آية عبدالرحمن… بين عاصفة الجدل وصلابة المهنية

لم يكن ظهور الإعلامية آية عبدالرحمن على شاشة التلفزيون حدثًا عابرًا خلال السنوات الماضية. فمنذ لحظة انطلاق تجربتها المهنية، قدّمت نفسها كإحدى أبرز الوجوه التلفزيونية المنتمية إلى مدرسة الأداء الرصين،  التى تراهن على حضور الكلمة وعلى عمق المعلومة ومع ذلك، وجد اسمها نفسه خلال الأسابيع الماضية وسط دوامة من الجدل عقب تقديمها برنامج "دولة التلاوة"، وهو العمل الذى حاول إعادة الاعتبار لفن التلاوة المصرية ورموزه الكبار، قبل أن يتعرض لانتقادات واسعة امتدّت إلى مقدمته ذاتها.

 

لكن بعيدا عن الضجيج المفتعل وبعيدا عن ردود الفعل التى تحركت أحيانا تحت تأثير سوء الفهم أو اجتزاء السياق أو التحامل، تقف آية عبدالرحمن كنموذج لإعلامية شقت طريقها باجتهاد  ومهنية وصدق وثقافة لم تفقد اتزانها أو حضورها في كل حلقات البرنامج حتى الآن.

تنتمى آية عبدالرحمن إلى الجيل الجديد من الإعلاميات

المصريات اللواتى أعدن صياغة صورة المقدّم التليفزيونى فى العصر الرقمى. لم تعتمد على الصوت المرتفع أو الاستعراض أو الإثارة، بل اختارت طريقًا أكثر صعوبة: طريق المهنية المبنية على التحضير، والالتزام بالاتزان والرصانة، والتعامل مع المشاهد بوصفه مثقفا وفاهما ودارسا   لا مجرد متلقي فقط

تنقلت آية بين قنوات مختلفة قبل أن تستقر كإحدى الوجوه البارزة على شاشة قنوات «أون»، حيث تميّزت بإدارة الحوار والقدرة على تفكيك الموضوعات السياسية والاجتماعية، إضافة إلى حوارات إنسانية لاقت اهتمامًا واسعًا من الناس. ومع مرور الوقت، اكتسبت آية عبدالرحمن ثقة الجمهور، خاصة أن حضورها لم يكن مرتبطًا بصخب أو مشاهد مصنوعة أو مناقشة امورا بغرض صناعة زوبعة اعلامية بل  كانت تعمل فى هدوء وصمت تقدم المعلومه وتحلل القضية بكل حيادية

عندما أُعلن عن برنامج "دولة التلاوة"، كانت  الفكرة واحدة من أكثر المشروعات التلفزيونية التى  تسعى لاستعادة التراث الذهبى للمدرسة المصرية فى التلاوة القرآنية، تلك المدرسة التى خرج منها أعلام الترتيل القرآني المعروفين،هى محاولة للتأكيد على أن مصر

 

دولة التلاوة فقط يحتاجون إلى من يسمعهم

رغم أن البرنامج حظى بمتابعة واسعة فجأة  وجدنا حملة ممنهجة مم الهجوم ضد اية عبد الرحمن هذا الهجوم  لم يكن مرتبطًا بالمحتوى أو المعلومات أو صياغة الحلقات، بل كان موجهًا ضد وجود امرأة فى مقدمة برنامج يتناول التلاوة والقرّاء.

ظهرت تعليقات كثيرة تحمل نفس الفكرة:

"كان يجب أن يقدمه رجل… لا يصح أن تتحدث امرأة عن تاريخ القرّاء.. "الأولى أن يكون المقدّم رجل من أهل هذا الفن" وكان واضحا للجميع أن هذا الهجوم لم يكن لأسباب فنية ولا بحثية… بل كانت اعتراضًا على كسر صورة نمطية ظلت لسنوات طويلة مفادها أن مقدم هذة النوعيه من البرامج الدينية لابد أن يكون رجلا

 

معظم الذين هاجموا آية ركّزوا على سؤال واحد:

لماذا لم يقدم البرنامج رجلا بدلا من امرأة

لقد كان هذا المحور  هو المتسبب الأساسى فى موجة الجدل، وهو ما أدركه المشاهدون بعد أيام قليلة، ليبدأ تيار واسع فى الدفاع عن آية عبدالرحمن بوصفها مستهدفة وان هذا الهجوم غير منطقي وغير مبرر  ليبدأ

ومع سيل من الاشاده بها ودعمها هذا الدعم النابع من مصداقيتها التى شعر بها المتفرج ليس المصري فقط وانما العربي ايضا :

"الهجوم غير مبرر"…

"آية قدمت البرنامج باحترام شديد"…

"لا يوجد ما يمنع أن تقدم إعلامية برنامجًا عن التلاوة"…

"التاريخ ملك للجميع وليس حكرا على الرجال".

وظهرت تعليقات من سيدات مصريات اعتبرن أن الهجوم يتجاوز آية إلى فكرة مشاركة المرأة فى الأعمال المعرفية، وأن ما حدث يعكس ما تبقى من ميراث ثقافى قديم يحاول أن يفرض وصايته على الجميع

 كثيرون كتبوا مؤكدين أن البرنامج لم يتضمن ما يثير الاعتراض، وأن تقديم امرأة لعمل وثائقى عن التلاوة لا يقلل من قيمة التراث ولا من رموزه، وأن الإعلامية قدمت عملها باحترام شديد ومهنية واضحة، وأن الهجوم عليها شخصيًا لا يمت بصلة لمجال التقييم الإعلامى. وانتشرت رسائل دعم عديدة، من جمهور واسع يرى أن صناعةالاعلام لا تعترف بالجنس سواءكان رجلاام امراة

 الدكتورة مايا مرسى واحدة من أبرز الأصوات التى

 

دافعت عن آية عبدالرحمن، وكتبت منشورًا واسع الانتشار أكدت فيه أن ما تتعرض له الإعلامية "تنمر غير مقبول"، وأن تقديم امرأة لبرنامج مثل "دولة التلاوة" أمر طبيعى، لأن التقديم وظيفة إعلامية وليست وظيفة فقهية، وأن الهجوم عليها يعكس نظرة قديمة يجب أن تتغير، كما شددت على أن آية قدمت البرنامج بكل احترام ورقى، كان منشور مايا مرسى بمثابة نقطة تحول، إذ أضاء الجانب المسكوت عنه فى الجدل: أن القضية ليست برنامجًا، بل امرأة تُعاقَب فقط لأنها تقف أمام الكاميرا فى مساحة اعتاد البعض أن تكون للرجال.

فى ذروة الضجيج،  كانت آية عبدالرحمن ثابتة. لم ترد بانفعال، لم تدخل فى سجالات ، لم تحاول استرضاء ولا مواجهة أحد.  كأنها تقول للمشاهد إن المهنة أكبر من العاصفة، وإن التزامها بما تقدمه لا يتغير لأن البعض قرر أن يقف ضدها. هذا الثبات كان جزءًا أصيلاً من صورتها فى أذهان جمهورها الذين دعموها وطالبوها باستكمال مسيرتها الإعلامية سواء في تقديم دولة التلاوة أو غيرها من البرنامج وهو في نفس الوقت رسالة تأكيد على أن الاعلامي الجيد ورسالته باقية ولو كره المغرضون

Katen Doe

عرفة محمود

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - سوريا.. أزمات لا تنتهى

ما يجرى فى سوريا اليوم لم يعد حربًا تقليدية بقدر ما هو إعادة ترتيب معقدة لخرائط النفوذ ومحاولة تثبيت أمر...

حكايات عادية جداً- نوح «19» كن جميلًا

أنك مثقل، وأن الدنيا تشد ذراعيك لتوقعك فى فتنتها، أشعر بك، وأقدر الحيرة التى تعتريك، لكننى لابد أن أحدثك فى...

نحو الحرية - شكراً للرئيس

لا شك أن تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسى فى ملف الانتخابات البرلمانية يعكس إدراكًا واضحًا لخطورة هذا الاستحقاق، وأهميته فى...

حكايات عادية جداً - نوح «18» رجال عدوا البحر ما اتبلوا

عجبى على رجال عدوا البحر ما اتبلوا/ عدوه بحرده لا مالوا ولا ذلوا


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص