثقيل يكاد يهبط فى قدمي، وأحسست تماما أنهم أرادوا أن يجعلونى كرة يلعبون بها، ولكنى أرفض ذلك، رفضته وسوف أرفضه، ورفضه شعبى من ورائى ومن أمامى ومن حولي.

وتلاحقت الأيام.. مضى فبراير كله، ومن بعده مارس وأبريل.. وفجأة ظهر واحد ساحر على مسرح السياسة الدولية، وفى يده عصا وعلى رأسه قبعة، اسمه كيسنجر، ضرب القبعة بالعصا، وخرج أرنب اسمه "الوفاق بين روسيا وأمريكا"، وكان لابد أن أعرف أين أنا وشعبى من هذه اللعبة الجديدة، وتسلل إلى الخائفين معنى غريب: إذا كانت أمريكا وروسيا تتفقان، فلماذا لا نتفق نحن أيضا مع اليهود، وينتهى كل شيء  بلا حرب؟.

وفجأة جاءنى السفير السوفييتى يقول لي: القادة السوفييت يريدون رؤيتك يوم 28 أبريل. وتغطيت ببالطو كثيف ورثته مع الأيام والمعاناة اسمه الصبر والمزيد من الصبر، وأعلن بريجينيف استعداده لإجابة كل مطالبى – وأحسست أنهم يريدون استعراض قوتهم فى المنطقة، وأن زيارتى هذه جزء من الاستعراض، وفى الطائرة عائدا إلى القاهرة أخفيت رأسى بين يدي، وتذكرت دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام يوم خرج من الطائف: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهوانى على الناس، يا أرحم الراحمين".

وصالحت نفسى على نفسى وقلت: كل شيء يهون من أجل مصر، وقد هان الكثير.

وفجأة جاءنى خبر بأن جريتشكو وزير الدفاع السوفييتى سيصل للقاهرة يوم 14 مايو ومعه قائد الطيران، ولابد أن يكون هناك شيء خطير، وعرفت أنهم يريدون القيام باستعراض جوى فى مطار غرب القاهرة، حيث أربع طائرات ميج 25، وهى فى مكانها على أرضنا ومحرمة علينا، ولكنى غلبت الأمل على اليأس، ووضعت مصر فوق كرامتي، ووافقت، على الاستعراض الدعائى الذى أراده السوفييت قبل زيارة الرئيس الأمريكى نيكسون لهم، كما وافقت على إصدار بيان لهم يقول إن الاتحاد السوفييتى قد زود مصر بقاذفات طويلة المدى وأسرع من الصوت. وجاءتنى رسالة من الرئيس السورى حافظ الأسد يسألني، فقلت له: لا قاذفات ولا أى شيء ، إنها مسائل دعائية، فرد الأسد: أن الضباط عنده يسألون: لماذا لا نحصل على ما حصلت عليه مصر؟، فأرجوك ألا تعود لهذه المسايرة الدعائية، ورددت على الرئيس الأسد مرة أخرى: لقد ساهمت فى هذه الحملة الدعائية، فهم فى حاجة إليها، ونحن فى حاجة إليهم.. ثم إنهم أصدقاء.

ويوم 7 يوليو جاءنى السفير الروسى برسالة عاجلة من قيادته تتحدث عن جهود روسيا فى إقناع الأمريكان بأهمية القرار 242 وقد وضعت يدى على خدي، فلا جديد، والكلام يدخل ويخرج من أذني، أما عن المعركة والحرب فالرسالة تقول إن لهم تجارب طويلة مريرة فى القتال، وأننا لا نعرف معنى الحرب، ولا معنى لأن نشن حربا جديدة.. إن الموقف أخطر وأفظع مما نتصوره فى مصر. وبمنتهى الهدوء الظاهرى والانفجار البركانى فى أعماقى قلت للسفير الروسي: هذه الرسالة التى تتحدث عن عجز مصر عن دخول الحرب وقصورها عن فهم أبعادها، هى رسالة مرفوضة شكلا ومضمونا، ولا أقبل ولن أقبل مثل هذا الأسلوب فى مخاطبتى ومخاطبة الشعب المصرى من ورائي. وكان وجه السفير فى لون الشمع، ثم اتخذت قرارى بخروج الخبراء السوفييت من مصر بالكامل بما فى ذلك طائراتهم الأربع الميج 25، فليس من المسلم به أبدا أن يصدر قرارنا من موسكو، ولا من المسلم به أيضا أنه لا إرادة لنا، ولا من المسلم به أن نظل فى حالة لا هى حرب ولا هى سلم.

ولأول مرة فى تاريخ التعامل معهم - للحق والتاريخ - أقول إنهم أرسلوا جزءا من الصفقة فورا، وكان لهذه الصفقة أثرها الكبير فى استعدادنا للحرب، لأنى حددت سنة 73 بأنها سنة المعركة، وكنت مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة جلوسا ووقوفا أمام تختة الرمل التى هى على نموذج لصحراء سيناء بكل تفاصيلها، وقد وقف كل قائد وشرح خطته. لأن أحمد إسماعيل كان قد فرغ من الخطة تماما، فى الوقت الذى عاد فيه  حافظ إسماعيل مستشار الرئيس للأمن القومى من لقاء كيسنجر الذى أبلغه رسالة لي: أرجو أن تنصح الرئيس السادات ألا يحاول تغيير الوضع عسكريا وإلا كانت الهزيمة هى مصيرنا، وفى هذه الحالة سوف يكون مصيرنا مستقبلا أسوأ مما نحن فيه.

وجاء 5 يونيو 1973 وعبرت إلى سيناء من بورسعيد إلى مدى 17 كيلومترا منها، والذى لا يعرفه أحد حتى الآن، ولم يعرفه الإسرائيليون هو أن كل المواقع التى مررت بها، ووقفت عندها ونظرت منها إلى الناحية الأخرى – وكان اليهود يظهرون أمامنا - هذه المواقع هى التى بدأ منها الهجوم. وأكملت جولتى على الجيشين والصواريخ والقوات الخاصة والصاعقة والطيران لكى أقول للجميع: استعدوا لمعركة التحرير، اجهزوا للقتال والنصر بإذن الله.

وفى نهاية أغسطس كانت كل التدريبات قد اكتملت، وسافرت لزيارة الملك فيصل، هذا الرجل هو حكمة التاريخ، كان نموذجا للهدوء والصفاء والأصالة، لقد وهبه الله حسن الإدراك، ونبل الشعور وبعد النظر، وقد ظن بعض الناس أننى طلبت إليه أن يساعدنا بالبترول، أبدا، فقد أدرك كل شيء بذكائه وفطنته، حين قلت له: سوف نحارب اليهود بإذن الله، وقد اتفقت مع الرئيس حافظ الأسد على ذلك. ورفع الرجل رأسه إلى السماء ودعا لنا بالنصر.

ثم سافرت إلى قطر ومنها إلى بلودان لمقابلة الرئيس حافظ الأسد، وهناك حددنا الموعد النهائى للحرب يوم 10 رمضان - 6 أكتوبر. واصطحبت معى فى هذه الرحلة محمد على فهمى قائد سلاح الصواريخ، وحسنى مبارك قائد الطيران، وكان هدفى من ذلك أن أريحهما من قائد الجيش أحمد إسماعيل، فقد أرهقهما ليلا ونهارا، وأعتقد أنهما حصلا على نصيب لا بأس به من النوم، فأحمد إسماعيل كان قد ركز تماما على الصواريخ والطيران.

وفى يوم السبت 6 أكتوبر 1973 نشبت الحرب. إنها لحظات وساعات من أروع ما فى العمر كله، عمرى وعمر شعبنا والأمة العربية، الامتنان لله سبحانه وتعالى الذى نصرنا على عدونا وأعزنا بنصر من عنده.

وما كتبه موشى ديان - وهو كاتب سيئ العبارة - لا يخلو من اعتراف صريح بعظمة المقاتل المصرى وروعة التخطيط وفداحة المفاجأة، فقال: "المصريون حاربوا حتى النصر، واستوعبوا السلاح الحديث والاستراتيجية الحديثة، وبعد أن ذاقوا لذة النصر فلن يعرفوا الهزيمة ".

يختتم السادات يومياته بعد أن حرر أرض مصر سلما وحربا، قائلا: " أثبتت الأيام بعد ذلك صحة كل خطوة خطتها مصر، وأعلنتها فى حينها بوضوح وشجاعة. فكانت غلطة مصر أنها سبقت زمانها، لأنها رأت الصورة أوضح قبل أن يدركها الآخرون ".

Katen Doe

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر والسعودية جناحا الأمة وركيزة استقرار الأمـن القـومى العربى

جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...

الاعتـراف بـ«صومالى لانـد».. حماقــة إسرائيلية جديدة.. والعواقب وخيمة

شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...

العالم يترقب طبول الحرب العالمية الثالثة والصين تتخلى عن هدوئها

السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...

وسط اشتعال الصراعات بين الأقطاب الكبرى.. حدث ضخم ينتظــر العالم

الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص