«هنا القاهرة».. صيحة الإذاعة المصـرية التى شكلت الوجدان العربى

يحتفل الإعلاميون فى 31 مايو من كل عام بعيد الإذاعة المصرية، وذكرى انطلاق العبارة الشهيرة "هنا القاهرة"

 التى نطقها الإذاعى الرائد والفنان أحمد سالم، لأول مرة، عبر الميكروفون فى افتتاح الإذاعة عام 1934.. والاحتفال بهذا اليوم لا يكون ببدء الإرسال الإذاعى فقط، بل يحتفل كل الإعلاميين بذكرياتهم الجميلة داخل هذا الكيان الكبير "الإذاعة المصرية"، التى أسهمت فى تكوين وجدان المواطن المصرى والعربى، بكل ما قدمته من أعمال ستظل خالدة.

كانت الإذاعة بمثابة فرد من أفراد الأسرة المصرية، فرد محبوب يستطيع أن يحقق لباقى الأسرة كل متطلباتها، ويجعل الجميع فى حالة تشبع، وذلك من كثرة ما تقدمه من برامج وسهرات وحفلات، وتغطيات للأحداث المهمة فى تاريخنا.. كما كانت المرجع الذى يلجأ إليه الكثيرون لمعرفة كل ما يحدث فى الشارع المصرى والعربى، ولذلك أصبحت بمرور الأيام والسنوات إحدى أهم وسائل القوى الناعمة لمصر وصوتها المسموع فى الخارج.

إذاعات الهواة.. بث من شقق صغيرة وإرسال ضعيف

عرفت مصر الإذاعة فى مراحل متقدمة عن الدول العربية، وبالتحديد فى سنة 1925، أى بعد ظهور أول محطة إذاعية فى العالم بخمس سنوات، من خلال محطات أهلية يملكها بعض الهواة، وتعتمد فى تمويلها على الإعلانات التجارية.. ففى بداية مايو 1926 صدر مرسوم ملكى يحدد شروط استخراج تراخيص الأجهزة اللاسلكية طبقاً للاتفاقيات الدولية، وبدأت المحطات الأهلية تبث بالعديد من اللغات، كالإنجليزية والفرنسية والإيطالية.

كانت إذاعة مصر الجديدة أول إذاعة أهلية، وبعد عامين افتتحت محطة أهلية أخرى أوروبية هى إذاعة "سابو".. وفى عام 1932 افتتحت محطة راديو الأمير فاروق.. وفى الإسكندرية افتتحت إذاعتان أشهرهما "محطة راديو فيولا".. وكان يقوم على تشغيل هذه الإذاعات هواة، فاستخدموها كما يحلو لهم، فاستخدمها البعض فى الإعلان عن البضائع، وأيضا للرسائل الخاصة والموجهة إلى أصدقائهم، وحاولت الحكومة المصرية آنذاك تنظيم الإذاعات الأهلية والسيطرة عليها، وكان معظم أصحاب تلك الإذاعات من التجار الذين استغلوها للترويج لبضائعهم، وتحقيق الربح من وراء إذاعة الإعلانات التجارية، مثل "محطة راديو فؤاد" التى أنشأها عزيز بولس، و"محطة راديو فاروق" التى أنشأها تاجر أجهزة الراديو إلياس شقال.. كما كانت معظم هذه المحطات مملوكة بالشراكة لعدد من الأفراد، وكانت ضعيفة الإرسال لا تغطى أكثر من الحى الذى تذيع منه، ومعظمها أقيمت فى غرفة أو شقة صغيرة.

كانت الإذاعة تتعرف على رغبات مستمعيها عن طريق الخطابات والمكالمات، وكانت المحطات الإذاعية تُجيب طلبات مستمعيها فى التوّ واللحظة، ويتراوح إرسال معظم هذه المحطات الأهلية بين ساعتين و4 ساعات يومياً، سواء من خلال فترة إرسال واحدة أو فترتين.. وفى بداية مايو 1926 تزايدت التجاوزات الأخلاقية والأمنية وصدر مرسوم ملكى حدد ضوابط وشروط العمل الإذاعي، ومنها الحصول على ترخيص.

 مرحلة احتكار الإذاعة.. الحكومة تملك و«ماركونى» تدير

وافق مجلس الوزراء فى يوليو ‏1932‏ على أن تتولى شركة "ماركوني" التلغرافية اللاسلكية، كوكيل عن الحكومة المصرية، إدارة الإذاعة وتشغيلها‏ وصيانتها وإعداد البرامج والمذيعين‏.. وفى 29 مايو 1934 جرى إيقاف جميع الإذاعات الأهلية، والتعاقد مع "ماركونى" على إنشاء الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية، وبدأ العمل على إقامة محطات الإرسال والاستوديوهات الإذاعية‏‏ فى مبنى شركة ماركونى، فى شارع علوى خلف البنك المركزى‏، ونص العقد على أن تكون الحكومة هى المحتكرة للإذاعة، وأن الشركة موكلة من الحكومة المصرية فى إدارتها وإنشاء برامجها لـ10 سنوات قابلة للتجديد، وفى مقابل الإدارة تتلقى الشركة 60 % من حصيلة رُخص أجهزة الاستقبال.

أسست ماركونى 5 استوديوهات‏‏ إذاعية، وشهدت هذه المرحلة إشراف وزارة المواصلات على محطة الإذاعة، حتى إنشاء وزارة الشئون الاجتماعية فى 20 أغسطس عام ‏1939‏، وأصبحت الإذاعة إحدى إداراتها.. وفى ‏19‏ أبريل ‏1942‏ أصبحت الإذاعة تابعة لإشراف وزارة الداخلية، ‏ثم عاد الإشراف على الإذاعة لوزارة الشئون الاجتماعية، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية‏‏، على أن يبقى لوزارة المواصلات الإشراف على صيانة أجهزة المحطة، وإدارتها من الناحية الفنية، وتحصيل رسوم الرخص والتفتيش عليها‏، ونقلت تبعية الإذاعة المصرية بعد ذلك من رئاسة مجلس الوزراء‏‏ إلى وزارة الارشاد القومى فى 10 ‏ نوفمبر ‏1952.‏

وفى 15 فبراير ‏1958‏، صدر القرار الجمهورى رقم ‏183‏ لسنة ‏1958‏، باعتبار الإذاعة المصرية مؤسسة عامة ذات شخصية اعتبارية، وإلحاقها برئاسة الجمهورية‏. وأصبحت عام ‏1961‏ من أهم المؤسسات العامة ذات الطابع الاقتصادى وسميت‏ باسم "المؤسسة المصرية العامة للإذاعة والتليفزيون"،‏‏ وفى عام ‏1962‏ تم ضمها الى وزارة الإرشاد القومى.

ترأس لجنة البرامج الدكتور على إبراهيم، أشهر جراح فى مصر وعميد كلية الطب، وكانت الحكومة اختارات لعضوية اللجنة شخصيات من طراز رفيع من حيث مستواهم واستقلالهم الفكري، فكان الدكتور على إبراهيم ذواقا للشعر والموسيقى وصاحب مجموعة رائعة من اللوحات الفنية، وجاء العضو حافظ عفيفى وكان طبيبا وعالما وكاتبا، وترأس فى بعض الأوقات رئاسة اللجنة العليا للمسرح، ورئاسة البعثة الدبلوماسية فى لندن، وغيرهما من المناصب.. والعضو الثالث كان حسن فهمى وكان إداريا مشهورا من رجال الإدارة فى وزارة الداخلية ومتصلا دائما بالمجتمع المصري، وكان لهذه اللجنة دور كبير فى تدعيم الإذاعة المصرية ورسم خطاها ووضع خططها البرامجية.

بعد تعيين اللجنة التى ستتولى صنع البرامج وبثها من محطة الإرسال فى أبو زعبل، اختارت شركة ماركونى كبير صناع البرامج المدير العام "آرثر ديلاني" والمدير التنفيذى "روبين فيرنس"، ورشحا محمد سعيد لطفى، الذى درس التاريح فى أكسفورد خاصة التاريخ الإسلامى، وكان على حظ وافر من المعرفة بالأدب والفن، لمنصب صانع برامج الإذاعة.

تكون الفريق الأول للإذاعة وجاء كالآتى "مستر ستيوارت السكرتير العام، ومحمد سعيد لطفى رئيسا للقسم العربى، وآرثر ديلانى المدير العام، والبروفيسور فيرنس المدير التنفيذي، ومستر موجرج كبير المهندسين، وفاضل الشوا لقسم الأسطوانات العربية، وأحمد كمال سرور كمذيع، ومستر راسل كمهندس، وأحمد سالم كبير المذيعين، ومستر تشورليان للأسطوانات الأفرنجية، ومصطفى فهمى مساعد بالبرنامج العربى.

