مخطط إسرائيلى لبناء بؤر استيطانية جديدة خارج فلسطين

دعوات تحرض المستوطنين على الهجرة من إسرائيل تقاطعت مع أخرى تدعو إلى الثبات والالتصاق بالأرض. واشتعل تناحر الفصيلين

فى أعقاب نتائج الانتخابات الإسرائيلية، التى أفرزت حكومة من أقصى اليمين، أزعجت باتفاقاتها الائتلافية جانبًا من التركيبة السياسية، وفرضت على الواقع اقتتالًا واحترابًا غير مسبوقين.

بعيدًا عن توافق أو اختلاف الفصيلين وغيرهما مع أداءات حكومة «الليكود»، لفتت دعوات تفريغ إسرائيل من مستوطنيها انتباه المراقبين، لاسيما فى ظل مشاركة اليمين المتطرف فى الدعوات، وتبرير مشروعه غير المسبوق بتوسيع نطاق ما يوصف بـ«الحدود التقليدية للدولة العبرية»، والانفتاح جغرافيًا على محاور إقليمية جديدة، يمكن إدراجها مستقبلًا ضمن «دولة إسرائيل الكبرى». لكن ضلوع العلمانيين فى المشروع ذاته غاير نهج التوسع الاستيطاني؛ فإلى جانب قدومه من خارج إسرائيل، عزا القائمون عليه الخطوة إلى عزوف طوعى عن الاقتتال والاحتراب داخل إسرائيل، والابتعاد عن فوضى الخلافات السياسية، والنجاة من الظروف الاقتصادية العصيبة.

ورغم انتقادات الدعوة إلى الهجرة من إسرائيل، ووصم المشجعين عليها بـ«خيانة الحلم الصهيوني»، إلا أنها لاقت تجاوبًا من اليهود المتشددين دينيًا (الحريديم)، خاصة بعد الترويج لبناء بؤرة استيطانية فى جزيرة قبرص، اعتبرها الإسرائيلى المبادر للمشروع يوسف لاوفر مبررًا لتوفير ما أسماه بـ«حياة ومعيشة توراتية هادئة»، لاسيما أن الجزيرة على حد قوله، كانت مرشحة قبل الأراضى الفلسطينية لبناء وطن قومى لليهود. وفى حوار لموقع «سروجيم» العبرى ارتأى ممثل المشروع الاستيطانى أن قبرص ليست بمعزل عما يُعرف بـ«حدود دولة إسرائيل الكبرى» التى أدرج ضمنها - إلى جانب الجزيرة - سيناء، وجنوب لبنان، وجنوب تركيا، وشرق البحر المتوسط!

 شراء أو استئجار

مشروع لاوفر وقرنائه ليس جديدًا، وإنما سبق ودعت له دوائر استيطانية، واقترحت حينئذ استئجار أو حتى شراء سلسلة من الجزر المحيطة بجزيرة قبرص الأم وبناء نقاط استيطانية عليها؛ ودعا القائمون على الفكرة رجال الأعمال اليهود فى إسرائيل وخارجها إلى تمويل المشروع بغرض التوسع إقليميًا فى هيكل المصنع الاستيطاني.

ويرى لاوفر أن أوجه الشبه بين الاستيطان فى إسرائيل تضاهى إلى حد كبير الاستيطان حال تفعيله فى جزيرة قبرص أو إحدى الجزر المتاخمة لها شرق المتوسط، زاعمًا أن نقل جانب من المصنع الاستيطانى لا يعد انعزالًا عن إسرائيل وإنما امتداد جغرافى لسواحلها على شرق المتوسط، إذ لا تفصل بين المكانين سوى 45 دقيقة فقط بالطائرة، وادعى أن التعاليم التوراتية تلزم الاسرائيليين بالتوسع الجغرافى غربًا وليس شمالًا وجنوبًا فقط.

