ملاحم العاشر من رمضان فى سينما تل أبيب

لم تغب عن شاشة السينما الإسرائيلية وقائع حرب يوم الغفران 73، التى تزامنت فى حينه مع يوم العاشر من شهر رمضان؛

 فلا شك أن السينما هى مرآة الشعوب، تعكس على سطحها الأملس تفاصيل الواقع، وتجسِّد على شاشتها ما يتوارى خلف الكواليس مهما طوته الأيام والسنون.. إلى جانب جرأة الأعمال التسجيلية الإسرائيلية، التى فنَّدت دعاوى غلاة الحرب، وأثبتت للداخل الإسرائيلى قبل خارجه تنكيل المصريين بالعدو فى يوم النصر العظيم، اعترف الإسرائيليون أيضًا وما زالوا عبر الأعمال السينمائية بالصدمة العنيفة التى تلقتها تل أبيب مع نهاية الثلث الأول من الشهر الكريم..

حتى وإن جنح صنَّاع الفن السابع فى الدولة العبرية إلى بعض من الزيف، وعمدوا إلى تعظيم يغاير الواقع لشخصية القيادة الإسرائيلية، فالندبة التى وصمت جبين المشاركين فى الحرب وغير المشاركين ما زالت باقية، وعجزت عن محوها – رغم مرور السنين – آلاف الدراسات، ولجان التحقيق، والمقالات.. الدرس كان موجعًا، والدراما كانت مؤلمة، والصفعة كانت قاسية.. ربما اختزلت السينما الإسرائيلية تلك المعاني، وعكست مرارة الحدث الجلل، لكن النتاج لم يقتصر فى إنتاجه على إسرائيل فقط، وإنما طال الولايات المتحدة، التى مدَّت يدها من أروقة هوليوود لتتعاون مع تل أبيب فى تجسيد الدراما السوداء على الجبهتين المصرية والسورية فى يوم النصر العظيم..

المثير أن سينما إسرائيل استبقت وربما تنبأت بالهزيمة فى العاشر من رمضان قبل اندلاع الحرب المعروفة بيوم الغفران، إذ عرضت فى يناير 1973 فيلم «شالوم»، الذى جسد حالة استهتار الشباب الإسرائيلى قبل اندلاع الحرب، وعزوفه عن الحياة الجادة فى تلك الفترة، وهو ما أدى إلى هزيمة الشباب ذاته فى الحرب التى تلت عرض الفيلم ببضعة أشهر فقط.. الفيلم جسده شاب إسرائيلى يُدعى «شالوم» يقيم فى تل أبيب وينحدر من أسرة برجوازية.

وبينما يصر والدا «شالوم» على تعليمه واستكمال دراسته الجامعية، يأبى الابن استكمال المشوار.. يمتلك الفتى «شالوم» سيارة «ستيشن»، اعتاد على مرافقة الفتيات فيها، إلا أنه يتعرف خلال سهراته اليومية على عدد من الفنانين والمثقفين، وتدور بينه وبينهم جولات من النقاش الحاد حول مستقبل إسرائيل خاصة السياسي، بالإضافة إلى موضوعات تتعلق بالحرب، والسلام، والمستوطنات، والأراضى المحتلة، والأغنياء، والفقراء.. فجأة يقرر الفتى المارق الهجرة إلى الولايات المتحدة، معربًا عن تمرده على الوضع فى إسرائيل، ونفوره من أوضاع بلاده المتردية.

«شالوم» عكس فى حينه حالة انعدام رضا شريحة المثقفين داخل إسرائيل عن الأوضاع السائدة ومنها بناء المستوطنات فى الأراضى العربية المحتلة بعد حرب 67، وإفراط المؤسسة العسكرية الإسرائيلية فى الثقة، وتلويح جنرالات جيش الاحتلال بأكاليل المجد الزائف؛ وربما كان كل ذلك سببًا مباشرًا فى هزيمة إسرائيل يوم العاشر من رمضان أمام المصريين والسوريين.

 الشتاء الأخير

ومن «شالوم» إلى فيلم «الشتاء الأخير» عام 1984، وهو إنتاج إسرائيلى – أمريكى مشترك، لعبت بطولته الممثلتان الأمريكية كاثلين كوينلين، والإسرائيلية يونا إليان. تدور الأحداث فى الفترة التى تلت اندلاع حرب أكتوبر 1973 (حرب يوم الغفران)، وتجسد القصة انشغال سيدتين - الأولى إسرائيلية والثانية أمريكية - فى البحث عن زوجيهما اللذين فقدا فى الحرب؛ وعلى خلفية قواسم الهدف المشترك بين السيدتين تنمو فيما بينهما علاقة صداقة وطيدة.. يلقى الفيلم على مدار أحداثه الضوء بكثافة على يأس وإحباط عائلات المفقودين فى الفترة التى تلت الحرب عند محاولة الحصول على معلومات بخصوص الأبناء المفقودين.

بطلة العمل السينمائى الإسرائيلية يونا إليان جسدت شخصية «مايا عميال»، وهى صحفية تعمل بجريدة «يديعوت أحرونوت»؛ أما زوجها ديفيد الذى كان يؤدى الخدمة العسكرية خلال اندلاع حرب يوم الغفران فبات فى عداد المفقودين. قبل الحرب حملت «مايا» من زوجها لكنها قررت التخلص من الجنين، ورغم توتر علاقتهما على خلفية قرارها، إلا أنها تفقد القدرة على النوم من فرط الحنين لعودة زوجها المفقود.

فى مستهل أحداث الفيلم، وحين تدلف إلى منزلها فى تل أبيب، ترقب وفدًا مكونًا من ثلاثة أفراد فى الجيش الإسرائيلى يقوم بزيارة جارتها التى فقدت زوجها هى الأخرى، فيتملكها الذعر من إمكانية استقبال مثل هذه الزيارة لتلقى أخبار سلبية عن زوجها الغائب.

بطلة الفيلم الثانية كاثلين كوينلين جسدت هى الأخرى دور سيدة أمريكية تدعى «جويز كيلر»، تزوجت من إسرائيلى وأنجبت منه طفلًا يبلغ من العمر 10 سنوات. عاشت كيلر مع زوجها الإسرائيلى فى الولايات المتحدة، لكنه طار إلى إسرائيل فور اندلاع حرب العاشر من رمضان للمشاركة فى القتال. منذ ذلك الحين، اختفى أثر الزوج تمامًا، وأضحى هو الآخر من المفقودين.

 عائلات المفقودين

حملت كيلر طفلها وسافرت به إلى إسرائيل، والتقت وطفلها فور وصولهما مطار بن جوريون والدة زوجها وشقيقه. أوفد موظف فى سفارة واشنطن لدى تل أبيب الزوجة الأمريكية إلى وحدة البحث عن المفقودين، لتلتقى هناك عددًا هائلًا من العائلات التى تمر بنفس ظروفها، واكتشفت أنها تبحث مثل تلك العائلات عن رد من القيادة حول مصير فقيدها، لكن القيادة تعجز عن توفير أى رد باستثناء خبر قاطع تلقاه والد أحد المفقودين يؤكد مقتل الابن.

إلى المكان تحضر أيضًا الزوجة الإسرائيلية مايا، وحين يعرض أحد جنود وحدة المفقودين مقطع فيديو للأسرى، تمكنت هى وكيلر من التعرف على زوجيهما، لكنهما ولبالغ الدهشة أشارا معًا فى نفس الوقت إلى شخص واحد، وادعت كلتاهما أنه زوجها، وهو ما أدى إلى نشوب مشاجرة بينهما.

أملًا فى البحث عن معلومة، تزور كيلر مستشفى يتلقى فيه العلاج أحد زملاء زوجها فى الحرب، لكنها اكتشفت أنه يفقد القدرة على الكلام، وتبلغها زوجته بأنه يعجز عن التعرف على شخصيتها. أما مايا فالتقت هى الأخرى أرملة جندى فى حرب 1967 (الأيام الستة)، ودربتها الأخيرة على كيفية العودة إلى ممارسة حياتها الطبيعية. رغم غضب مايا من كيلر، إلا أنها تواصلت معها ونمت بينهما علاقة وطيدة على خلفية قواسم الألم المشتركة فيما بينهما. ذات يوم قررتا الانطلاق فى رحلة استجمام، ويصل الانسجام بينهما حد الاستحمام معًا وهما عاريتان فى حمام عربى (حمام شعبي)، واقتراب كل منهما للأخرى لدرجة الالتصاق!

 قائمة الأسرى

زارت كيلر ومايا مجددًا وحدة المفقودين للبحث عن اسمى زوجيهما فى قائمة الأسرى المقرر أن يتلوها القائد، والتى تضمنت 20 اسمًا من الأسرى الذين تبين أنهم أحياء لدى المصريين. تلاوة كل اسم تثير الفرحة لدى عائلته، وفى حين عثرت كيلر على اسم زوجها فى القائمة، لم تعثر مايا على أى أثر لاسم زوجها فى القائمة ذاتها.

وفى أحد المشاهد، يهبط الأسرى العائدون على سلالم الطائرة لتستقبلهم عائلاتهم، ليبدو زوج كيلر وهو مصاب بالاغتراب وفقدان أى شعور بمن حوله حتى هى شخصيًا، وبدا كما لو كان شخصا آخر، وهو ما أصاب الزوجة الأمريكية بالألم والحسرة. المثير أن كيلر سمحت لصديقتها مايا بقضاء ليلة واحدة فى أحضان زوجها! 

نتيجة للقاء، تحسنت حالة مايا النفسية وكذلك حالة زوج كيلر، وقررت الزوجة الأمريكية فى نهاية المطاف العودة إلى بلادها مع زوجها وطفلهما، لتكتب لها مايا رسالة فور الوصول، تشكرها فيها على سماحها بصداقتها والتعرف على زوجها. وتعترف فى الرسالة بأن الصداقة مكنتها من العودة إلى مسار حياتها الطبيعي. فى مشهد النهاية يرن جرس باب منزل مايا، وفى الخارج يقف جنديان وممرضة ليبلغوها الخبر المؤلم، وهو أن زوجها قد فارق الحياة.

ولم يستطع القائمون على العمل السينمائى الإسرائيلى – الأمريكى المشترك تجاهل مرارة الفقد التى خلفتها حرب العاشر من رمضان حين سقط مئات وآلاف الأسرى الإسرائيليين على الجبهتين المصرية والسورية، وهو واقع لم يتوقعه مهندسو الحرب فى تل أبيب حين استهانوا بقوة وكفاءة الخصم حين أصر على استرداد أرضه وكرامته من أيادى الغاصب والمعتدي.

 وقت الجد

ولا تقل الدراما السوداء فى فيلم «الشتاء الأخير» عن نظيرتها فى فيلم «وقت الجد»، الذى شارك فى بطولته الممثل الإسرائيلى آسى ديَّان حفيد وزير دفاع جيش الاحتلال موشى ديَّان.. الفيلم من إنتاج 1991، وأحداثه مستوحاة من الكتاب الإسرائيلى الصادر عام 1982 تحت عنوان «الصيحة الكبرى». وتدور قصته حول دفاع قائد إحدى فرق المدرعات الإسرائيلية عن نفسه بعد اتهامه بالإخفاق فى ميدان القتال، وتقاعسه عن إنقاذ قائد إحدى كتائبه خلال حرب العاشر من رمضان، 6 أكتوبر 1973 (يوم الغفران) ما أدى إلى مقتله. يصاب المتهم (بطل الفيلم) بأمراض نفسية بالغة التعقيد نتيجة لفرط التحقيقات والاتهامات. ويندرج العمل السينمائى فى إطار أعمال «جلد الذات» الذى خلفته صدمة حرب يوم الغفران.

تبدأ أحداث الفيلم بمشهد فى تل أبيب يجسد حفل توزيع الأنواط والأوسمة التذكارية على عائلات قتلى فرقة المدرعات الإسرائيلية الذين سقطوا فى حرب يوم الغفران. واعتلى المنصة قادة الفرقة فى حينه، وتلا كل منهم – ومن بينهم إيلى هانجفى (المتهم) – كلمات، تعدد مآثر وبطولات جنود الفرقة، الذين أوقفوا زحف السوريين فى هضبة الجولان خلال حرب يوم الغفران.

عندما يأتى دور عائلة قائد الكتيبة مودى بار أون لاستلام وسام باسم الفقيد، يتهم الأب قائد الفرقة إيلى هانجفى بالوقوف وراء مقتل ابنه، مدعيًا أنه تراخى لمدة تسع ساعات عن إيفاد فرقة لإنقاذ الابن بعد إصابته فى معارك الجبهة الشمالية خلال حرب يوم الغفران.

وفى حين ترفض عائلة القتيل استلام وسام فرقة المدرعات التذكاري، يتوجه المتهم هانجفى وسائقه خلال ساعات الليل إلى منزل عائلة القتيل لنفى الاتهامات عنه، لكنه يلقى استقبالًا فاترًا من أفراد عائلة القتيل، ما يضطره (على مدار أحداث الفيلم) إلى محاولة تبرئة ساحته، سواء أمام عائلة القتيل، أو أمام الرأى العام، بل وأمام نفسه أيضًا، لاسيما بعد وصول الأمر إلى توتر علاقته بزوجته «دانييلا».

وخلال مثول هانجفى أمام لجنة التحقيقات التى تشكلت لهذا الغرض، أكد أنه كلَّف فى حينه ضابط غرفة عمليات فرقته (نيدف) بسرعة إيفاد فريق إنقاذ لإخلاء القتلى والمصابين ومن بينهم مودى بار أون، وأنه لم يتابع يوميات الحرب بعد ذلك، نظرًا لانشغاله بسير العمليات القتالية.

لا يجد المتهم سبيلًا لتبرئة ساحته سوى شاهد وحيد وهو ضابط غرفة عمليات الفرقة (نيدف)، لكنه يكتشف أن الأخير يغيب تمامًا عن الوعى نتيجة لإصابته هو الآخر فى الحرب. يتوجه المتهم هانجفى إلى المستشفى الذى يتلقى فيه (نيدف) العلاج، ويحاول مع طاقم الأطباء إعادته إلى الوعى وانتشاله من حالته النفسية السيئة حتى أن طاقم المستشفى استدعى راقصة شرقية لإضفاء أجواء مبهجة حول (نيدف)؛ ولكن دون جدوى.

وأمام انسداد الطرق لتبرئة هانجفي، يعيش ظروفًا نفسية عصيبة، ما يضطره إلى ترك منزل أسرته، واستئجار شقة ليدير منها حملة تبرئة ساحته.. فى نهاية المطاف يموت الشاهد الوحيد (نيدف) ليدرك هانجفى أن وفاة الأخير هى نهاية القضية بالنسبة له، فيعيش حالة انكسار نفسي، لكن زوجته «دانييلا» تعود إليه لمواساته فى محنته.

 صمت الأبواق

تزامنًا مع مرور 30 عامًا على حرب العاشر من رمضان، وتحديدًا عام 2003، قام المنتج الإسرائيلى ريكى شالح بإنتاج فيلم «صمت الأبواق».. الفيلم مستوحى من كتاب «المراقب الذى غلبه النعاس» للبروفيسور الإسرائيلى أورى بار يوسف؛ وتدور أحداثه حول كواليس ما جرى لدى المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، لاسيما لدى وحدة أبحاث هيئة الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش الإسرائيلى خلال الأسبوعين اللذين استبقا اندلاع الحرب.

ووفقًا لسيناريو الفيلم، تمسكت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) بتصور يدور فى فلك نظرية ضعف مؤشرات اندلاع الحرب، وانعدام قدرة المصريين على شن حرب ضد إسرائيل. كما اشتملت مشاهد الفيلم على جوانب من مداولات لجنة «أجرانات»، التى جرى تشكيلها بغرض البحث والتحقيق فى ملابسات الهزيمة الإسرائيلية.

ورغم حالة السخط التى انتابت المستويات السياسية والعسكرية فى إسرائيل، إلا أن الفيلم حاز جائزة أكاديمية التليفزيون للفيلم التليفزيونى كأفضل فيلم لعام 2004؛ وفى 12 أكتوبر من العام ذاته، جرى عرض الفيلم فى مكتبة الكونجرس الأمريكى أمام أعضاء الكونجرس والعاملين فيه، بالإضافة إلى عرضه أمام قاعدة كبيرة من الجماهير العريضة فى الولايات المتحدة.

 حالة ذعر

وفى تعليقه على أحداث الفيلم، يرى الناقد الإسرائيلى روجل ألبير أنه رغم أن «صمت الأبواق» عمل جيد، ويمتاز بتسلسل أحداثه وروح الدراما العالية الكامنة بين مشاهده، لكن ما أذهل المشاهدين فى الحقيقة هو درجة الواقعية؛ فالفيلم يستعرض صدمة يوم الغفران بكل ملابساتها وينتهى بإطلاق صافرات إنذار الحرب، ورنين الهواتف التى خلقت فى حينه حالة من الذعر لدى كافة الأوساط الإسرائيلية، والصدمة العميقة التى بدت على ملامح رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية (أمان) الجنرال إيلى زعيرا.

وحسب المقال النقدى المنشور فى صحيفة «هاآرتس» العبرية بتاريخ 2 أكتوبر 2003، استهدف الفيلم فى مضمونه العام تجسيد ذروة الصدمة الإسرائيلية، ولعل هذه الذروة هى البطل الحقيقى للفيلم. ويؤكد الناقد الإسرائيلى أن الصدمة التى يدور الحديث عنها هى فى الواقع حقيقة تاريخية، وهى الحقيقة التى تجعل المشهد الأخير فى الفيلم أكثر واقعية وتعطيه تأثيرًا مختلفًا.

لكن القائمين على العمل أخفقوا فى تجسيد دقة الواقع لأن الصدمة كانت فى حقيقة الأمر أعنف وأكثر ارتجالًا من أى وصف، وربما اعترف صناع الفيلم بذلك حتى قبل المشهد الافتتاحى للفيلم، إذ ظهر على الشاشة نص يقول: «الفيلم مستوحى من شخصيات وأحداث واقعية، لكن لا ينبغى أن يُنظر إليه على أنه استنساخ دقيق للواقع».

علاوة على ذلك، حسب مقال الناقد الإسرائيلي، فإن المبدعين «ظلوا مخلصين للإطار العام للأحداث»، لكنهم «سمحوا لأنفسهم بالحرية الفنية فى تجسيد الأحداث والشخصيات». تتجلى هذه الحرية فى الفيلم، لأن الواقع الذى يقدمه تم تجديده، فأصبح أوضح وأكثر تخطيطًا من الذى حدث على الأرض، حسب تقدير روجل ألبير.

 أصدقاء الحرب

من «صمت الأبواق» إلى «الغفران»، وهو فيلم إسرائيلى إنتاج 2000، تدور أحداثه على خلفية حرب أكتوبر 1973، المعروفة إسرائيليًا بـ«حرب يوم الغفران»؛ وهو مستوحى من تجربة مخرجه الإسرائيلى عاموس جيتاي، الذى كان قد أدى خدمته الإلزامية جنديًا برتبة رقيب فى وحدة «أجوز» الخاصة. خلال الحرب لم يتمكن جيتاى من الانضمام إلى وحدته، واضطر للخدمة الاحتياط فى وحدة الإنقاذ التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي. مثَّل الفيلم إسرائيل بمهرجان «كان» السينمائى عام 2000، وحصل مخرجه عاموس جيتاى على جائزة باسم «فرانسوا شاليه» (François Chalais)، بالإضافة إلى جائزة «أوفير» الإسرائيلية لأفضل موسيقى تصويرية. 

يجسد الفيلم اندلاع حرب «يوم الغفران» والمشاهد الميدانية بمنظور صديقين شاركا فى الحرب، هما وينرويب وروسو؛ ويتميز العمل السينمائى بشخصيته الوثائقية.. فى مستهل مشاهد الفيلم يترك البطل وينرويب فراش حبيبته ليشق مع صديقه روسو طريقهما فى سيارة إلى الجبهة السورية للانضمام إلى وحدتهما الخاصة «أجوز»، ويشرعان فى خدمة الاحتياط؛ إلا أنهما فشلا فى العثور على الوحدة ذاتها فى ساحة المعركة، فاختارا الانضمام إلى فريق وحدة الإنقاذ المحمولة جوًا، وجرى إرسالهما على الفور فى مهمة إنقاذ.. خلال عمليات الإنقاذ، يتعرض وينرويب وروسو لمواقف بالغة الصعوبة، وأخرى غير واضحة المعالم (سريالية)؛ وفى ذروة الأزمات التى تعرضا لها تتعرض مروحية طاقم الإنقاذ لقصف مباشر بصاروخ سوري، ويتم نقلهما من مرتفعات هضبة الجولان السورية إلى مستشفى فى العمق الإسرائيلي.

سيناريو الفيلم الذى يحتوى على نصوص قليلة للغاية، يصف تجربة القتال فى ظروف بالغة الصعوبة وتحت ضغط؛ ويتناول أيضًا العلاقات بين الأصدقاء والتعامل مع الخوف وصعوبة ترك الجرحى والموتى فى الميدان. مع مرور وقت القتال، يتحول حماس الصديقين وينرويب وروسو فى القتال إلى يأس وإحباط لدرجة أن الجنديين تطلعا إلى وسيلة لإخلائهما من ساحة الحرب لاسيما بعد تعرضهما لأذى وتنكيل بالغين.

ينتهى الفيلم بنفس مشهد البداية، حيث شوهد وينرويب وهو يغرق مع صديقته فى ألوان مائية زاهية أثناء تمددهما فوق فراش أبيض؛ وبدا المشهد كما لو كان هذا اللقاء شفاء للروح، بعد التعرض لويلات وعذابات ساحة المعارك على الجبهة السورية.