عندما أعلنت الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية فى صحيفة الأهرام عام 1933عن حاجتها إلى مذيعين بشرط أن يكونوا حائزين على درجة جامعية، تقدم للوظيفة ما يقرب من الألفى شخص، رغم أن مهام وظيفة المذيع لم تكن معروفة أو مفهومة، وسر التهافت على التقديم لهذه الوظيفة أن الحكومة منذ الضائقة الاقتصادية العالمية أوقفت التعيين، وكان هذا فى صالح شركة ماركوني، إذ أتيح لها أن تختار من هذا العدد الهائل.. وجرت التصفية فى عدة مراحل، منها اختبارات اللغة العربية واللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية والثقافة العامة وفنون الإلقاء، وتم اختبار الصوت من خلال أجهزة الصوت لمعرفة نقائه وسلامته، وعند التصفية النهائية وقع اختيار الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية على أحمد سالم وأحمد كمال سرور ومحمد فتحى، وجرى افتتاح الإذاعة فى 31 مايو 1934، وبعد شهور قليلة أصبحت مركز إشعاع حضارى.

تفاصيل أول يوم فى البث الإذاعى لمحطة الحكومة المصرية

فى مساء الخميس 31 مايو 1934 كان البث الإذاعى الأول لمحطة الحكومة المصرية للإذاعة اللاسلكية "الإذاعة المصرية"، واستمر يومها حوالى 6 ساعات، وكان موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وكوكب الشرق أم كلثوم والشيخ محمد رفعت والشاعر على الجارم وصالح عبد الحى والزجال محمود رمزى والمونولوجست محمد عبد القدوس والموسيقيان مدحت عاصم وسامى الشوا فرسان الإذاعة فى هذا اليوم، لما لهم من الشهرة والمكانة الفنية الرفيعة، لتنال الإذاعة الثقة وتثبت جدراتها باحتكارها البث الإذاعى بعد إلغاء الإذاعات الأهلية. وفى السادسة وأربعين دقيقة كان الشيخ محمد رفعت أول صوت من الإذاعة، وتعاقدت معه الإذاعة ليكون صاحب القراءة الأولى بمناسبة الافتتاح، نظير 3 جنيهات، وبعدها وصل لآذان المستعمين صوت المذيع الشاب أحمد سالم وهو يقول "هنا القاهرة.. سيداتى وسادتى أولى سهرات الإذاعة المصرية فى أول يوم من عمرها تحييها الآنسة أم كلثوم لتغنى لأول مرة أمام ميكروفون الإذاعة"، وتعاقدت معها الإذاعة فى 21 مايو 1934 نظير أجر قدره 25 جنيها.

فى التاسعة والثلث كان الجمهور على موعد مع صالح عبدالحي، الذى تعاقدت معه الإذاعة على تقديم 4 حفلات شهريا. وفى ختام السهرة ظهر محمد عبد الوهاب أمام الميكروفون فى العاشرة والربع لينفرد بسهرة الإذاعة المصرية فى يومها الأول، وتغنى بأغنية "آه يا ذكرى الغرام"، وقدمت الإذاعة قصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقى، رغم أنه توفى قبل ذلك بعامين، لكنها اختارت قصيدة له ألقاها حسين شوقى أفندي، كما ألقى الشاعر على الجارم فى يوم الافتتاح قصيدة بصوته تحية للملك فؤاد الأول، ملك مصر، الذى تم افتتاح الإذاعة فى عهده.

مات الملك.. الإذاعة تنجح فى الاختبار الأول

تعرضت الإذاعة لاختبار الحقيقى حين توفى الملك فؤاد الأول ملك مصر، وكان ابنه وولى عهده الأمير فاروق خارج البلاد، وكان الملك الشاب سيوضع تحت الوصاية نظرا لعدم بلوغه السن القانونية، وتقرر أن يتوجه إلى شعبه بخطاب عبر الإذاعة المصرية، ينعى فيه والده ويطمئن الشعب على مستقبل البلاد فى عهده، وبذلك نجحت الإذاعة فى الاختبار الأول، وأثبت كفاءتها.

الاختبار الثانى، حين تقرر سفر وفد من كبار السياسيين فى مصر، برئاسة مصطفى النحاس، للتفاوض لإجراء معاهدة مع الإنجليز، وكانت المعاهدة المعروفة عام 1936، وقدمت فيها الإذاعة المصرية رسائل إعلامية متوالية للشعب من إنجلترا.

بدأت مصر تعيش عهدا جديدا، انعكس بدوره على الإذاعة المصرية، فقد نقلت الإذاعة خطاب العرش من البرلمان، حيث أكمل الملك فاروق السن القانونية عام 1937، واحتفلت الإذاعة بهذا الحدث لتثبت أنها الوسيلة الأهم للحكومة لتوصيل ما تريده للشعب.

وفى فبراير 1942 أجبر الاحتلال البريطانى حاكم مصر الملك فاروق على اختيار مصطفى النحاس باشا لتشكيل الوزارة المصرية، وقرر النحاس باشا نقل تبعية الإذاعة لوزارة الداخلية نظرا للأحداث الدقيقة التى تمر بالبلاد.

ظهرت مشكلة أمام الحكومة المصرية تخص عقدها مع شركة ماركوني، والذى كان سينتهى عام 1944، لكن بعد مباحثات جرى تمديد العقد مع شركة ماركونى 5 سنوات. وفى عام 1945 نقلت الإذاعة المصرية لحظات تاريخية وسلطت الضوء على عروبة مصر. وفى عام 1946 كانت جهود الدولة اكتملت نحو تمصير الوظائف الأجنبية فى الحكومة المصرية، ورأى الجميع أنه ليس من المعقول أن تستمر شركة ماركونى فى إدارة الإذاعة، وكان العقد سينتهى عام 1949 لكن الحكومة قررت إنهاءه وتعويض الشركة ماديا، وبالفعل تسلمت لجنة من موظفين المصريين الإذاعة.

 من الجزائر إلى اليمن.. 90 عاما فى قلب الأحداث

دخلت الإذاعة المصرية مرحلة جديدة، فقد اهتمت الثورة بالإذاعة، وتوالت أحاديث اللواء محمد نجيب، رئيس مجلس قيادة الثورة، فى الإذاعة المصرية، وكانت محط اهتمام الثوار الشباب، فقد اعتبروا الإذاعة وسيلتهم الرئيسية للتخاطب مع الرأى العام. ومن أكثر الإذاعات التى شهدت على أحداث وثورات إذاعة صوت العرب، وليدة ثورة 23 يوليو، وتوجد وثيقة بتاريخ 30 مارس 1953 من البلدان العربية تطالب بعمل إذاعة يكون اسمها صوت العرب، وهذه المذكرة فى صفحتين، وبإمضاء فتحى الديب، وتم عرضها عام 1953، وكان البكباشى جمال عبد الناصر العضو الأبرز فى مجلس قيادة الثورة وقتها، وعهدوا لفريق عمل ببدء هذه الإذاعة، واستمرت صوت العرب من 1953 إلى 1967 فى لعب هذا الدور القومى العربي، بهدف النضال ضد الاستعمار فى اليمن وليبيا والجزائروغيرها.

بعد انتهاء الاستعمار بدأ يخفت صوت النضال العالى، بحكم اختلاف الأحداث العربية، وهذا لا يمنع أن صوت العرب ظلت الأولى فى تغطية الأحداث العربية، كما كان لها تأثير كاسح، فعندما ذهب أحمد سعيد - رحمه الله - إلى سوريا رُحب به بدرجة كبيرة، بالتزامن مع العدوان الثلاثي، وتم بث الإرسال بعد لحظات، كما أن أثير صوت العرب كان مفتوحًا لكل الدول العربية وقضاياها وثوراتها ومشاكلها.

كانت الإذاعة المصرية مع الفدائيين، تشحذ الهمم وتقوى العزائم وتقدم أناشيد كثيرة وتمثيليات، وكان الإذاعى فهمى عمر منذ 29 أكتوبر 1956 يقيم فى الإذاعة، وكذلك بعض الإذاعيين، دون أن يذهبوا لمنازلهم للراحة، وفى يوم الجمعة 2 نوفمبر ضُربت محطة الإرسال فى أبوزعبل، وتوقف البث الإذاعى، وذكر الإذاعى فهمى عمر أن رئيس الإذاعة أمين حماد فى ذلك الوقت كلفه هو وزميله أحمد سعيد بالذهاب لمبنى مجلس الوزراء، حيث يقيم المهندسون محطة إذاعة موجهة للجزائريين أثناء ثورة الجزائر، ومن خلالها ظل الإذاعيان "فهمى عمر وأحمد سعيد" يؤكدان أن الإذاعة المصرية مع الفدائيين ويشحذان الهمم ويحثان الجماهير، إلى أن عاد الإرسال مرة ثانية، وقدمت الإذاعة أناشيد وأغانى كثيرة مثل "الله أكبر"، وأغنية نجاح سلام الشهيرة "يا أغلى اسم فى الوجود" ومنحها الرئيس جمال عبد الناصر الجنسية المصرية بعد غنائها هذه الأغنية.

