"فشر الكلب هول". ترفض الذائقة الشعبية التشبيه بالكلب، والراسخ فى المعتقد هو الحط من قدر الشخص وتوجيه أبشع الإهانات له بعد وصفه بهذا الحيوان
، إلا أن إلحاق صفة الكلب بالاسم "هول" من دواعي السرور، فحامل هذا اللقب يحمل من صفات الذكاء، وسرعة البديهة، وكشف غموض عن الجرائم، ما يجعل منه مضرب الأمثال فى الشجاعة والإقدام، فما حكاية الكلب هول أول كابتن فى البوليس المصرى؟
البداية -كما تقول المصادر- تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، عندما زار الملك فؤاد مدرسة البوليس، وأوصى بإدخال الكلاب البوليسية إلى المدرسة، وتم تكليف اليوزباشى السعيد عزيز الألفى بالسفر إلى ألمانيا، للتدريب على هذا التخصص الجديد، وأهدى الملك فؤاد إلى مدرسة البوليس كلبين من فصيلة الراعي الألماني، وكان "هول" نتاج هذه الهدية. وبعد ثلاث سنوات من التدريب، كان "هول" جاهزا لمهمته الموكلة إليه، وهى كشف الجرائم وتتبع أثر المجرمين.
من خلال حاسة الشم، التى تتمتع بها الكلاب، كان تدريب هول للاستفادة من هذه الحاسة وتقويتها، وبالفعل تم كشف مئات من القضايا بمساعدة هول، سواء بكشفه أدوات الجريمة، أو بتتبع رائحة المجرمين، ونسب إليه كشف ١١٧ قضية، من أصل ٥٠٠ قضية، وذاع صيته فى الصحافة، حتى أصبح نجما، تنشر صوره وبطولاته فى كشف الجرائم، جنبا إلى جنب ضباط المباحث، وأخذ رتبة كابتن.
لم يكن غريبا بعد أن نال هذه الشهرة، أن تتناوله الحياة اليومية فى الشارع المصرى على أنه بطل شعبى، ولِمَ لا وهو الذى كان يشتم رائحة أعتى المجرمين، ويرشد عن مكانهم، وهؤلاء العتاة فى عالم الجريمة كانوا يشكلون رعبا للناس، سواء بملامحهم الإجرامية، أو بأفعالهم، وها هو "هول" يأخذ لهم بالثأر، فنسجت حوله البطولات والحكايات البعيدة عن المحاضر الرسمية للقضايا، وأطلق الشارع عبارة "فشر الكلب هول" على كل من يملك حدسا، أو ذكاء حادا أو سرعة بديعة.
لكن، كانت هناك حادثة شهيرة وكبرى، على أثرها تمت ترقيته لدرجة كابتن، والحادثة وقعت سنة ١٩٤٩ فى مدينة
الفيوم، وخاصة بالضابط عزيز الألفى، الذى كان مكلفا بتدريب هول، عندما خرج الضابط مع أسرته فى رحلة للفيوم، مصطحبا معه مرشدا للأماكن الأثرية بالمدينة، يدعى جودة، واتفقا على اللقاء فى أحد الأماكن الأثرية، ولكن جودة لم يأت فى الموعد، بل اختفى ولم يعثر له على أثر، وبعد مرور ٣ أيام من اختفائه خرجت شائعات بأنه قتل على يد أحد الأغراب، واستعان الضابط الألفى بقصاصى الأثر، الذى تتبع العلامات الموجودة فى المكان الذى شوهد فيه جودة آخر مرة، واستنتج متتبع الأثر -بحسب الرواية التى نشرتها الأهرام- أن ثلاثة أشخاص أحدهم أعرج، ومعهم حمار يحمل حملا ثقيلا، اتجهوا نحو الصحراء، حتى تم العثور على جثته مدفونة بالرمال، وبعد أن ضيقت الشرطة دائرة الاشتباه إلى ثلاثة أشخاص، وتبين بالفعل أن أحدهم أعرج فى ساقه اليسرى.
وجاء دور الكابتن هول الذى اشتم أثرا مرتبطا بجثة القتيل جودة، ثم جرى وضع المشتبه فيهم بين آخرين، وعرضهم على هول الذى هجم على الثلاثة وأخرجهم من بين المشتبه فيهم، لكن بقى لغز الحمار الذى نقل الجثة، فتتبع هول الأثر مرة أخرى حتى قاد رجال الشرطة إلى منزل صاحب الحمار، حيث وجدوا الحمار فى بيت الرجل الأعرج المشارك فى جريمة القتل.
رسمت هذه الحادثة أسطورة هول البوليسية، وكانت بمثابة استخدام تقنيات حديثة للشرطة المصرية فى كشف غموض الجرائم المعقدة.فى مذكرات توماس راسل، حكمدار القاهرة فى الثلاثينيات، أفرد فصلا كاملا للكلاب البوليسية يحكى فيه قصصا عن الكلب هول، الذى ساعد الشرطة فى كشف لغز ١٧٠ جريمة. وكابتن هول، كما كان يطلق عليه، كان اكتشافا لضابط مصرى شاب يدعى ألفى، قضى كثيرا من سنوات دراسته متخصصا فى أعمال الكلاب، وكان هول يتميز بالذكاء الشديد، وكانت لديه قدرات رائعة على تتبع الرائحة لعدة أيام، وكان مجرد ظهور هول فى الكثير من القضايا، وسيره على مسرح الجريمة، سببا مباشرا فى مسارعة المذنب بالاعتراف بالجريمة، قبل أن يكشف عنه الكلب، وكان هول الموظف الأشهر لدى البوليس، وكان له جمهور كبير يضم المئات،
يتجمهرون لمشاهدة اكتشافه المجرمين.
فى الوجدان الشعبى، لم يكن هول مجرد كلب يساعد رجال البوليس فى القبض على المجرمين، لكنه كان خادما للعدالة، فهو يقدم دليل الإدانة للمجرمين بما لا يدع مجالا للشك، كما أن اكتشافات هول لقضايا شغلت الرأي العام، سادت فى إعمال المخيلة الشعبية كطريقة للكشف بعيدا عن المحاضر الرسمية، فأصبح اسمه متداولا، وانتشرت الحكايات عن مغامراته، وكل يضيف حسب خياله فأصبح بطلا شعبيا.كانت سابقة لم تحدث من قبل، أن تنتقل أخبار من صفحات الحوادث إلى صفحات الأدب، عندما كتب الشاعر محمود غنيم قصيدة تحمل اسمه، يقول فيها:
كلب ينم على الحياة
تمشى العدالة فى خطاه
قد بات يدعى الآن هول
وغيره يرعى الشياه
قالوا أتطرى الكلب؟ قلت
لهم ومن أطرى سواه.
فى سنة ١٩٣٩، أصيب هول بحمى أودت بحياته، ولكنها كانت البداية لتأسيس أول وحدة للكلاب البوليسية، لمساندة الشرطة فى الكشف عن المجرمين، وكان الملك فاروق من المهتمين بإنشاء هذا القسم، فأهدى مدرسة الشرطة ١١ كلبا من نوع الراعي الألماني، المولود فى السراى الملكية، وهو ماساعد على توسيع التجربة -بحسب مذكرات راسل.
تدرجت الكلاب البوليسية فى طبيعة عملها من تقصى الأثر إلى الكشف عن المخدرات، والمتفجرات، وتأمين المنشآت، والبحث والإنقاذ، وفى ٢٠٠٢ أنشئ مقر تدريب الكلاب فى أكاديمية الشرطة.
وفى اليوم العالمي لهذا الكائن الوفى، الذى يوافق ٢٦ أغسطس، نتذكر الكابتن هول، بوصفه الأب الرمزى لسلاح الكلاب البوليسية، وهو الذى حفر صورة الكلب البوليسى فى الوجدان الشعبى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
"فشر الكلب هول". ترفض الذائقة الشعبية التشبيه بالكلب، والراسخ فى المعتقد هو الحط من قدر الشخص وتوجيه أبشع الإهانات له...
خطوة لتحويل القاهرة التاريخية إلى متحف مفتوح تأهيل المسار العلوى للمجرى المائى وتز ويد امتداد السور بأحدث تقنيات الإضاءة
ابن الأقصر عمل سائق ميكروباص لينفق على تعليمه
من الشاشات الرقمية إلى قفص الاتهام.. كيف أعادت التكنولوجيا تشكيل مسرح الجريمة والأدلة فى مصر؟