 أمانة الواقع

إذا كانت السينما الإسرائيلية قد جسدت ويلات وعذابات جيش الاحتلال خلال حرب العاشر من رمضان، فلا مانع من انحرافها وأخواتها فى الولايات المتحدة وبريطانيا عن أمانة رصد الواقع، لاسيما إذا كان مؤلمًا ويتعلق الإخفاق فيه بشخصية القيادة الإسرائيلية؛ فحين يدور الحديث حول جولدا مئير رئيسة وزراء إسرائيل حينئذ، لا مانع من تعداد «مرثيات البطولة»، والتغافل فى المقابل عن منعطفات بالغة التعقيد؛ ربما تعيد صياغة ملامح الشخصية الكاريزماتية، التى انهارت أمام شهواتها فى مطبخ منزلها الشهير؛ ونزعت عنها قناع المرأة القوية، حين أوشكت على الانتحار ثانى أيام حرب العاشر من رمضان؛ وألقت بها فى قالب وحشي، زادها قربًا من تبنى «خطة شمشون» حبيسة الأدراج، أوشكت فيها على إطلاق سلاحها النووى على جبهات عربية، نكَّلت بجنودها فى «يوم الغفران».

فيلم «جولدا» الذى رأى النور خلال العام الجارى 2023، انتجته الولايات المتحدة بغرض «تجميل» سيرة جولدا مئير الذاتية حتى وإن تعارضت «عمليات التجميل» مع الواقع المحذوف قسرًا من السيرة الذاتية.. فيلم «جولدا»، أو Golda، هو عمل سينمائى أمريكى للمخرج الإسرائيلى جى نتيف؛ أما الانتاج والسيناريو، فيحملان توقيع السيناريست البريطانى الشهير نيكولاس مارتن؛ بينما تجسد دور جولدا مئير النجمة البريطانية أيضًا هيلين ميرن.

من خلال تلك الثلاثية، كان من الممكن الانكشاف على مضمون العمل المثير، حتى قبل إطلالته على شاشة العرض الخاص؛ فالعمل الذى جرى تصوير مشاهده فى الولايات المتحدة وبريطانيا، رعاه المخرج الإسرائيلى جى نتيف، المقيم فى الولايات المتحدة، والذى يتوق أكثر من غيره إلى تجسيد أجواء أحداث، تعود فى تاريخها إلى سنوات عمره (48 عامًا)؛ وليس ثمة شك فى انضمامه هو الآخر إلى «معسكر تأليه جولدا»، ووضعها فى صفاف الصفوة، وصهر صورتها فى قالب فولاذي، يعكس بأدوات الإثارة السينمائية شخصية القائد الإسرائيلي!

أما المنتج والسيناريست البريطانى نيكولاس مارتن؛ فيعى جيدًا نفوذ أدوات الضغط الإسرائيلية فى هوليوود، ويضمن بمنظور «التاجر» ترشح الفيلم لأكثر من جائزة عالمية، حتى قبل ظهوره إلى النور؛ ولعله كان مصيبًا فى ذلك إلى حد كبير، حين اشترت شركتان أمريكيتان فى 14 يوليو 2021 حقوق عرض الفيلم وتوزيعه، حتى قبل الانتهاء من تصويره. 

 أضلاع المثلث       

بينما ينحصر ثالث أضلاع العمل السينمائى فى البطلة هيلين ميرن، البالغة من العمر 76 عامًا، والتى أبدت ولاء لجولدا مئير وإسرائيل أكثر من المخرج الإسرائيلى نفسه؛ ولا يدلل على ذلك أكثر من توقيعها، وعدد من نجوم الولايات المتحدة وبريطانيا نهاية أكتوبر الماضى على خطاب مفتوح، يدعم المشاركة فى مهرجان تل أبيب الدولى لسينما المثليين TL Vfest. وفى الخطاب الطويل والمفصَّل، أعربت ميرن والموقِّعون معها عن «الرفض التام لكافة محاولات مقاطعة المهرجان الإسرائيلي، الذى يمنح منصَّة لحياة المثليين على مستوى العالم، ويسعى لخلق عالم وردى لتلك الشريحة». 

إذا كان ذلك كذلك، فلم يقترب صُنَّاع فيلم «جولدا» من جوانب بعينها فى حياة رئيسة الوزراء، لتنعدم بذلك أمانة التأريخ، خاصة إذا اقترنت بحدث مفصلى فى حياة بطلة العمل الحقيقية، وهو حرب «يوم الغفران»؛ ذلك أن معطيات واقع جولدا حينئذ، تغاير تمامًا ما أعاد جى نتيف، ونيكولاس مارتن، وهيلين ميرن، تصديره لجماهير العالم.  

قطعًا، لم يتطرق العمل والقائمون عليه إلى شهادة المؤرخ الإسرائيلى عامى دور أور، الذى أكد ضعف وانهيار جولدا مئير خلال حرب أكتوبر 73، واعترافها هى ذاتها لاحقًا بالإقدام على الانتحار نهاية ثانى أيام الحرب؛ وحول ملابسات اعترافها بوضع حد لحياتها، قال المؤرخ الإسرائيلى ذاته فى مقاله المنشور بموقع «NFC» العبري: «بعد حرب أكتوبر بثلاث سنوات، جلست جولدا إلى العميد إفنار شيلو، مدير مكتب رئيس الأركان دافيد أليعازر خلال الحرب، وقصَّت عليه حالتها حين أبلغها موشى ديَّان بإقبال إسرائيل على «خراب ثالث للهيكل»، واقتراحه الانسحاب من قناة السويس، والتمركز عند خط دفاعى جديد فى منطقة مضائق ميتلا والجدي. وقال ديَّان نصًا: «بين تل أبيب وأبوعجيلة فى سيناء، لا توجد حتى دبابة إسرائيلية واحدة». حينئذ، قالت جولدا: «الآن لابد من الانتحار»؛ لكن تطمينات دافيد أليعازر، حدت بها إلى التراجع. 

 قرار النووى

قولًا واحدًا، لم يجرؤ كاتب سيناريو «جولدا» على تجسيد اعترافها فى سيرتها الذاتية «حياتي» بدراما لقاء، جمعها بوزير الدفاع موشى ديَّان يوم السابع من أكتوبر 73 أو الحادى عشر من رمضان، قالت فيه نصًا: «دخل ديَّان مكتبى تمام الساعة الثالثة عصرًا. أغلق الباب، ثم انتصب أمامى سائلًا: عساك تريدين إقالتي؟ فقلت له: ولن أندم على ذلك أبدًا؛ لكن عليك مواصلة مهام منصبك فى هذا الوقت العصيب».

حتمًا أيضًا، لم يجنح خيال مخرج «جولدا» ورفاقه إلى مجرد تلميحٍ لأسباب تراجع تل أبيب عن وحشية قرار استخدام النووي، لوقف زحف الجيشين المصرى والسورى فى سيناء والجولان؛ إذ تشير الوقائع، التى وثقتها فى حينه مجلة «التايم» الأمريكية، إلى تراجع جولدا مئير عن قرارها، بعد تهديد الاتحاد السوفييتى بإرسال رؤوس صواريخ نووية لمصر عن طريق البحر، وتركيبها على صواريخ «سكود» السوفييتية، لردع جولدا وإثنائها عن تفعيل «خطة شمشون» النووية.

صندوق أسود

ما لا يقبل الشك أبدًا، هو تفادى القائمين على العمل السينمائى ذاته، تجسيد شخصية شولاميت ألوني، عضو الكنيست، وقطب حزب «العمل»، حين كانت جولدا مئير تتولى منصب أمين عام الحزب؛ ولن يعود استبعاد ألونى إلا لسبب واحد فقط، وهو أنها كانت «صندوق أسود» لعلاقات جولدا الخاصة، وقصص «العشق الحرام» التى أدارتها رئيسة الوزراء الراحلة فى مطبخ منزلها، الكائن فى 8 شارع البارون بتل أبيب؛ فخلال جلسة سمر على هامش مداولات الكنيست، كشفت شولاميت ألونى عن أنها كانت صاحبة ابتكار مصطلح «المطبخ السياسي»، تهكمًا على اعتياد جولدا اصطحاب أعضاء مجلسها الوزارى للشئون السياسية والأمنية فى جلسات دورية بمنزلها، وكانت تعد بنفسها مأكولات خفيفة ومشروبات لضيوفها.

