حامد جوهر: البحر موسوعة علمية تعلمت منها الصبر والمثابرة

فى حوار نادرعمره 35 عاما مع صاحب «عالم البحار» احترمت الدرفيل لأنه أذكى حيوان بحرى.. والأخطبوط يملك عقلا متطورا عروس البحر أطرف ما وجدت فى البحر الأحمر واكتشفت عدم انقراضها أبحث فى المرجان اللين منذ أكثر من خمسين عاما

الدكتور حامد جوهر أحد أهم رواد العلوم البحرية فى مصر والعالم العربى، أسس أول محطة لعلوم البحار فى أفريقيا والشرق الأوسط، وقدم برنامجه التليفزيونى الشهير "عالم البحار"، واستمر عرضه 18 عامًا، وارتبط الجمهور به، وبصوته الرخيم المميز فى التعليق على أفلام وثائقية حول مختلف الكائنات البحرية، مُعرفًا المشاهدين بالفصائل البحرية وعاداتها وصفاتها، فقد كرس جوهر حياته لدراسة أعماق البحر الأحمر وشواطئه فلقب بـ"ملك البحر الأحمر" وبفضل مساهماته العلمية والمحطات العلمية التى أسسها.

وُلد فى 15 نوفمبر 1907 فى القاهرة، وحصل على العديد من الجوائز والتكريمات ومن أبرز هذه الجوائز هى جائزة الدولة التقديرية فى العلوم عام 1974، ووسام الاستحقاق من الطبقة الأولى فى 1975، كما كان عضوًا فى جمعية علم الحيوان بمصر بعد تأسيسها فى 1958، وأصبح من الشخصيات البارزة التى ساهمت فى تطوير العلم والبحث العلمى فى مصر والعالم العربى، وبعد وفاته فى 1992 عن عمر يناهز 85 عامًا، قررت محافظة البحر الأحمر تكريمه عبر إطلاق اسمه على مدرسة إعدادية ومدرسة تجريبية فى مدينة الغردقة، إضافة إلى تسمية حى سكنى فى المدينة باسمه، كما أنشأت المحافظة متحف حامد جوهر للأحياء المائية فى معهد علوم البحار فى الغردقة، الذى يضم مقتنيات عدد من المعدات التى كان يستخدمها فى دراساته البحرية.

وقال الدكتور "حامد" فى حواره مع مجلة الإذاعة والتليفزيون بعددها رقم (2862) الصادر بتاريخ 20 يناير 1990: إنه من خلال برنامجه "عالم البحار" قدموا شریطا سینمائيا ملونا فى العالم للأحياء البحرية فى البحر الأحمر.. وبهذا الشريط سبقنا العالم بما لا يقل عن ٢٥ عاما من التقدم وعرضت هذا الشريط فى فرنسا وألمانيا والنمسا.. أجرت الحوار الكاتبة الصحفية دعاء السنجرى والتصوير لعادل غنيم، فإلى نص الحوار..

 هذا الرجل "ثروة بحرية" فبعد ستين عاما من البحث عن أسرار البحار، ومخلوقاتها يصح أن نطلق عليه هذا اللقب، فهو من العلماء المصريين القلائل فى علوم البحار، ويحمل برنامجه التليفزيونى الشهير "عالم البحار" صفة التفرد.. وقد كان الحوار مع د. حامد جوهر من أجل مزيد من المعرفة والتعرف واستشراف ما يراه عن مستقبل علم البحار فى مصر، وما يتمنى تقديمه للناس من قاع البحار والمحيطات.

 الجمهور يتابع باهتمام شديد برنامج "عالم البحار" الكل يتابع هذا البرنامج الناجح إلا أن الغالبية لا تعرف الكثير عن معد ومقدم البرنامج.. كيف استهواه عالم البحار؟

ـ بدأت حياتى بشكل عادى التحقت بكلية الطب بعد الانتهاء من المرحلة الثانوية، وفى العام الأول استهوتنى دراسة العلوم، فحولت مجدافى إلى العلوم، وفى مايو ١٩٣١ حصلت على الماجستير عن رسالة موضوعها "التشريح الدقيق وهستولوجيا الغدد الصماء فى الأرنب" وكانت أول رسالة تقدم لكلية العلوم لنيل درجة الماجستير منذ إنشائها، فدعانی أستاذی "أودلف نيف" لزيارة محطة الأحياء البحرية فى الغردقة، التى أنشأتها الجامعة بناء على توصية من الملك فؤاد، الذى كان مهتما بعلوم البحار إسوة ببعض الملوك، مثل ملك بلجيكا وامبراطور اليابان وأمير موناكو، حتى كان يطلق على أربعتهم "النادى الملكى لعلوم البحار"، وهذه الزيارة هى التى وجهتنى لدراسة علوم البحار.