انطلقت الثورة اليمنية يوم 26 سبتمبر 1962 بقيادة السفير عبدالله السلال، وكان العيد الأول للثورة اليمنية عام 1963، واختير الإذاعى محمد مرعى لتغطية هذا الاحتفال مع زميله الإذاعى وجدى الحكيم، بتكليف من الإذاعى أحمد سعيد، وسافرا إلى صنعاء للاحتفال بالثورة اليمنية فى عيدها الأول، بالفرقة الذهبية الموسيقية بقيادة صلاح عرام، والمطربين محرم فؤاد وفايدة كامل ومحمود شكوكو وغيرهم، وكذلك المونولوجست أحمد غانم، بطائرة عسكرية مجهزة بشكل مدني، وقدموا 3 حفلات فى مدن مختلفة، وكان الشعب اليمنى سعيداً بالاحتفال، خاصة عندما شاهد المطربين المصريين محرم فؤاد وفايدة كامل وغيرهما من المطربين الذين عرفهم من الراديو.

 الميكروفون فى المعركة.. من العدوان الثلاثى إلى العبور

كان الإذاعى فهمى عمر الإذاعى الوحيد الذى نقل أحداث بورسعيد 1956 والوحيد الذى دخل بورسعيد مساء 23 ديسمبر 1956، وشارك مع مواكب كثيرة بسيارة الإذاعة وعلى مشارف بورسعيد، قبل أن تغرب الشمس حسب قرار الأمم المتحدة للانسحاب، وكان واقفاً على كوبرى الرسوة هو والفنى والعامل الذى يمسك الأجهزة.

الإذاعى صالح مهران يوم 10 يونيو كان مكلفاً بأن يسجل مع زكريا محيى الدين، نائب الرئيس، من مكتبه فى مقر القيادة، ليذاع اللقاء 9 مساء، فذهب وأخذ معه جهاز التسجيل، ولم يجد أمناً ولا حارساً، ودخل فوجد باباً عليه جملة نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وفتح الباب الذى بجواره فوجد شخصاً يقول له «النائب لن يسجل ويريد قول الكلمة على الهواء»، فطلب الإذاعى أحمد سعيد ليبلغه، فقال له إن مجلس الأمة برئاسة أنور السادات لا يزال يحاول إقناع الرئيس عبدالناصر بسحب التنحى فى اليوم التالي، والجلسة كانت على الهواء وأذاعها وقتها، فأرسلوا له سيارة الإذاعة، وألقى النائب زكريا محيى الدين كلمته، وكان آخر سطرين منها "لا تستطيع أى قوة وأى دولة أن تجبرنا على التخلى عن زعامة الرئيس عبدالناصر، ولذلك لأول مرة فى حياتى أرفض له طلباً".

 وبعد انتهاء كلمته ذهبوا لبيت الرئيس عبدالناصر. ووجدوا أعضاء مجلس الأمة يرجونه للتراجع عن التنحى، وكانت هناك مظاهرات من جميع المحافظات، فخرج السادات يقول على الهواء إن عبدالناصر استجاب مشكوراً لسحب التنحى لحين إزالة آثار العدوان، ثم يعود الأمر للشعب بعد ذلك.

وفى أحداث نكسة 1967، جرى توحيد الخدمات الإذاعية، وضم صوت العرب والبرنامج العام، وكان هناك استوديو 1 و2، وجلس أحمد سعيد فى مكتب ملحق بين الاستوديوهين وجهاز اسمه "ماجنيتو" الخط فيه مفتوح مع الوزير محمد فائق، وأحمد سعيد يمسك القلم ويكتب ما يقوله فائق، فأحمد سعيد لم يكتب أى كلمة من رأسه، وبعدها كان يوزع الكلمات على المذيعين لإذاعة البيانات.. وأكد الإذاعى صالح مهران أن الإدارة الخاصة بالإذاعة كانت تتلخص فى هذا الاستوديو، وكان عبدالحميد الحديدى مدير الإذاعة وبابا شارو مدير البرامج، لكن الذى كان يدير الأمر أحمد سعيد وطاقم المذيعين الذين يعملون معه، ووزير الإعلام. بعدها بدأوا يكتشفون الحقيقة من زملائهم فى البرنامج الأوروبي، لأنهم يتعاملون مع الأخبار الخارجية ووكالات الأنباء العالمية، فوجدوا أن ما يأتى إليهم عكس ما يقولونه عن انتصارات تحققت على أرض الواقع، وتعرضوا جميعا لحالة اكتئاب، فوجدوا أحمد سعيد يقول لهم "نحن جنود فى معركة ولا بد أن نظل نقدم عملنا حتى آخر لحظة".

