كواليس عرض بيان30 يونيو فى ماسبيرو

«يا حبيبتى يا مصر» كانت كلمة السر فى الإعلان عنه إبراهيم الصياد: تعرضنا للكثير من الضغوطات والتهديدات بالتصفية لكن لم نتأثر التليفزيون المصرى كان طرفا أصيلا فى المعادلة وصانعاً للأحداث

ليس هناك أجمل من الحرية، والانعتاق من الظلام، هكذا كان يحلم معظم الشعب المصرى إبان فترة حكم الجماعة الإرهابية، لذا كانت ثورته بمثابة اللحظة المضيئة التى أخرجته من رحم المعاناة إلى رحابة الحياة.. كنا مقبلين على منتصف عام 2013 وبلغت الأحداث ذروتها فى مصر منتظرين ما هو قادم، كان الجميع يلتف حول التليفزيون المصرى منتظراً لأى خبر عن الأحداث السياسية التى تمر بها مصر، فرئيس البلاد رفض إجراء انتخابات رئاسية مبكرة واشتعلت الأوضاع منذرة بحرب أهلية ما بين مؤيد ومعارض.

كانت برامج التوك شو على القنوات التليفزيونية الخاصة يتصدرها زعماء وليس مذيعين، يهتفون حتى الصباح عن نظام الإخوان ومشاكله وتحدياته وتأثيراته وانتقاداته، بلغ  تخوف الناس ذروته من اشتعال الموقف والخوف من حدوث فتنة فى مصر بين تيار وباقى الشعب، الشعب مسنود بقوته الجارفة، والتيار مسنود بميليشياته وأتباعه، و"حزب الكنبة" كما كان يطلق عليهم فى ذاك الوقت حول التليفزيون المصرى ينتظرون أى خبر من الجيش، كان هو الجهة الإعلامية الوحيدة مصدر الثقة بل ومطلعة على الأحداث، ووثيق الصلة بالدوائر الرسمية المصرية، خطا مفتوحا ما بين قيادة الجيش وتحديداً قطاع الأخبار بالتليفزيون المصرى، والمفارقة العجيبة أنه كان على رأس التليفزيون آنذاك وزير إخوانى هو صلاح عبدالمقصود، لكنه تولى المنصب وخرجت "مخالب" ماسبيرو معلنة العصيان، ساندة تاريخ وخبرة كفاءاته وحسهم الوطنى وقربهم من دوائر صنع القرار دائماً ومعرفتهم يعنى إيه دولة وطنية تحيط بها الأخطار من كل جانب وكأنهم جنود  فى الميدان لا يدافعون هنا عن أرض فقط ولكن يدافعون عن أرض وسماء وشعب وسمعة وعقول، ووقفوا وقفة رجل واحد منتظرين ما قد تسفر عنه قادم الأيام.

مع منتصف شهر يونيو 2013 كان الجميع فى حالة صمت، لكن الصوت الإخوانى وكل ما يتصل به عال ومرتفع ولا نبالغ إذا قلنا مغروراً، واثق أنه لن يحدث شىء بسبب الاعتراضات وأن ما يتردد عن القوى المدنية ما هى إلا زوبعة فى فنجان، لكن الحقيقة  أن الساحة السياسية شهدت اشتباكات حادة، وتعددت مشاهد الارتباك السياسى بسبب  إقرار الدستور وتشكيل المحكمة الدستورية العليا والتغييرات فى المؤسسات الحكومية بعناصر إخوانية موالية، وأمام تلك الممارسات نزل الناس إلى الشارع فى احتجاجات كبيرة، كانت العين على القوات المسلحة والسؤال: هل ستترك الناس يواجهون مصيرهم؟، كانوا يراقبون جلسات السيسى فى اللقاءات المختلفة وكيفية جلوسه وهل يبدو معترضاً على ما يحدث أم موافقا، مع من سيتعاطف: هل مع الشعب أم مع السلطة الحاكمة، حتى جاء يوم 30 يونيو وصدر بيان القوات المسلحة الذى بثه التليفزيون المصرى، وكان وصول شريط البيان للتليفزيون قصة، بدأت من وجود وزير إخوانى لوزارة الإعلام ومراقب من الرئاسة على مبنى ماسبيرو، ومع ذلك كان التواصل دائما بين إعلاميى وقياديى المبنى العريق والشئون المعنوية بالقوات المسلحة، استقبلت صفاء حجازى رئيسة اتحاد الإذاعة والتليفزيون وإبراهيم الصياد رئيس قطاع الأخبار شريط البيان، وسط حالة من السرية البالغة، كانت الإشارة لرؤساء القطاعات أنه فى حال وصول بيان شريط القوات المسلحة إلى التليفزيون سيتم بث أغنية "يا حبيبتى يا مصر يا مصر"، وما ان يسمعها رؤساء القطاعات حتى يتم بث موحد لجميع القنوات والإذاعات لبث البيان على كل قنوات وإذاعات اتحاد الإذاعة والتليفزيون.. كما يقول إبراهيم الصياد رئيس قطاع الأخبار آنذاك الذى أضاف: وصل الشريط الذى يتضمن بيان القوات المسلحة  فعلاً من الشئون المعنوية واتصلنا بدوائر مختلفة من الدولة، وعملنا وفق تقدير موقف يومى، وكانت الاتصالات مع كل مفاصل الدولة قد انقطعت منذ يوم 25 يونيو، وحدثت استقالات كثيرة من مختلف المناصب، ثم جاء بيان المهلة لمدة 48 ساعة لمحاولات حل المشكلة والتعقيدات التى تمر بها البلاد، وحين عرفت بالبيان أعطيت التعليمات بالبث فوراً، وبعدها وجدت اتصالاً من وزير الإعلام آنذاك يقول لى "إيه اللى على الهوا ده؟" قلت له بيان الجيش، فسأل كيف جاء؟، قلت له انت إزاى ماتعرفش؟" كانت كل قنوات الاتصال مغلقة بين مفاصل الدولة وكل يعمل مع نفسه فأعطانى مؤشرات على نهاية حكم الإخوان، وبما أننا تليفزيون الشعب كان انحيازنا لهذا الشعب والجماهير المنتشرة فى كل مكان خاصة حول المبنى، وجبت الشرعية الثورية وشرعية الميادين النظام الموجود.

وأضاف: تعرضنا لكثير من الضغوطات والتهديدات بالتصفية لكن لم نتأثر فكان المهم أن ننجح فى مهمتنا فقط، والسبب الرئيسى فى نجاحنا يومى 30 يونيو و3 يوليو هو التنسيق التام بين القيادات فى ماسبيرو، فقد اتفقت مع زميلى عادل مصطفى وكان رئيس قطاع الإذاعة وقتها أن تنضم القنوات والشبكات الإذاعية بمجرد سماع أغنية شادية "يا حبيبتى يا مصر" لأن هذا معناه أن شريط بيان الجيش قد وصل وسنذيعه فوراً، لأننا كنا محتارين هل سيكون بيان الجيش مسجلا أم سيكون على الهواء، وكنا قد أرسلنا عربية إذاعة خارجية إلى قصر القبة مقر الاجتماع بين القوى السياسية المصرية وكان من المحتمل أن يبث البيان من هناك، كان الاتصال مع الشئون المعنوية مستمرا،  وتلقيت اتصالاً فى التاسعة إلا ربع مساء وقال لى المصدر العسكرى إنه قادم للتليفزيون وانه على كوبرى أكتوبر بالعباسية فى اتجاه ماسبيرو ومعه الشريط فأبلغت رئيسة اتحاد الإذاعة والتليفزيون صفاء حجازى، وكان على الهواء المذيع عمرو الشناوى حتى يصل البيان، وقام الحرس الجمهورى بتأمين استديو الهواء قطعنا الهواء مع وصول رئيس الشئون المعنوية قطعنا البث وقمنا بإذاعة أغنية يا حبيبتى يا مصر فانضمت القنوات مثل الأولى والنيل للأخبار والنيل الدولية والقنوات المتخصصة وراديو مصر وكل الشبكات وقمنا ببث الشريط.

بعد إذاعة البيان مباشرة وجدنا العالم كله ينقل عن التليفزيون المصرى هذا الحدث، شعرت بالفخر وقلت لو لم أقم فى حياتى بغير هذا العمل لكفانى وكان شرفا لى، ومع هذا الوقت كنت قد قاربت على آخر مشوارى العملى والتقاعد استمريت فترة قصيرة للظروف التى مرت بها مصر ثم فضلت أخذ راحة، بعد فترة من العمل تحت ضغط فقد عانيت من عدم الثقة بين من يحكمون من الإخوان، فسكرتير الرئاسة لا يثق فى وزير الإعلام والعكس.

وجاء نص بيان يوم 30 يونيو: "شهدت الساحة المصرية والعالم أجمع أمس مظاهرات وخروجًا لشعب مصر العظيم، ليعبر عن رأيه وإرادته بشكل سلمى وحضارى غير مسبوق، لقد رأى الجميع حركة الشعب المصرى، وسمعوا صوته بأقصى درجات الاحترام والاهتمام.. ومن المحتم أن يتلقى الشعب ردًّا على حركته، وعلى ندائه من كل طرف يتحمل قدرًا من المسئولية فى هذه الظروف الخطرة المحيطة بالوطن.

إن القوات المسلحة المصرية كطرف رئيسى فى معادلة المستقبل وانطلاقًا من مسئوليتها الوطنية والتاريخية فى حماية أمن وسلامة هذا الوطن، تؤكد على الآتى:

  • إن القوات المسلحة لن تكون طرفًا فى دائرة السياسة أو الحكم، ولا ترضى أن تخرج عن دورها المرسوم لها فى الفكر الديمقراطى الأصيل، النابع من إرادة الشعب.
  • إن الأمن القومى للدولة معرض لخطر شديد إزاء التطورات التى تشهدها البلاد، وهو يلقى علينا بمسئوليات كل حسب موقعه للتعامل بما يليق من أجل درء هذه المخاطر.
  • لقد استشعرت القوات المسلحة مبكرًا خطورة الظرف الراهن، وما تحمله طياته من مطالب للشعب المصرى العظيم، ولذلك فقد سبق أن حددت مهله أسبوعًا لجميع القوى السياسية بالبلاد، للتوافق والخروج من الأزمة، إلا أن هذا الأسبوع مضى دون ظهور أى بادرة أو فعل، وهو ما أدى إلى خروج الشعب بتصميم وإصرار، وبكامل حريته على هذا النحو الباهر الذى أثار الإعجاب والتقدير والاهتمام على المستوى الداخلى والإقليمى والدولى.
  • إن ضياع مزيد من الوقت لن يحقق إلا مزيدًا من الانقسام والتصارع الذى حذرنا ومازلنا نحذر منه.
  • لقد عانى هذا الشعب الكريم، ولم يجد من يرفق به أو يحنو عليه، وهو ما يلقى بعبء أخلاقى ونفسى على القوات المسلحة، التى تجد لزامًا أن يتوقف الجميع عن أى شىء بخلاف احتضان هذا الشعب الأبى الذى برهن على استعداده لتحقيق المستحيل إذا شعر بالإخلاص والتفانى من أجله.
  • إن القوات المسلحة تعيد وتكرر الدعوة لتلبية مطالب الشعب وتمهل الجميــع (48) ساعة كفرصة أخيرة لتحمل أعباء الظرف التاريخى الذى يمر به الوطن الذى لن يتسامح أو يغفر لأى قوى تقصر فى تحمل مسئولياتها.
  • وتهيب القوات المسلحة بالجميع بأنه إذا لم تتحقق مطالب الشعب خلال المهلة المحددة فسوف يكون لزامًا عليها استنادًا لمسئوليتها الوطنية والتاريخية واحترامًا لمطالب شعب مصر العظيم، أن تعلن عن خارطة مستقبل وإجراءات تشرف على تنفيذها، وبمشاركة جميع الأطياف والاتجاهات الوطنية المخلصة، بما فيها الشباب الذى كان ولا يزال مفجرًا لثورته المجيدة.. ودون إقصاء أو استبعاد لأحد".
  • تحية تقدير وإعزاز إلى رجال القوات المسلحة المخلصين الأوفياء الذين كانوا ومازالوا متحملين مسئوليتهم الوطنية تجاه شعب مصر العظيم بكل عزيمة وإصرار وفخر واعتزاز.

ماهر عبدالعزيز رئيس راديو مصر آنذاك قال: توليت رئاسة راديو مصر مع وصول الإخوان للحكم، وقد كان عاماً سيئاً على الإعلام وبالجهود استطعنا الحفاظ على المحطة والخروج بها من تلك الأزمة.

وأضاف: كانت ثورة 30 يونيو انتصاراً من نوع غريب بالنسبة لى، ففى فترة حكم الإخوان حاولوا منع بث أغنيات النصر لعبدالحليم حافظ على راديو مصر، ورغم أنه كان موضوعا لعبدالحليم أغنيتين على مدار اليوم بسبب هذه التعليمات زادت لـ 12 أغنية، أغنية كل ساعة على مدار اليوم، وبعد أن قمنا بإذاعة بيان 3 يوليو احتفلنا مع اغنية عبدالحليم "الله يا بلدنا الله على جيشك والشعب معاه".. وتوالت الاتصالات على الاستديو وكأن هذه الأغنية أُنتجت من أجل هذه اللحظة، ثم استقبلنا إبراهيم الصياد رئيس قطاع الأخبار الذى نزل من الاستديو متجولاً فى كل قطاع، الأخبار المسموع والمرئى باتحاد الإذاعة والتليفزيون آنذاك، وأشاد بحسن الأداء والتمسك بالمهنية والحفاظ على المؤسسة الإعلامية الأهم فى الشرق الأوسط.

كان لدينا يقين أن الجيش لن يترك الأمور وسيتدخل فى اللحظة المناسبة، وحين دخل قائد الحرس الجمهورى يوم 3 يوليو المسئول عن تأمين مبنى ماسبيرو ورئيس أمن قطاع الأخبار تجمعنا حوله وسألناه عن الوضع قال:"لا تقلقوا جيشكم لا يأتى منه إلا الخير".

ويقول: انتظرنا بيان القوات المسلحة مثل الملايين فى الشوارع التى طالبت بإسقاط حكم الإخوان، مع رفض مطالب الشعب بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، انعقد اجتماع  القوى المصرية الذى حضرته كل القوى السياسية المصرية عدا الإخوان.

Katen Doe

أميرة حمدى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من اعلام

«الالتزام الأخلاقى» فى حديث شيخ الأزهر على الفضائية

قال خالد حجازى، مدير عام الإعداد والتنفيذ بالفضائية المصرية، إن القناة تعرض حلقات برنامج «حديث شيخ الأزهر» مع الدكتور أحمد...

صوت العرب تحيى ذكرى سيدة الشاشة العربية

وافق عبدالرحمن البسيونى، رئيس إذاعة صوت العرب، على خطة برامجية للاحتفال بعدة مناسبات خلال شهر يناير الحالى، منها إحياء ذكرى...

«الأهلى» و«يانج أفريكانز» مباشر على «أون سبورت»

أكد محمد الجوهرى، رئيس قطاع التليفزيون، أن شاشة أون سبورت ستنقل على التردد الأرضى مباراة الأهلى ويانج أفريكانز فى الجولة...

سميرة أحمد تهدى «نايل دراما» مسلسل «يا ورد مين يشتريك» للعرض فى رمضان

تلقت الهيئة الوطنية للإعلام وقناة نايل دراما من المنتج الكبير صفوت غطاس والنجمة الكبيرة سميرة أحمد إهداءً خاصاً لمسلسل «يا...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص