عندما وقعت حرب أكتوبر 1973، كان عمرى "خمس سنوات"، لكنها ظلت فى عقلى ووجدانى محفورة، لأن اثنين من شباب عائلتى استشهدا فى معاركها، وظلت حكايات الحرب المجيدة حية فى
عندما وقعت حرب أكتوبر 1973، كان عمرى "خمس سنوات"، لكنها ظلت فى عقلى ووجدانى محفورة، لأن اثنين من شباب عائلتى استشهدا فى معاركها، وظلت حكايات الحرب المجيدة حية فى التليفزيون والإذاعة والكتب المدرسية، وكان من أبطالها "عبدالعاطى" الجندى الذى حطم كل النظريات العسكرية، وجعل "الإنسان" أقوى من "الدبابة"، فهو استطاع تدمير "23دبابة" إسرائيلية، بالصاروخ "فهد"، وهو سلاح روسى، استخدمه الروس فى الحرب العالمية الثانية، ولما استطاع أحد جنودهم تدميرسبع دبابات بهذا الصاروخ، خلدوه وأقاموا له تمثالا فى الميدان الأحمر فى "موسكو" عاصمة بلادهم، لكن "عبد العاطى " الفلاح، حقق أضعاف ما حققه الجندى الروسى فأبهر الروس والأمريكان وأذل قادة إسرائيل وعاش فى قلوب المصريين.
هو"محمد عبد العاطى عطية شرف"، من مواليد "شيبة قش"، مركز"منيا القمح" بمحافظة "الشرقية"، فى" 15نوفمبر1950"، حصل على شهادة "دبلوم الزراعة" المتوسطة، ثم التحق بالخدمة العسكرية فى "25 نوفمبر 1969"، وخدم فى "الكتيبة 35 مقذوفات موجهة مضادة للدبابات "، ثم ألحق ليكون "حكمدار طاقم صواريخ مالوتيكا "فهد" باللواء "112" بالفرقة " 16" مشاة، الجيش الثانى الميدانى.
وبطولته المسجلة فى وثائق حرب أكتوبر"تدمير23 دبابة باتون وسانتوريون وشيرمان، و3عربات مجنزرة، وترك الخدمة العسكرية فى "1 من سبتمبر 1974"، وكرمته القوات المسلحة بمنحه "وسام نجمة سيناء"ومنحته الجماهيرية الليبية وسام "الشجاعة"، وعمل فى إدارة التقاوى بالإدارة الزراعية بمنيا القمح، وحصل أثناء العمل بالإدارة على بكالوريوس الإرشاد الزراعى، وترك وراءه ذرية مكونة من ثلاثة أولاد وبنت واحدة.
هذه هى المعلومات المتاحة عن "البطل المصرى المقاتل محمد عبد العاطى"،أما حكاية موته، فهى حكاية مؤلمة، فالذى حدث هو أننى كنت فى مقر"مجلة الإذاعة والتليفزيون" فى "مبنى دار الهلال" وكنت أتصفح جريدة "الجمهورية"، فقرأت فى "ذيل الصفحة الأولى"بحروف صغيرة، خبر وفاة "صائد الدبابات"، فى مستشفى "منيا القمح العام"، وحزنت لمصيره، فهذا البطل، عاش تجربة بلدياته الزعيم "أحمدعرابى"، عاش التكريم، ثم عانى الإهمال، فالذى حدث مع "عبدالعاطى" عقب حرب أكتوبر، هو أن وزيرالحربية" المشير أحمد إسماعيل" انتدبه ليفتتح معرض "الغنائم" الذى نظمته القوات المسلحة فى أرض المعارض بجزيرة الزمالك، وكانت لفتة طيبة من القائد العسكرى الكبير، الذى جعل "الجندى" يتقدم ويقص شريط افتتاح المعرض الذى احتوى الأسلحة التى غنمها جنودنا من جيش العدوفى حرب أكتوبر، وهو اعتراف بأن "الجندى" هو صانع النصر، وتوالى التكريم، فقد دعى "عبد العاطى" ليشهد حفل تكريم قادة القوات المسلحة فى مقر"مجلس الشعب" عقب انتهاء الحرب، وارتدى البدلة العسكرية المخصصة للحفل، ووقف وصافح الرئيس السادات والرئيس الليبى معمر القذافى، وأجرى الصحفيون المصريون معه المقابلات والحوارات، ونشرت على صفحات "مجلة المصور" و" الأخبار"، وغيرهما من الصحف المصرية، وأجرى معه الإذاعى "عادل جلال" لقاء إذاعيا ضمن برنامج "حديث الذكريات "لإذاعة صوت العرب"، وطلب المستمعون العرب إذاعة اللقاء، وأعيدت إذاعته عدة مرات، وقام محافظ أسوان بتكريمه، وقام محافظ "الشرقية" بتكريمه فى مسقط رأسه "شيبة قش"وكذلك فعل محافظ "الدقهلية "، وكرمته المملكة السعودية، وقدمت له دعوة لأداء فريضة الحج على نفقة "الحرس الوطنى"السعودى، وكان فى استقباله " الأمير عبد الله بن عبد العزيز"ـ قائد الحرس الوطنى ـ ولما هاجمه المرض فى عهد "حسنى مبارك" قائد الطيران فى حرب أكتوبر، لم يلق العناية ولا الرعاية التى تليق ببطولاته، ولما مات فى "مستشفى منيا القمح " نشرت الصحف خبر وفاته "فى ذيل" الصفحات، وهذا ما حدث مع "أحمد عرابى"، الذى تزعم ثورة الشعب المصرى ضد القوى الأوربية، وجمع الجيش والشعب تحت قيادته، وأطلق عليه الناس لقب "أميرالمؤمنين"، ولما فشلت الثورة، صدر حكم ضده بالنفى إلى "سيلان"، وقضى تسعة عشر عاما، غريبا، منفيا، ولما مات، نشرت الصحف خبر وفاته فى "ذيل الصفحات " وقالت "مات عرابى صاحب الفتنة المعروفة".
وللتاريخ أقول، إننى لما قرأت خبر وفاة "عبدالعاطى" "صائد الدبابات" منشورا بهذه الطريقة المهينة، قررت أن أدافع عن الرجل وكتبت مقالة "حوالى 400كلمة"، وأعطيتها للكاتب الصحفى "أكرم القصاص" الذى كان يشرف على صفحة "الجورنالجية" فى جريدة " العربى" الناطقة بلسان حال "الحزب العربى الناصرى"، ونشر القصاص المقال، فى مكان ظاهر على الصفحة، وشعرت يومها بأننى انتصرت للبطل رحمه الله.
ولكن علينا أن نتوقف أمام قصة "البطولة" الخارقة للقوانين والخارقة للعادة، وأصل هذه البطولة كامن فى "شيبة قش"، تلك القرية التى ولد على أرضها "عبدالعاطى"، فهى حاملة جينات الشجاعة، فالشرقية تجمع "العرب" و"القبط" منذ زمن قديم، فيها "القتال" و"الخضرة"، القتال مهمة قديمة للعرب، و"الخضرة" عشق قديم لدى "القبط"، فأصبحت "الشرقية" بوابة، تدافع عن "مصر" ضد الغزاة، وهذا جعل أهلها مثلهم مثل أهل "سيناء وبورسعيد والسويس والإسماعيلية" يدافعون عن "الوطن" ويدفعون الضريبة راضين، ولكن "الشرقية" التى كان رجالها أصحاب دور مهم فى مهاجمة "معسكرات الإنجليز" فى الفترة التى سبقت "ثورة 23 يوليو1952"، ذاقوا مرارة الألم، لما قامت طائرات "العدوالإسرائيل" بقصف "مدرسة بحر البقر الإبتدائية " أثناء "حرب الاستنزاف" فقتلت ثلاثين تلميذا، فأوجعت قلوب الأمهات فى مصر كلها، وحاولت إسرائيل تضليل العالم فقالت إن المدرسة كانت تستخدم فى العمليات العسكرية، وهذا كذب إسرائيلى معتاد، لم يصدقه العالم، لكن "الشراقوة " ازدادوا إصرارا على الثأر، وفى هذا المناخ، تشكلت عقيدة البطل "عبدالعاطى"، وكان المصريون جميعهم يحملون رغبة فى الثأر من العدو الغادر، الذى جنى "النصر" المجانى فى "5 يونيو 1967"، ولكن رجال العسكرية المصرية، كانوا على مستوى الأمانة، فردوا الصاع صاعين للعدو فى الأيام التالية لليوم الحزين "5 يونيو" ودافعوا عن شرف العسكرية المصرية، فى "جزيرة شدوان" وغيرها، من المعارك التى أثبت العسكريون المصريون بها شجاعتهم وقدرتهم على التصدى للعدو والموت فى سبيل تحرير الأرض.
وفى أرض التدريب، سخر القادة العسكريون كل ما لديهم من قدرات لإعداد الجنود ليوم المعركة الكبرى، وعقب أن تولى "الفريق محمد فوزى" "منصب وزير الحربية" ومعه "الفريق عبد المنعم رياض" "منصب رئيس الأركان" رأت "إسرائيل" صورة أخرى للعسكرية المصرية، لم ترها من قبل، صورة ظهر فيها " الجندى الفلاح"، الذى يعشق أرض بلاده وبداخله عقيدة أساسها الموت فى سبيل الدفاع عنها، ولعل ما ذكره الكاتب "أحمد عطية الله" فى كتابه "صائد الدبابات " الذى صدر عن "الهيئة العامة للكتاب 2009" يقدم صورة لما كان يجرى داخل الوحدات العسكرية المصرية أثناء الإعداد لمعركة العبور: فى أحدالمشاريع الخاصة بالرماية فى أوائل العام 1972، بين كتائب الصواريخ الخمس، أبلى "عبدالعاطى" بلاء حسنا منا هومتوقع، حيث تمكن من إصابة هدفين خلال هذه المسابقة، أحدهما ثابت، والآخر متحرك، وكان ذلك سببا فى رفع درجة كتيبته مع زميله "شحته الهابط"، وكان نتيجة هذا الأداء الطيب أن أعطى قائد الكتيبة "المقدم عبد الجابر أحمد على" تعليماته لباقى ضباط الكتيبة بمعاملة "الرقيب أول عبدالعاطى"معاملة الضباط، بحيث يكون تحت الإشراف المباشر لقائد الكتيبة فى كل ما يتعلق بالإجازات والمكافآت.
ولو تأملنا هذه الفقرة، سوف نجد أن "الفريق سعد الدين الشاذلى"و"الفريق عبد المنعم رياض" و"الفريق محمد فوزى"، وكل القادة الذين جهزوا القوات المسلحة للمعركة الكبرى، يطلون من بين سطورها، لأن الفلسفة التى قامت عليها معركة العبور كان ملخصها "العرق فى التدريب يوفر الدم فى المعركة"، فأصبحت "التدريبات" المستمرة، هى الشغل الشاغل للقادة و الجنود، وكان الاهتمام بالجانب المعنوى للجنود، قاعدة أساسية من القواعد التى تم تطبيقها، وهذا واضح فى حياة الجندى "محمد عبدالعاطى" أو"عبدالعاطى"، فقد ترقى إلى أعلى درجة يسمح بها القانون العسكرى المصرى"وكيل رقيب أول" وهو الأمر الذى سمح له بالانطلاق فى التدريب واكتساب المهارت، وما قام به "المقدم عبد الجابر" من إصدار أوامره بمعاملة "عبد العاطى" معاملة الضباط، كان تطبيقا للفلسفة ذاتها، فلسفة الاهتمام بالجندى، ليعطى كل ما لديه، دفاعا عن الوطن، وكانت تلك النظرية أوالفلسفة المتطورة، سببا فى تسابق "الجنود" على التعلم والترقى فى ميدان التدريب، وكانت السنوات الست التى سبقت "حرب العبور" كافية لخلق شخصية وطنية مصرية، قادرة على تخطى محنة الهزيمة، إلى النصر، وكان "عبد العاطى" وغيره من الجنود الذين دافعوا عن الوطن هم الرجال الذين استحقوا ما قاله "أحمد فؤاد نجم" فى الأغنية التى تغنت بها "سعاد حسنى" تكريما لأبطال النصر"دولا الورد الحر البلدى، دولا خلاصة مصر ياولدى".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
د. جمال زحالقة: إسرائيل تخطط لترحيل أهالى الضفة الغربية إلى الأردن.. والموقف المصرى أفشل تهجير سكان غزة ديمترى دليانى: إسرائيل...
أبعاد الصراع بين إثيوبيا والصومال بالبحــر الأحمر فى هذا التوقيت
الأقمار الصناعية رصدت الكارثة
محاكمة المتورطين فى أزمة الدواجن جنائياً.. خطوة على الطريق