تقرر استدعاء بعض الإذاعيين صباح السبت 10 رمضان، 6 أكتوبر 1973، لقراءة بيانات بدء الهجوم، وإطلاعهم على خطة التحركات والاستعدادات لقراءة البيانات العسكرية.

وقتها، كانت كل البيانات الحربية تُذاع على الهواء مباشرة عن كواليس العبور، وردود الفعل فى الإذاعة والشارع، وحالة الخوف والذعر التى انتابت المصريين بعد قراءة البيان الأول الساعة الثانية والثلث ظهراً، وجرى استدعاء صالح مهران وعدد آخر من المذيعين لحضور الاجتماع الصباحى نحو الساعة العاشرة، رغم أن موعد عمله يومها كان فى الخامسة مساء، لكن رئيس الإذاعة وقتها محمد محمود شعبان أبلغه بأن حرب التحرير ستكون فى الثانية ظهر هذا اليوم، وأطلعهم على خطة التحركات، وكان معهم البيان الأول منذ الواحدة ظهراً، وكان مقرراً إذاعته بالتزامن مع بدء الضربة الأولى، ولكن حدث تعديل.

الإذاعى عبدالوهاب محمود قرأ بيان الحرب باعتباره مذيع فترة الضحى، فكل مذيع التزم بقراءة البيانات أثناء فترة عمله، وأقام المذيعون والعاملون فى الإذاعة من 10 رمضان حتى قرار وقف إطلاق النار، والمبنى كان أشبه بخلية عمل تضم مطربين وشعراء.. والناس لم تصدق، والشوارع كانت شبه مُظلمة، وفُرضت حالة طوارئ.

الإذاعى حمدى الكنيسى كان شاهدًا على النصر، فهو أحد أشهر مراسلى مصر الحربيين للإذاعة أثناء حرب أكتوبر، والذين لعبوا دورًا بارزًا فى رفع الروح المعنوية للجنود خلال الحرب، وسطروا بحروف من نور بطولات الجنود على الجبهة. وكان من أشهر برامجه "صوت المعركة" و"يوميات مراسل حربي" خلال فترة الحرب.

المقاومة بالغناء

لعبت الإذاعة المصرية دوراً كبيراً عندما أنتجت كلمات وطنية عديدة، ولا ننسى كمّ الأغنيات الوطنية التى أنتجت خلال هذه الفترة احتفالاً بالنصر منها أغنية "بسم الله.. الله أكبر" التى ارتبطت بذكرى الحرب، وغناها مجموعة من مطربى الإذاعة أثناء الحرب، وكتبها ولحنها بليغ حمدى، وأيضاً أغنية "صباح الخير يا سينا" كتبها عبدالرحمن الأبنودى ولحنها كمال الطويل، وهناك أغنيات مميزة أيضا مثل «عاش اللى قال» للشاعر محمد حمزة وتلحين بليغ حمدي، وأغنية «لفّى البلاد يا صبية» كتبها محسن الخياط ولحنها محمد الموجي، وأغنية «على الربابة» من كلمات عبدالرحيم منصور ولحن بليغ حمدى وغنتها وردة الجزائرية، وأيضاً الفنانة شريفة فاضل كانت واحدة من أبرز الفنانين الذين قدموا أغانى للحرب وغنت أغنية «أم البطل» بعد ثلاثة أشهر من النصر، وكتبتها صديقتها الشاعرة نبيلة قنديل، وغيرها من الكلمات التى ما زالت محفورة فى وجدان الشعب المصرى والعربي.

 تمثيليات الإذاعة.. دراما لها تاريخ

الدراما الإذاعية لم يكن لها وجود فى السنوات الأولى لعدة أسباب، منها عدم وجود كوادر لها خبرة بالعمل الدرامى الإذاعي، فهو فن جديد يتطلب دراسة وتقنية خاصة بفن الإخراج الإذاعي، وثانياً: عدم وجود كاتب له دراية بفن التأليف الإذاعى وله خبرة مهنية بالفن الجديد.. رغم كل هذا، تستوقفنا تجربة الرائد الإذاعى محمد فتحى والتى ذكرها فى كتابه «الإذاعة المصرية فى نصف قرن».. فقد استعان ببعض خريجى قسم اللغة الإنجليزية بجامعة فؤاد (جامعة القاهرة) وقدم مشهد «الشرفة» فى مسرحية الشاعر الإنجليزى ويليام شكسبير، وكان ضمن هذا اللفيف سهير القلماوي، وأذيع هذا العمل فى نصف ساعة على الهواء مباشرة، وكان هذا فى عام 1935، ولم تقدم أى أعمال أخرى بعد ذلك، وتوقفت عند 1937، فقد رأت شركة ماركونى أن الإذاعات العالمية مثل "بى بى سى" تقدم دراما إذاعية تجذب أذن المستمع، فقد قدمت الإذاعة الإنجليزية تمثيليات متنوعة، اجتماعية وفكاهية وبوليسية، كتمثيلية «الخطر» التى كان ينتظرها جمهور المستمعين بشغف، وكذلك «الجرة» عن قصة الكاتب الإيطالى "برانديلو".

قدمت الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية وهى تحتفل بهزيمة قوات المحور فى الصحراء الغربية لإحدى المطربات فى ذلك الوقت أغنية يقول مطلعها «قيدوا النور قيدوا النور.. جيش موسولينى رجع مقهور»، ومن هنا رأت الإذاعة اللاسلكية أن الدراما الإذاعية من الوجبات الشهية للمستمع ولا غنى عنها، لذلك استعانت ببعض الهواة فى تقديم تمثيليات مدتها نصف ساعة تذاع على الهواء مباشرة، لأن مرحلة التسجيل لم تبدأ إلا فى عام 1940".

وفى عام 1938 تقريباً، تعاون كثيرون مع الإذاعة اللاسلكية فى كتابة وإخراج وتمثيل تمثيليات على الهواء، وحددت شركة ماركونى أجور هؤلاء المتعاملين مسبقاً، ومن يقدم تمثيلية يتقاضى 3 جنيهات فى نصف الساعة، تشمل التأليف والتمثيل والإخراج، وكان من هؤلاء الفنانين الهواة حسين رياض، وأنور وجدى فتى الشاشة المعروف حينها، ونادية رفيق التى استمرت فى التمثيل، وحسن سالم الذى التحق فيما بعد بالسلك الدبلوماسي، وعبدالرحمن الخميسى وهو كاتب ومخرج وممثل له ثقله الفنى، والسيد بدير الذى كان نجما فى الفنون الأربعة، وحسن عبدالوهاب الذى عين فيما بعد فى إذاعة ركن السودان، وهو شقيق الرائد الإذاعى حافظ عبدالوهاب، وكان يقدم فى إذاعة البرنامج العام برنامجاً اسمه «طريق السلامة» وقدمته بعد ذلك الزميلة آيات الحمصاني، وأخيراً محمد توفيق وهو ممثل ومخرج وإذاعى مرموق.

فى الأربعينات، اكتملت أركان الدراما الإذاعية بوجود كوادر فى الإخراج الإذاعي، وطالعنا فى بداية هذه الفترة الرائد الإذاعى محمد محمود شعبان «بابا شارو»، الذى كان يقدم برنامج الأطفال منذ عام 1944، وقدم ألواناً متباينة من الدراما الإذاعية مثل «عذراء الربيع» عام 1947 المستمدة من الأساطير القديمة، وكتب هذا العمل الشاعر عبدالفتاح مصطفى، ولحنه محمود الشريف، ثم قدم تمثيلية «الراعى الأسمر» عام 1948. وفى عام 1954 جرى تسجيل رائعة «ألف ليلة وليلة» التى كتبها طاهر أبو فاشا، وكان المستمع ينتظر إذاعتها بشغف، كما قدم فى هذه الفترة أبوالفرج الأصفهانى.

الرائد الثانى فى مجال الإخراج الإذاعى عبدالوهاب يوسف التحق بالإذاعة عام 1941، وكان يعشق التمثيل، لذلك اشترك بالتمثيل فى كل أعماله تقريبا، ومنها «قطر الندى» وهى بطولة مطلقة وأوبريت «على بابا» عام 1949 الذى كتبه إبراهيم رجب، وكان يوسف أول مخرج إذاعى يخرج بالميكروفون خارج استوديو الإذاعة، وهذا العمل جرت أحداثه داخل أحد المعابد الفرعونية، فقد رأى أن الاستوديو ليست به إمكانية لإحداث صدى المعبد «إيكو» الذى يعطى للشخصية الفرعونية جمالها وشموخها، فقد بحث فى عدة أماكن خارجية كالهرم الأكبر، ثم أخيراً قرر أن يسجل فى قلعة محمد على.

هناك رائد آخر من فرسان الإخراج الإذاعى أثرى الميكروفون بأعمال متميزة كان لها صدى جيد عند المستمع، وهو أنور المشري، الذى له أعمال متميزة وكان ثرياً فى اختيار أعماله، منها «أوبريت جهاز العروسة» عام 1949 و«عواد باع أرضه» للمؤلف مرسى جميل عزيز، ثم «فرح شعبي» لعبدالفتاح مصطفى، ومسلسل «المملوك الشارد» فى الخمسينات. ومن الرواد أيضاً السيد بدير الذى قدم «عائلة حسن القرنفلي» التى كتبها يوسف جوهر 1914 وغيرها من الأعمال. أما يوسف حطاب فهو الذى أسس قسماً للإخراج الإذاعى فى معهد التمثيل، وكان يأخذ الطلبة ليدربهم داخل استوديو الإذاعة، وفى أوائل الخمسينات قدم برنامج «4612» إذاعة، وكان المستمع ينتظره يوم الجمعة، وكان قائماً على الجوائز، وهو أول من قدم مسلسلاً إذاعياً بوليسياً «سمارة»، والمواصلات كانت تقف عند سماع هذا العمل، «وأحسن القصص» كان يقدم فى فترة الفجر خلال شهر رمضان عام 1958، و«أدهم الشرقاوي» تأليف وألحان محمود إسماعيل.

أما الأعمال الدينية فلن نجدها على خريطة الإذاعة خلال عام 1940، فقد بدأت تطل علينا فى عام 1954 بمسلسل فى شهر رمضان، وكانت الأعمال البوليسية فى مقدمة الدراما الإذاعية، وكان للمخرج الإذاعى إيهاب الأزهرى الفضل فى تقديم أول عمل درامى دينى وهو «طلائع النور»، وجذب هذا العمل المستمعين، بمن فيهم سيدة الغناء العربى أم كلثوم.

 أصل راسخ.. وشبكات إذاعية تعانق السماء

جرى إطلاق العديد من الإذاعات المتخصصة أهمها إذاعة صوت العرب‏ عام 1953، وإذاعة الإسكندرية الإقليمية عام‏ 1954، والبرنامج الثانى عام ‏1957، وإذاعة الشعب عام‏ 1959، وإذاعة فلسطين عام‏ 1960، وإذاعة الشرق الأوسط عام ‏1964‏، إذاعة القرآن الكريم عام ‏1964، والبرنامج الموسيقى وإذاعة الشباب عام 1975.

ومنذ عام 1981 بدأت الإذاعة المصرية تطبيق نظام الشبكات الإذاعية، وأصبحت الإذاعة المصرية تتكون من 7 شبكات، وتمَّ العمل بنظام رقمنة البث الإذاعى وهو ما يتيح انتشاراً أوسع للمحطات، وجرى تدشين إذاعات إقليمية ضمت 10 إذاعات هى القاهرة الكبرى فى 1981، ووسط الدلتا‏ 1982، وشمال الصعيد ‏1983، وشمال سيناء‏ 1984، وجنوب سيناء ‏1985‏، والقناة‏ 1988، والوادى الجديد 1990، ومطروح‏ 1991، وإذاعة جنوب الصعيد 1993، وشكلت الإذاعة المصرية من خلال هذه المنظومة وطوال تاريخها الذى يمتد لـ90 عاماً الوجدان المصرى والعربي، من جيل إلى جيل، من خلال برامجها الإذاعية العامة والمتخصصة.

 	سها سعيد

سها سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من اعلام

المؤلف والمخرج عمرو عبده دياب: حتى الأطفال يستمعون «لعائلة مرزوق»

مخرج متميز، وجود اسمه بات علامة مسجلة لنجاح أى مسلسل إذاعى. لم لا وقد نفذ العديد من الأعمال الإذاعية منذ...

فاطمة عمر: المحتوى «أمانة» تسهم فى وعى الناس

فاطمة عمر.. إذاعية مختلفة صاحبة تجربة مميزة على مدار أكثر من 30 عاما بإذاعة البرنامج العام.. تؤمن بأن أسماء برامجها...

مركز بحوث الرأي العام بإعلام القاهرة يعلن قائمة أفضل مسلسلات رمضان 2026

أجرى مركز بحوث ودراسات الرأي العام بكلية الإعلام – جامعة القاهرة استطلاعًا للرأى؛ لقياس تقييم الجمهور المصري لدراما رمضان 2026...

عبير الجميل: العيد أسبوع على هواء «الشرق الأوسط»

قالت الإذاعية عبير الجميل، القائمة بأعمال رئيس إذاعة الشرق الأوسط، إن الشبكة استعدت لأسبوع العيد بعدد من البرامج والفترات المفتوحه...