ودعا صاحب المبادرة المريبة إلى إحياء تاريخ الطوائف اليهودية التى كانت تستوطن قبرص فى الفترة ما بين 1883 حتى 1939، والتى كانت تتألف حسب زعمه من عشرات العائلات اليهودية. وأضاف: «يتذكر اليهود فى مختلف دول العالم جيدًا أن مؤسس الحركة الصهيونية تيودر هرتزل اقترح عام 1903 إقامة دولة يهودية فى أوغندا، إلا أن ما لا يعلمه أكثرية يهود العالم أن هرتزل وفى عام 1902 بحث عن قطاع أرض بالقرب من حدود الإمبراطورية البريطانية لتوطين اليهود، وشملت إحدى المحاولات طلبًا من حكومة بريطانيا باستيطان اليهود فى قبرص.

 إعلانات ممولة

الأكثر من ذلك أن المبادر للمشروع الاستيطانى الجديد وجماعته وزعوا إعلانات ممولة على مواقع التواصل الاجتماعى لتشجيع اليهود المتشددين (الحريديم) على الهجرة من إسرائيل إلى قبرص. ومن بين نصوص الإعلانات: «تبحثون عن حياة أكثر هدوءًا؟ حياة يهودية خالصة؟ قبرص هى المكان المناسب»؛ ولإثارة تشويق مستوطنى إسرائيل للفكرة بشكل أكبر، صمم القائمون على الإعلانات خلفيتها بجبال خضراء ومياه زرقاء وطبيعة خلابة من واقع الجزيرة القبرصية، بالإضافة إلى عبارات تدعو الإسرائيليين إلى الهجرة والعمل والاستيطان فى قبرص، فضلًا عن إشارات إلى انخفاض تكاليف المعيشة فى الجزيرة بنسبة تتراوح ما بين 30 إلى 40% مقارنة بواقع الحال فى إسرائيل.

ومن الداخل الإسرائيلى إلى خارجه، إذ دعت جماعة يهودية أمريكية جديدة تطلق على نفسها «الهجرة من إسرائيل معًا» إلى تهجير عشرات آلاف الإسرائيليين إلى الولايات المتحدة، وحددت الجماعة التى تتواصل مع الإسرائيليين افتراضيًا موجة الهجرة الأولى بـ10 آلاف إسرائيلي. وفى لقاء مع «معاريف» قال اليهودى – الأمريكى يانيف جورليك، وهو أحد أقطاب الجماعة الجديدة، وكان فى ماضيه ناشطًا محوريًا فى الاحتجاجات المناهضة لسياسات نتنياهو: «لا ندعو فقط لهجرة يهود إلى الولايات المتحدة، وإنما إلى دول أخرى فى أوروبا وأمريكا الجنوبية. فى ظل الحكومة الإسرائيلية الجديدة يجب على واشنطن فتح الأبواب أمام هجرة الإسرائيليين. هناك المئات والآلاف من العقول الإسرائيلية التى سأمت العيش فى إسرائيل وترغب فى الرحيل، وليس ثمة شك فى الإفادة الكبيرة التى تكتسبها الولايات المتحدة إذا سمحت لتلك العقول بالهجرة إليها».

 خراب جديد

أما رجل الأعمال اليهودى الأمريكى مردخاى كهانا، فخصَّص بالفعل قطعة أرض يمتلكها فى الولايات المتحدة، واقترح تحويلها إلى قرية تعاونية (كيبوتس) لاستيعاب المهاجرين الإسرائيليين، وقال إنه يعتبرها نواة لتجمعات استيطانية مستقبلية، لاسيما فى ظل اعتقاده بوقوف إسرائيل على أعتاب «خراب ثان للهيكل» المزعوم. وأضاف: «تجمَّع اليهود من مختلف مناطق الصراعات؛ فهاجروا من أفغانستان واليمن وغيرهما إلى إسرائيل. ليس من المنطق أن يعانى الإسرائيليون ما هربوا منه داخل إسرائيل، لاسيما فى ظل حكومة جديدة تتعمَّد الصدام مع كافة تيارات الداخل والخارج، وتشعل بسلوكياتها فتيل أزمة قد تصل بين يوم وآخر إلى مواجهة مسلحة».  

كان طبيعيًا أن تثير دعوات هجرة الإسرائيليين المسعورة سخط المعسكر الصهيونى الكلاسيكي، لاسيما أنها تتعارض ومبدأ الثبات والالتصاق بالأراضى المحتلة تحت أى ظرف؛ وانبرت الصحف المحسوبة على المعسكر ذاته، خاصة «يسرائيل هايوم» فى نشر مقالات لوأد الفكرة وإحباط المحرضين عليها. وتحت عنوان «نداء أخير لأصحاب قرار الهجرة من إسرائيل»، كتبت الصحفية الإسرائيلية ميخال أهارونى مقالًا بالصحيفة ذاتها، جاء فيه نصًا: «يمكنكم استقلال أية طائرة غدًا والهبوط بها فى دولة أقل تكلفة فى المعيشة وأكثر أمنًا، فهناك العديد من البلاد الأكثر جمالًا من إسرائيل، لكنكم ستواجهون صعوبة فى توفير شيء واحد لن تحصلوا عليه فى أى مكان خارج إسرائيل وهو الانتماء».

 دغدغة المشاعر

وبأسلوب بلاغى يتجاهل الأزمة ويركز فقط على دغدغة المشاعر وإثارة الحنين، رأت أهارونى فى مقالها: «إذا كان أصحاب قرار الهجرة من إسرائيل ينتمون إلى سن الشباب، فالرحلة والمتاع الذى يحملونه لن يكون ثقيلًا، أما إذا كانوا من كبار السن فلن يستطيعوا ولادة أنفسهم من جديد فى طابور الأوربيين أو الأمريكيين. الأقلية فقط هى التى يمكنها تغيير جلدها بجلد جديد، وذلك إذا تجاهلنا غياب معية الأهل والأصدقاء والآباء والأمهات بعد تقدمهم فى السن».

لم تقتصر محاولات إحباط فكرة الهجرة من إسرائيل على المقالات الصحفية، وإنما تجاوزتها إلى إصرار جيل الصهيونية الكلاسيكية فى الولايات المتحدة على «منع الكارثة الوجودية» حسب تعبير «يسرائيل هايوم»، وتصدر أبناء هذا الجيل عميل الموساد الإسرائيلى السابق اليهودى الأمريكى سيدنى أبرامز، الذى قرر فى سن الـ96 عامًا الهجرة من الولايات المتحدة إلى إسرائيل والاستيطان فى مدينة القدس المحتلة، واعتبر الخطوة واجبًا قوميًا يهدف إلى إسناء الإسرائيليين عن الهجرة إلى «الشتات». كان طبيعيًا أن يتعامل الإعلام والصحافة الإسرائيلية مع أبرامز على أنه بطل قومي، وخصص له مساحات واسعة على متن الصفحات والقنوات؛ واستبقت «يديعوت أحرونوت» الجميع بإجراء حوار مطول معه فور وصوله إسرائيل. وفى سياق حديثه، أوكل سيدنى أبرامز إلى نفسه مسئولية إحباط مشروع الهجرة من إسرائيل؛ وعدَّد ما وصفه بـ«عناء الجيل القديم لبناء الوطن من خلال تهجير يهود العالم إلى إسرائيل»، وأشار إلى أنه لن يسمح وأبناء جيله بتحطيم ما أسماه «ثوابت الحلم الصهيوني».

 	محمد نعيم

محمد نعيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر تعيد لم شمل أهالى غزة بعد فتح الجانب الفلسطينى من معبر رفح

تسهيلات لعودة من خرجوا من القطاع للعلاج

7 محاور أساسية لتحسين أوضاع المواطنين.. ضمن أهداف الحكومة الجديدة

3 لقاءات للرئيس مع «مدبولى» قببل التعديل الوزارى وبعده لتحديد أولويات المرحلة الجديدة زيارة مسئول الاستخبارات الروسية للقاهرة خلال التعديل...

مصر وتركيا..شراكة استراتيجية لتوحيد جهود حماية الاستقرار ودعم القضيةالفلسطينية

خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى

إنذارات الرئيس «السيسى» للمتلاعبين فى القرن الأفريقى.. والطامعين فى دول الجوار

لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...