 وكيف كانت بدايتك مع البرنامج؟

بدايتى مع البرنامج ترجع إلى وقت إنشاء التليفزيون، حيث كانت ترد له برامج من الخارج خاصة بموضوعات بحرية، وكانوا يطلبوننى للاطلاع والتعليق عليها وكان هذا يحدث من وقت لآخر، وبالتدريج تبلورت فكرة برنامج خاص عن عالم البحار، يقدم المعلومة والاكتشاف والأسرار للكبار والصغار وأذيعت أولى حلقاته عام ۱۹۷۳.

 هل هناك مقياس معين تختار على أساسه المادة العلمية التى تقدمها فى البرنامج؟

ليس لى خيار فى موضوعات البرنامج، لأنها تعتمد اعتمادا كليا على الشرائط التى يمكن الحصول عليها، ولكن موضوعات البحار ليس لها نهاية، وهى أضعاف الموضوعات البرية، ونحن اعتدنا الموضوعات البرية، ونستطيع أن نقدرها، ولكننا قد لا نتخيل الموضوعات البحرية، وما فيها من حشرات وحيوانات وغيرها، حبى للبحر أساس كل عمل أقوم به، وحياتى كلها تقوم على هذا الحب، فأنا مؤسس لمعظم الجمعيات العلمية البحرية، والبحر موسوعة علمية تعلمت منها الصبر والمثابرة والاعتماد على الطبيعة فى الدراسة، وتعلمت منه أن الله يخلق مالا تعلمون حقا، حيث اكتشفت فى البحر مخلوقات تتفق مع الأحياء الموجودة على الأرض فى أشياء كثيرة.. وهذه الأماكن بها مواد أبسط وصف لها أنها متناهية السمية، ومع ذلك تتغلب عليها هذه المخلوقات.

 تلاقيت بالطبع مع أشياء طريفة فى حياة البحار.. هل تحدثنا عنها؟

عروس البحر من أطرف ما لاقيت، حيث كان الظن يتجه إلى أنها انقرضت من البحر الأحمر، من مدة تزيد على 150 عاما، ثم حصلت على عينات منها فى يناير ١٩٤٢، ومن حسن الحظ أننى حصلت على عينات أخرى بعدها بعشرة أيام، وحاولت محاولات مضنية خلال ۲۷ شهرا، تمكن منى اليأس فيها، وكدت أتوقف عن البحث اعتقادا بأنها انقرضت بالفعل، حتى حصلت على ١٦عينة منها خلال ١٢ عاما، وأصبحت لدىّ المادة الكافية لكتابة بحث مطول عنها نشر عام ١٩٥٤، وقد اهتم المشتغلون بهذه النواحى بالبحث، وفى عام ۱۹۷۹ مهدت اليابان لمؤتمر "حماية عروس البحر من الانقراض"، وكنت أحد المشاركين فيه.

 ما أغرب الحقائق التى اكتشفتها خلال هذا العمر؟

اكتشفت حقائق كثيرة، من أهمها التعاون بين أحياء مختلفة، رغم العداء الطبيعى الذى يتحكم فى هذه الحيوانات، فالواحدة تعتبر فريسة للأخرى، ومع ذلك تعيش الفريسة مع المفترس، وتنشأ بينهما علاقة تعاونية، بحيث تحتمى الفريسة بالمفترس وفى مقابل ذلك تعاونه فى الحصول على غذائه، والسمكة الفريسة جميلة، والحيوان الذى تتعايش معه يسمى زهور البحر، وهو يشبه زهور شقائق النعمان.

 ما رأيك الصريح فى متاحف الأحياء المائية الموجودة حاليا فى مصر؟

ـ قضيت عمرى العملى فى محاولة نشر الأهمية الخاصة المتصلة بالمتاحف المائية، التى تتزايد كل يوم، ولم أتمكن من تحقيق جزء بسيط مما كنت أصبو إليه، ولحسن الحظ أن انتعشت دراسة علوم البحار فى جهات مختلفة فى الوقت الحالى، والكثير من تلاميذى الآن يقبلون على دراسة المتاحف المائية وكيفية إنشائها، وبالرغم من هذا، فمصر فى حاجة إلى مزيد من الاهتمام بهذه الناحية، إذا أردنا أن نساير الدول الأخرى المتقدمة فى هذا العلم لنحتفظ بما أنجزنا فى هذه الناحية، حيث إن مصر تعتبر فى مقدمة البلاد التى اهتمت بهذه العلوم وبعد أن أنشأت محطة الغردقة أنشأت معامل بحوث البحار فى الإسكندرية وصارت الآن معهدا، وأتمنى أن تعود مصر ضمن الدول العشر الأوائل فى العالم فى الاهتمام بهذه المتاحف.

 هل هناك أنواع من الأسماك انتقلت من البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الأحمر وبالعكس عند إنشاء قناة السويس؟

أسماك البحر الأحمر كلها تتبع أسماك المحيط الهادى، وأسماك البحر الأبيض تتبع أسماك المحيط الأطلنطى، وبفتح قناة السويس واتصال البحرين انتقل نوع من الجمبرى وأبو جامبو وأحياء كثيرة أخرى إلى البحر الأبيض المتوسط، ولكن العكس لا يحدث وربما بعد توسيع القناة وتعميقها قد يحدث.

 هل توجد فى مصر سفن مجهزة للبحوث العلمية؟

للأسف لا توجد رغم أن بلادنا كانت متقدمة جدا فى علوم البحار، وفى عام ۱۹۳۰بنيت سفينة خصيصا لبحوث علم البحار وكانت ذات تاريخ طويل وأعمال مهمة، وفى عام ۱۹۳۳ أرادت إنجلترا أن تقوم ببحوث فى المحيط الهندى وفى المناطق غير المطروقة بالسفن العادية ولم تجد من سفينة البحوث المصرية لهذا الغرض، واشتركت مع مصر فى هذا العمل، وخرجت السفينة (مباحث) إلى المحيط الهندى وعليها طاقمها المصرى، وظلت 9 أشهر حتى انتهت الأبحاث، وللأسف لا يوجد فى مصر الآن أية سفينة للبحوث العلمية البحرية، وفى عام ۱۹۸۱عقد مؤتمر فى الإسكندرية للاحتفال بمرور ٥٠ عاما على بناء سفينة (مباحث) فاقترحت على اللجنة التى شكلت لإحياء هذه الذكرى أن تثبت السفينة (مباحث) بساحل البحر، وإعدادها لتكون متحفا للدراسات البحرية فى مصر، واقتبست هذه الفكرة من زيارتى لسفينة فى اليابان كانت مركزا لقيادة قائد الأسطول اليابانى الأميرال (طوجو)، الذى انتصر على الأسطول الروسى فى إحدى المعارك، واحتفظت اليابان بذكرى هذا القائد بتثبيت سفينة للقيادة، وهى الآن متحف لهذا القائد وتلك المعارك ولبعض النواحى الأخرى المتصلة بالبحرية اليابانية، وكانت زيارتى لهذه السفينة أصل الفكرة ولكن بسبب الروتين ظلت (مباحث) فى مكانها إلى أن فضلت قاع البحر على الانتظار الطويل.

 ما الحيوان المائى الذى "احترمته" خلال رحلتك مع البحر؟

احترمت الدرفيل، لأنه أذكى حيوان بحرى تقريبا ويليه الأخطبوط لأنه يملك عقلا متطورا لدرجة كبيرة، وقارد على التعلم، غير انه غريب عن باقى الحيوانات المائية، وقد أفاد مع بعض أفراد رتبته عن الحيوانات فى اقتباس وسائل كثيرة انتفع بها الإنسان، ولم أكره أى حيوان مائى على الإطلاق، لأن لكل حيوان ناحية جمالية على الإنسان أن يقدرها وينتفع بها.

 وما أكثر الموضوعات التى أجهدتك فى البحث عنها؟

لم يجهدنى شىء، ولكنى أستطيع أن أتحدث عن أكثر الموضوعات التى شغلتنى، وهما موضوعان على وجه الخصوص: أولهما عروس البحر التى اهتم بها اليابانيون بناء على البحث الذى نشرته عنها، الذى أخذ منى ما يزيد على ١٨ عاما من البحث والجهد.. الموضوع الثانى نوع من المرجانيات اللينة الأصلية تفرز هيكلا جيريا صلبا يتبقى بعد موت الحيوانات نفسها، وتحلل الأنسجة الحية التى تكون الشعب المرجانية، وإلى جانب هذا، هناك أسماك أخرى تنتمى إليها، ولكنها لا تفرز هذا الهيكل.. وهذا هو الذى شغلنى طويلا، وكان البحث عن السبب صعبا، لأن الدراسات الموجودة عنها قليلة ونادرة، وعندما بحثت فيها ظهرت نواح كثيرة غريبة، استغرقت بحوثها الأول مدة طويلة، حتى أشبعت رغبة البحث عندى إلى حد ما وصلت من خلالها إلى أن هذه الحيوانات - لظروف عديدة- بدلا من أن تتغذى على أحياء أخرى أو نباتات أصبحت تربى بعض النباتات فى أنسجتها داخليا، حتى نشأت حياة تعاونية بين الناحيتين، فالنبات يحتمى بوجوده داخل أنسجة الحيوان التى تسمح بوصول ضوء الشمس بشكل مناسب لحياة النبات، كما أن النبات ينتفع بثانى أكسيد الكربون التنفسى للحيوان، وبإخراجات الحيوان أيضا التى هى سماد عضوى بالنسبة له، وفى مقابل ذلك يتخلص الحيوان بسرعة فائقة من فضلاته الضارة.