ورغم أن ألونى ألمحت بـ«أسلوب خبيث» إلى ما كان يجرى على هامش تلك الاجتماعات، لكنها كانت أكثر مباشرة، حين كشفت عن جانب خفى من حياة جولدا الخاصة، وعادت بذاكرتها، حسب صحيفة «هاآرتس» إلى عام 1968، وهى الفترة التى تزامنت مع نهاية فترة رئاسة الرئيس الإسرائيلى زلمان شيزر، واجتماع إحدى لجان الكنيست لاتخاذ قرار حول ما إذا كان من الممكن تمديد فترة رئاسته، أو اقتراح مرشح آخر للمنصب. ومن مقعدها البرلماني، قالت ألوني: «اقترح ترشح جولدا مئير لمنصب الرئيس، خلفًا لـ شيزر». لكن رد فعل جولدا كان مفاجئًا، حين أطلقت حممًا بركانية من الغضب، وصلت حد تعنيف ألوني: «كيف تجرئين على المساس بشخص شيزر، وتطالبين بتصعيدى لخلافته فى المنصب؟!».. إلى جانب ألونى كانت تجلس عضوة الكنيست دبورا نيتسر، التى لم تتوقف عن وخز ألونى فى فخذها، لتتوقف عن الكلام، وتتراجع عن طرح اقتراحها؛ لكن ألونى لم تستوعب، وسألت نيتسر عن سر وخز فخذها طول الوقت؛ فتلقت جوابًا قاطعًا: «ما تجهلين، هو أن جولدا عشيقة شيزر منذ فترة ليست بالقصيرة».

 براعم الرومانسية

لكن ما لم تعلمه نيتسر وكذلك ألوني، هو تعدد علاقات جولدا مئير منذ أيام الصبا؛ حتى أن معد سيرتها الذاتية ميرون مدزيني، رصد بداية علاقاتها غير المشروعة منذ عام 1922، مشيرًا إلى أنها حتى لم تهتم بوجود زوجها موريس إلى جوارها فى كثير المواقف من هذا النوع؛ فعندما رافقها فى أحد مؤتمرات «حركة الكيبوتسات» بمستوطنة «دجانيا» التعاونية، لاحظ الزوج إعجابها البالغ بديفيد ريمز، وهو أحد مؤسسى منظمة العمال الإسرائيلية، المعروفة بـ«الهستدروت».

وحسب مؤلف سيرتها الذاتية: «تجاهلت جولدا تمامًا وجود زوجها موريس؛ فعلى هامش المؤتمر، نمت أولى براعم حياتها الرومانسية، وتبلورت معها قصة عشقها الصاخب لـ ديفيد ريمز، وأصبح الأخير صاحب الكلمة الأولى والأخيرة فى حياتها، وصاغ جانبًا كبيرًا من شخصيتها؛ حتى أن نجلها عازف آلة التشيلو الموسيقية مناحم مئير، اعترف بعلاقات والدته مع أكثر من شخصية، لكنه توارى خجلًا، ونفى أن تكون هذه العلاقات رومانسية. فى المقابل لم ينكر مناحم مئير علاقات والدته مع ريمز وكذلك شيزر؛ وذهب إلى أبعد من ذلك، بإدراج عدد آخر من الرجال فى حياة جولدا الشخصية، من بينهم: يعقوب حزان، أحد قادة حزب «مبام»، وزلمان آران القيادى البارز فى الحزب ذاته.

وفى تقريره المنشور بصحيفة «هاآرتس» بتاريخ 25 أغسطس 2011، لم ينكر الكاتب الإسرائيلى أمنون بارزيلاي، أن تولى جولدا مئير رئاسة وزراء إسرائيل، تحكمت فيه ظروف سياسية داخلية، ليس لها أية علاقة بمؤهلاتها القيادية؛ لدرجة حرضت تحليلات سياسية وعسكرية فى تل أبيب على اعتبار رئاسة جولدا مئير للحكومة فى حينه، كانت «قصورًا» لا يقل فى خطورته عن «قصور» المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية فى إدارة حرب أكتوبر 73. ويميل قطب حزب العمل، الدبلوماسى الإسرائيلى المخضرم يوسى بيلين إلى هذا الرأي.

Katen Doe

محمد نعيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر والسعودية جناحا الأمة وركيزة استقرار الأمـن القـومى العربى

جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...

الاعتـراف بـ«صومالى لانـد».. حماقــة إسرائيلية جديدة.. والعواقب وخيمة

شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...

العالم يترقب طبول الحرب العالمية الثالثة والصين تتخلى عن هدوئها

السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...

وسط اشتعال الصراعات بين الأقطاب الكبرى.. حدث ضخم ينتظــر العالم

الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص