رغم أننى كنت قد عاهدت نفسى منذ أكثر من ربع قرن من الزمان على أن أبتعد عن مشاهدة أى شىء يتعلق بالحروب والحصار؛ بعدما عشت مأساة أطفال العراق فى ظل الحصار الأمريكى الذى
رغم أننى كنت قد عاهدت نفسى منذ أكثر من ربع قرن من الزمان على أن أبتعد عن مشاهدة أى شىء يتعلق بالحروب والحصار؛ بعدما عشت مأساة أطفال العراق فى ظل الحصار الأمريكى الذى استمر أكثر من عشر سنوات، ورأيت الأطفال يموتون من الجوع والفقر والمرض أمام عينى فى زيارتى المكوكية لبغداد ضمن لجنة التضامن مع أطفال وشعب العراق فى التسعينيات من القرن الماضى .ـ ناهيك عن ما عشته داخل ملجأ العامرية الذى قصفته أمريكا، بينما كنت أقوم بتسجيل أبشع ما يمكن أن يشاهده الانسان من مخلفات للموت بين أروقة الملجأ، تلفنى بقايا جلود الأطفال المتدلية من الحيطان كورق حائط، وتحاصرنى الجدران المطرزة بحدقات العيون، وتغطينى شعور الفتيات المتدلية مما تبقى من سقف الملجأ، وكل تلك المشاهدات التى سجلتها فى كتابى "فى العراق..الملائكة تموت".
أقول رغم قسوة ذلك كله، والذى ظل لسنوات طويلة لا يفارق أحلامى، ضبطت نفسى اليوم متلبسة بالجرم المشهود، أهرول مسرعةـ كمن أصابها مس ـ إلى قاعة المسرح الصغير بدار الأوبرا لمشاهدة العرض العالمى الأول للفيلم الروسى"يوميات الحصار" عن رواية "الحصار" لأولجا بيجولز، الذى عرض أخيرا بمهرجان القاهرة السينمائى فى دورته٤٢ ..فماذا عشت؟
أقول لكم ماذا عشت: ما يقرب من الساعتين وأنا مشدودة إلى مقعدى، لا.. الأصح مشدودة إلى الشاشة، فى رحلة قاسية صعبة تصطحبنى فيها الشابة"أولجا" عبر القصف والثلج والجوع والموت والمرض، ساعتان وأنا أعبر فوق جثث نحتها الموت تماثيل من الثلج، لقد ذكرتنى هذه المشاهد بما سبق وشاهدته فى مدينة "بومبى" الأثرية بنابولى الإيطالية، والتى دمرها بركان "فيزوفيو" قبل ألفى عام، حيث كنت أمشى بين جثث عائلات بأكملها حولتها حمم البركان إلى بشر متحجرين، ولكن فى حال مدينة ليننجراد تآمرت الطبيعة الثلجية القاسية فى أصعب شتاء يمر على المدينة ليننجراد؛ مع القوات النازية الألمانية ليسحقوا ما يقارب المليون إنسان ليستحيل البشر إلى تماثيل من الثلج وطعام لبشر يموت من الجوع والمرض أيضا!
هكذا هى الحرب، وهكذا هو فيلم "يوميات الحصار"، يوميات مدينة حطمت الحرب حياتها، مدينة ظلت تقاوم الحصار الأطول والأكثر شدة فى تاريخ البشرية كله أثناء الحرب العالمية الثانية، منذ 8 سبتمبر1941 وحتى 27 يناير 1944، حصار أذل شعبها بالجوع والمرض، فتردت المدينة فى هاوية الموت والتسول وأكل لحوم البشر، والمدينة هى ليننجراد أول مدينة روسية تحاصرها الجيوش الألمانية.. جيوش جائعة للمتعة والقتل.. ها هى الكاميرا تفتح عن احتفال ضابط ألمانى بزواجه على حدود المدينة المحطمة، وهدية الزواج لعروسه هى صاروخ تطلقه إلى المدينة فرحة بإنجازها القاتل!
ثم ها هى الشابة أولجا بيرجولتس كاتبة اليوميات، والتى عرفت الحصار والحرب معرفة وثيقة، تترك بيتها بعدما تصطحبنا فى رحلة شاقة لدفن زوجها الذى مات للتو من الجوع والمرض، عبر الممرات الثلجية، فى المقبرة الجماعية، ثم تترك كل شىء خلفها عدا قطعتى خبز، لتبدأ رحلة البحث عن والدها الطبيب الذى يعمل على بعد ما يقارب أربعة أيام مشيًا على الأقدام خلال أصعب شتاء فى الحصار،صقيع شديد.. 30 درجة تحت الصفر.. برد شديد.. لا إمدادات مياه ولا كهرباء.. لا وسائل نقل عام، حيث غمرت الثلوج المدينة وشلتها.. تقريبا لا يوجد مشاة فى الشوارع.
أولجا تصطحبنا فى رحلة قاسية وقد باتت على يقين من أنها ستموت قريباً من الجوع، تريد أن ترى والدها للمرة الأخيرة لتودعه وتطلب العفو منه، نمر بصحبة أولجا بمحن لا يمكن تصورها.. وأخيرًا تتمكن من الوصول إلى والدها، وبعد حوار حنينى واستثنائى معه، أدركت أولجا أن الطريق الطويل حتى الموت الذى مشت فيه ما كان إلا طريقا للحياة، وأن عليها أن تعيش لكى تساعد من هم على خط الموت.
هذا الفيلم عبارة عن ملحمة حصار، حيث يعبر الجمهور مع بطل الرواية المدينة بأكملها، ويلتقون بأشخاص مختلفين فى طريقها، ويواجهون الصعوبات، ويشاهدون الحالة التى وجد فيها لينينغراد وسكانها أنفسهم، حيث أكثر المشاهد المروعة للمشاة ذوى الوجوه الحجرية وهم يتجمعون فى معاطفهم يخطون فوق الجثث المتجمدة المتناثرة فوق الأرصفة.. ينزلق السكان اليائسون فوق الانجرافات الثلجية الهائلة ليأخذوا من الهياكل العظمية المثلجة كل ما يمكن استخدامه.. وفى الشوارع التى توقفت فيها جميع وسائل النقل العام، ها هن النساء يملأن الدلاء بالجليد الذائب من حفرة فى الثلج، فبعد استنفاد مخزون لينينغراد من الضروريات القليلة، يعيش ثلاثة ملايين من السكان على معظم الحصص الضئيلة.
قام المخرج "أندرى زايتسيف" باستخدام مؤثرات صوتية واقعية كخلفية، لكن الأصوات هى ضوضاء يبدو أنها تأتى من مسافة بعيدة، كما لو كانت فى حلم.. وعندما يتم جرف الجثث فى مقابر جماعية، نسمع تنهدات حزن مكتومة من الوجوه، لكن لا توجد كلمات..كل هذا يضفى شعورًا شبحيًا على المشاهد ناهيك عن كل تلك المشاهد باللونين الأبيض والأسود، التى تعكس صورة تحول مدينة فخمة متقشفة إلى مقبرة مغطاة بالثلوج من المبانى وحتى البشر، لقد قرأت كثيرا مذكرات شخوص ناجين من الحرب أو الحصار، ولكن يبدو أن قراءة قصص الناجين شىء، ورؤية كل ذلك على الشاشة شىء آخر، فقد نجح المخرج أندرى زايتسيف فى إعادة إحياء المدينة المحاصرة فى الفيلم بشخوصها الميتة والمريضة ومبانيها المتهالكة والمتفحمة، مستعينا فى ذلك ببعض المشاهد من الأفلام الوثائقية كوسيلة مرئية رئيسية فى لغة الفيلم، مما أضفى كثير امن المصداقيه والحقيقة،أما الممثلة"أولغا أوزولابينا"، التى لعبت دور البطوله، فقد ظللت بعد مشاهدة الفيلم لأيام أتساءل: كيف كان عليها أن تعيش طوال ثمانين يوما، بينما تحمل داخلها شخصا غير مستعد للعيش وتحمل فوق جسدها النحيل ملابس ثقيلة وصعبة؟
اعترفت أولغا أوزولابينا، بأنه كان من الصعب عليها الاستعداد للتصوير. لم تكن تعرف شيئًا عن الحصار، لذا قرأت المذكرات وشاهدت لقطات أرشيفية قبل التصوير. ولكن عندما تشاهد وتقرأ لمدة خمس دقائق ـ تقول أولجا ـ فإنك تصمت لمدة 30 دقيقة أخرى، لأنه ببساطة أمر لا يصدق. لقد جمعت بعض قصاصات الورق المنشوة، وألصقتها على الحائط فى غرفتى كخلفية حياتية، ولكن بحلول المساء؛ كنت أنسى كل شىء، لأن عقلى لم يستطع استيعابها.. ثم غطست بعمق مثل غواصة لمدة ثلاثة أشهر، ثم ظهرت مرة أخرى.
أما أولغا بيرجولتس الذى فاجأنا المخرج بصوتها فى نهاية الفيلم، فقد كانت بالفعل صوتًا للمواطنين المحاصرين داخل المدينة طوال سنوات الحصار بقراءة شعرها القوى وخطبها المتدفقة عبر موجات الراديو ومكبرات الصوت، التقطت بصدق الواقع الوحشى للحصار - بما فى ذلك الحياة والموت والمجاعة وأهوال الحرب، وعندما تحدثت بيرغولز إلى الناس عن الحصار على راديو لينينغراد ، تحدثت دون خوف من الرقابة. كل يوم، كانت تتخطى حدود ما يمكن قوله فى العلن.
واليوم وبعد وفاة أولجا بخمسة وأربعين عاما لا تزال ذكراها حية فى مقبرة تذكارية ضمن 470.000 من ضحايا حصار لينينغراد، حيث نقشت كلماتها على جدار أسمنتى: "لا أحد يُنسى ، لا يُنسى شىء".. بيرجولز أيضا لن تٌنسى.
نبضة مسافرة
لا يمكننا بالفعل العثور على معاناتنا.. لا مقياس ولا اسم ولا مقارنة.. لكننا فى نهاية الطريق الشائك، ونعلم أن يوم التحرير قريب.
قصيدة «يوميات فبراير» لأولجا بيرجولتس
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تُعد شعيرة الحج رحلة إيمانية تتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً، خاصة لكبار السن، مما يستوجب استعدادات طبية خاصة للوقاية من مخاطر...
ذهب بنفسه ليتابع عن قرب خطة تدمير خط بارليف ليسقط شهيداً بين جنوده ونحن نحتفل بسيناء علينا أن نحتفل بهذا...
ثمة بقعةٌ في هذا الكون، تقف شامخة كحارس التاريخ عند بوابة الشمس؛ تتجاوز بقدسيتها حدود الخرائط، وتعجز الأقلام عن وصفها...
فى كل مرة يثبت الجمهور أنه العنصر الأقوى.. الأوفى.. الأصدق.. لا يستفيد إلا بتلك الجرعة المعنوية التى يحصل عليها عند...