 وما الذى يشغلك الآن فى عالم البحار؟

تشغلنى أشياء كثيرة حاليا، أهمها التعايش بين الأحياء المختلفة وتغلبها على الظروف الشديدة، ووجدت أن هناك أنواعا مختلفة من التعايشات فى البحار عامة، كما اكتشفت تعايشات فى قاع المحيط الهادى على بعد ۲۲۰۰ متر، وفى فوهات دافئة تشبه الموجودة فى قاع البحر الأحمر، ويخرج من تلك الفوهات غاز كبريتيد الهيدروجين، وهو شديد السمية، وهذه الأحياء تغلبت على وجود هذا الغاز السام بل انتفعت به، إذ تمتص أنواعا من البكتيريا وتستعملها بدلا من طاقة الشمس للتمثيل الغذائى فيها، وتعايشت معها حيوانات وساعدتها فى الحصول على كبريتيد الهيدروجين بطرق متنوعة تختلف من حيوان الآخر، وفى نظير ذلك تمدها البكتيريا بكل المواد المغذية مثل السكريات والدهون والأحماض الأمينية لغذائها، ومن هذه الحيوانات ما يعتمد كلية على هذه البكتيريا، مثل المرجان اللين الذى أبحث فيه منذ ما يزيد على خمسين عاما.

 إذن.. ما أغرب بحار العالم؟

كل بحر يتمتع بنوع غرابة يختلف عن الآخر، وبوجه خاص ظهرت فى البحر الأحمر عيون حمراء على عمق يزيد على 400 متر، كما ظهرت فيه حمم بركانية تنفذ من عيون فى قاع البحر، ووجدت أيضا رواسب بها بعض الفلزات، مثل الحديد والنحاس والزنك والقصدير، وقد تجتمع هذه الأشياء ليصبح أغرب بحار العالم.

 ماذا ينقص البرنامج فى رأيك؟

ينقص البرنامج الكثير، فقديما قدمنا أول شریط سینمائی ملون فى العالم للأحياء البحرية فى البحر الأحمر، وبهذا الشريط سبقنا العالم بما لا يقل عن ٢٥عاما من التقدم، وعرضت هذا الشريط فى فرنسا وألمانيا والنمسا، وكان موضع إعجاب الكثيرين، وكانوا يتساءلون عن الوسائل التى استخدمناها لتصوير الفيلم، حيث لم تكن وقتها وسائل التصوير الحديثة أو الإضاءة تحت البحر ظهرت، وكنت أتمنى أن تستمر هذه الحالة من التقدم ولكن ظروف الحروب المتتالية عرقلت هذا التقدم.. وأتمنى أن نبذل مجهودا كبيرا فى إخراج الأفلام التى نصورها فى مصر بدلا من استيرادها، خاصة أننا نمتلك مادة هائلة فى البحر الأحمر، غير ان تصوير الحلقات فى مصر يجعلنا نتبع أسلوبا منظما فى عرضها، لأننا نحبس أنفسنا داخل موضوعات معينة، وهى الموضوعات التى تبعث إلينا دون أى حرية فى الاختيار.

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

أسامة عبدالمقصود
التليفزيون المصرى.. صـــــوت الشعب فى كل الأحداث
إذاعيون كبار صنعوا مجد الإعلام المصرى بالميكروفون

المزيد من اعلام

إذاعات وقنوات «الوطنية للإعلام» تتألق فى رمضان

والله بعودة يا ماسبيرو

بعد سنوات الصيام.. صحوة الدراما فى الإذاعة المصرية

المسلمانى: عودة محمد صبحى إلى ماسبيرو مبعث تقديرنا ومصدر سعادة غامرة استئناف الإنتاج الدرامى الإذاعى بالتزامن مع عودة الإنتاج التليفزيونى...

عبدالعزيز عبدالفتاح: نشاط برامجى على الإقليميات

قال د. عبد العزيز عبد الفتاح، رئيس شبكة القنوات الإقليمية، إن الخريطة البرامجية الرمضانية معدة في كل قناة بما يتناسب...

«ملوك الكلام» عن رواد الصحافة والأدب والإعلام

قال الإذاعى محمد عبدالعزيز، رئيس إذاعة القاهرة الكبرى: إن خريطة برامج رمضان تتضمن تقديم الموسم الثالث من برنامج «مليون علم...