التاريخ يتنفس من جديد.. سور مجرى العيون يفتح أبوابه للحياة

خطوة لتحويل القاهرة التاريخية إلى متحف مفتوح تأهيل المسار العلوى للمجرى المائى وتز ويد امتداد السور بأحدث تقنيات الإضاءة

في خطوة تنموية وتراثية كبرى، تعيد للقاهرة التاريخية تألقها ورونقها المعماري القديم، افتتحت المرحلة الأولى من مشروع تطوير وإعادة إحياء منطقة سور مجرى العيون، وسبقه تطوير بحيرة عين الصيرة، بعد مجهود هندسي وأثري شامل، استهدف تحويل هذه البقعة، من أحد أكثر المناطق تدهورا وعشوائية، إلى مقصد سياحى وثقافى عالمى يليق بعظمة الحضارة المصرية، ومكانة القاهرة كواحدة من أعرق المدن التراثية في العالم.

شملت الأعمال التنموية والهندسية المكثفة في هذه المرحلة الأولى إزالة كاملة لجميع الأنشطة الملوثة والمناطق العشوائية التي أحاطت بالأثر، وشوهت حوائطه لسنوات طويلة، وفى مقدمتها منطقة المدابغ الشهيرة، ومقالب المخلفات والقمامة الضخمة، التى تراكمت على جانبى السور. وتوازى هذا مع جهد اجتماعى وإنسانى، تمثل فى توفير مناطق سكنية بديلة وحضارية، ومجهزة بالكامل، للأهالى وسكان المنطقة، مما أسهم فى تخليص الأثر من التلوث البيئى والبصرى والأثرى، وتوفير حياة كريمة للمواطنين فى الوقت ذاته.

وعلى صعيد الترميم الأثرى والتخصصى، خضعت الأحجار الأثرية لجسور القناطر والمجرى المائى، لعمليات دقيقة من التنظيف الكيميائى والميكانيكى، لإزالة آثار الدخنة والتلوث وتكلسات السنين، إلى جانب إعادة تجميع الأجزاء المتساقطة وترميم الفجوات الحجرية، باستخدام نفس الخامات ومواد البناء الأصيلة التى بنى بها الأثر قديما، ويهدف هذا الجهد الدقيق إلى إعادة السور لصورته وهئته التاريخية، كأحد أضخم وأهم المشاريع الهندسية المائية التى عرفتها العصور الوسطى فى الشرق الأوسط وإفريقيا.

لم تقف حدود المشروع عند التوثيق والترميم الأثرى الحجرى فحسب، بل امتدت لتشمل مخططا استثماريا وتنمويا، يخلق بيئة جاذبة حول الأثر، حيث جرى إنشاء منطقة ترفيهية وثقافية متكاملة، تتناغم مع طبيعة

المنشأة التاريخية. وتضم هذه المنطقة متنزهات ومساحات خضراء شاسعة، وممشى سياحى مجهز، ومجموعة من المطاعم والمقاهى صممت على الطراز المعمارى الإسلامى لتناسب هوية المكان، فضلا عن إنشاء مول تجارى وفندقى ومناطق متخصصة لإنتاج وعرض المنتجات التراثية والحرف اليدوية، بما يجعل زيارة منطقة الفسطاط المحيطة بالسور تجربة سياحية حية ومتكاملة، تجمع بين أصالة الماضي وراحة ورفاهية الحاضر.

ويهدف هذا الافتتاح، فى المقام الأول، إلى إعادة وضع منطقة سور مجرى العيون فى قلب الخريطة السياحية المحلية والعالمية، عبر ربطه بمسار السياحة الثقافية والأثرية فى القاهرة الجنوبية، والذي يضم قلعة صلاح الدين الأيوبى، ومجمع الأديان بمصر القديمة، والمتحف القومى للحضارة المصرية بالفسطاط. وتأتى هذه

الخطوة لتتحول القاهرة التاريخية برمتها إلى متحف مفتوح، يبهر زواره من كل بقاع الأرض، ويؤكد قدرة الدولة المصرية على صون ذاكرتها الوطنية، وتحويل التحديات العمرانية إلى أماكن حضارية مبهر.

التنسيق الحضارى وتطوير المحيط العمرانى

مشروع إحياء سور مجرى العيون جزء من رؤية تنموية وشاملة، تتجاوز مفهوم الترميم التقليدى للأحجار، إذ تبنى الجهاز القومى للتنسيق الحضارى، بالمشاركة مع محافظة القاهرة، وهيئة الآثار، ووزارة السياحة والآثار، مخطط متكامل لإعادة هذا الصرح التاريخى العريق، الذى يزيد عمره على خمسعمائة عام، إلى سابق مجده، وإعادة صياغة الفراغ العمرانى المحيط به، ليكون واجهة حضارية على خريطة السياحة الدولية.

أجهزة الدولة المختلفة عملت وفق آلية متناغمة ومدروسة، للتغلب على العقبات التراكمية المزمنة التى خانقت الأثر لسنوات طويلة، فقد عانى السور من تزايد المخالفات والتعديات البيئية والعمرانية، وتحولت الفضاءات الخالية على جانبيه إلى نقاط لتجميع القمامة وحظائر للحيوانات، إلى جانب تداخل حركة المرور العشوائية وسيارات النقل مع جدرانه، مما أدى إلى تغييب هذا المنشأ المائى الفريد عن المشهد الثقافى والسياحى.

ورغم محاولات الترميم الجزئية والمتكررة، التى نفذها المجلس الأعلى للآثار خلال العقود الماضية بتكاليف

مالية باهظة، فإن يد الإهمال والتلوث كانت سرعان ما تعود لتهدد أحجار السور ونقوشه الأثرية، نظرا لغياب الحماية العمرانية للبيئة المحيطة. ومن هنا، انطلقت الاستراتيجية الجديدة للجهاز القومى للتنسيق الحضارى، والتي ارتكزت على مبدأ الارتقاء بالبيئة العمرانية، كخط دفاع أول، حيث أدرك القائمون على المشروع أن صيانه الأثر لا تتجزأ عن تطوير المحيط السكنى والخدمى المجاور له.

وتضمنت الأعمال الهندسية والتنسيقية ترميم الأجزاء المتهدمة من الأقواس والقناطر الحجرية، وتأهيل المسار العلوى للمجرى المائى، وتزويد امتداد السور بأحدث تقنيات الإضاءة المعمارية، باستخدام أشعة الليزر، ليرتسم الأثر كلوحة فنية ساحرة تبرز تفاصيلها الدقيقة فى ليالى القاهرة. كما تعتمد الخطة الهندسية على التقنيات الحديثة فى إحداث خداع بصرى، فوق الجزء المتهدم المتقاطع مع شارع صلاح سالم، حيث تعرض إضاءات ومؤثرات بصرية موحية، تظهر وكأن المياه تتدفق بغزارة عبر المجرى، فى طريقها التاريخى القديم باتجاه القلعة.

وحتى ينبض المكان بالحياة، ويتكامل مع نسيجه المجتمعى، يهدف المشروع إلى تحويل المنطقة إلى مركز ثقافى واقتصادى حيوى حيث يجرى إنشاء منافذ ومحلات متخصصة لإنتاج وتسويق الحرف اليدوية والصناعات الجلدية التراثية، إلى جانب المقاهى والمطاعم ذات الطابع المعمارى الأصيل، مع إتاحة فرصة التملك، والأولوية لأهالى المنطقة أنفسهم. كما يوفر المشروع قاعات مجهزة للعروض الفنية والحفلات الموسيقية، مع تأسيس إدارات متخصصة للأمن والصيانة والنظافة، يشارك فيها المجتمع المحلي، لتتكامل معايير التنسيق الحضارى، وتتحول المنطقة إلى نموذج حى لحفظ التراث واستدامته.

من القناة الأيوبية إلى النهضة المملوكية

ترجع جذور هذا المنشأ الهندسى العظيم الى بداية التاريخ الإسلامى لمصر، وتحديداً فى العصر الأيوبى، حين شرع السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبى عام

١١٧٦م فى تشييد قلعة القاهرة فوق المقطم، لتكون مقرا حصينا للحكم، ومجمع دفاعى ملكى. وضمن الرؤية الهندسية الشاملة، التى تبناها صلاح الدين، لربط مدينتى القاهرة والفسطاط بالقلعة، عبر سور دفاعى موحد، نبعت الفكرة المبتكرة لجلب مياه النيل مباشرة إلى مقر الحكم المرتفع عن سطح البحر، لتأمين الاحتياجات اليومية للجيش والبلاط الملكى، وتوفير الإمدادات فى أوقات الحصار.

تأسس النظام المائى الأيوبى الأول عبر مد قناة مائية محمولة على قمة السور الدفاعى، تبدأ من نقطة انطلاقها عند الشاطئ الغربى للنيل، بالقرب من الفسطاط، حيث جرى تركيب نواعير وسواقى ضخمة، لرفع المياه من النيل إلى مجرى القناة، لتتدفق بفعل الانحدار الطبيعى فى طريقها نحو القلعة. وقد عمل هذا النظام، بالتوازى مع المنشأة المائية، الشهيرة داخل القلعة والمعروفة باسم بئر يوسف أو البئر الحلزونى، لضمان استمرارية التزود بالمياه واستدامة المقاومة، فى حال تعرضت القناة المائية الخارجية لأى تلف أو حصار.

ومع انتقال السلطة إلى العصر المملوكى، شهدت القلعة ومحيطها العمرانى حركة إنشائية وطفرة معمارية واسعة، بلغت أوجها فى عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، خلال القرن الرابع عشر. وفى عام ١٣١١م، أمر الناصر بتجديد وتوسعة قناة القلعة، لرفع كفاءتها واستيعاب التوسع الكبير فى القصور والمنشآت الملكية. وشملت الأعمال إقامة برج المأخذ الشهير بمنطقة فم الخليج شمال الفسطاط، وهو برج ضخم سداسى الأضلاع، ضم أربع نواعير وسواقى معلقة، لرفع المياه إلى ارتفاعات شاهقة وتفريغها فى القناة الحجرية.

ولضمان تدفق المياه إلى المرتفعات العالية المتاخمة للقلعة، أنشأ الناصر محمد برج أوسط فى منتصف المسار، احتوى على ثلاث نواعير إضافية لرفع المياه إلى مستوى أعلى، لتصل فى نهايتها إلى خزان ضخم، يعرف باسم بئر السواقى السبع بالجهة الجنوبية للقلعة. ومن هذا الخزان الرئيسى، كانت المياه توزع عبر شبكة معقدة من الأنفاق والقنوات الفخارية السفلية، لمد المنشآت المملوكية الكبرى بالمياه، وعلى رأسها قصر الأبلق الشهير، لتسجل هذه القناطر واحدة من أروع

الملامح الهندسية المائية فى تاريخ العصور الوسطى.

وفى أواخر العصر المملوكى، حظى الأثر باهتمام كبير من السلطان الأشرف قايتباى، الذى أجرى ترميمات شاسعة عام ١٤٨٠م، تلاه السلطان قنصوه الغورى، بين عامى ١٥٠٦ و١٥٠٨م عبر مشروع تطوير شامل وتوسعة برج المأخذ السداسى وزيادة عدد السواقى إلى ست، مع نقش شعاره الملكى على جدران البرج، وإعادة بناء العديد من الأقواس والقناطر الحجرية القريبة من النيل، لتبقى آثاره المعمارية قائمة حتى يومنا هذا.

التحولات العثمانية والحديثة

استمر سور مجرى العيون فى أداء دوره الحيوى والهندسى الفريد، متدفقا بالمياه نحو القلعة، ومغدقا على مبانيها ومرافقها طوال العصر العثمانى، غير أن نقطة التحول المفصلية فى الاستخدام العسكرى للأثر حدثت أواخر القرن الثامن عشر، وتحديدًا خلال الحملة الفرنسية على مصر بين عامى ١٧٩٨ و١٨٠١م، إذ أدرك قادة الجيش الفرنسى الأهمية الاستراتيجية لبرج سحب المياه السداسى بفم الخليج، فعدلوا أجزاءه المعمارية، ليتحول إلى حصن عسكرى وموقع لاستحكاماتهم وتمركز قواتهم الدفاعية.

ومع حلول القرن التاسع عشر، وحركة التحديث الشاملة التى شهدتها مصر، توقف نظام القنوات المائية عن إمداد القلعة بالمياه بشكل نهائى، بالتزامن مع التحولات العمرانية الهائلة فى عهد الخديوى إسماعيل، حين جرى ردم قناة الخليج المصرى عام ١٨٧٢م، لتشييد أحياء القاهرة الخديوية الحديثة، وانتقال مقر الحكم رسميا من قلعة الجبل إلى قصر عابدين. وفى القرن العشرين، أدت التوسعات العمرانية، وشق الطرق الرئيسية، وعلى رأسها طريق صلاح سالم، إلى اقتطاع وإزالة أجزاء متفرقة من الامتداد الشرقى للسور المتاخم للقلعة.

واليوم، يقف سور مجرى العيون شاهدا أثريا وهندسيا نادرا، يروى حكاية أكثر من ثمانية قرون من العبقرية المصرية فى إدارة الموارد المائية والعمارة الإسلامية، وبفضل مشروع التطوير الشامل والتنسيق الحضارى الحديث، يستعاد هذا الصرح التاريخى من ظلمات العقود الماضية، ليتنفس مجددا، وسط بيئة تنموية وثقافية وسياحية واعدة، رابطا عراقة الأصالة بالرؤية الحضارية.

 	عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

وداعًا كوبرى الموت بالسيدة عائشة
اللواء إبراهيم عبد الهادى: نهدف لتطوير القاهرة الخديوية.. وإعادة الرؤي
حارة

المزيد من تحقيقات

حكاية «الكلب هول».. أول كابتن فى تاريخ البوليس المصرى

"فشر الكلب هول". ترفض الذائقة الشعبية التشبيه بالكلب، والراسخ فى المعتقد هو الحط من قدر الشخص وتوجيه أبشع الإهانات له...

التاريخ يتنفس من جديد.. سور مجرى العيون يفتح أبوابه للحياة

خطوة لتحويل القاهرة التاريخية إلى متحف مفتوح تأهيل المسار العلوى للمجرى المائى وتز ويد امتداد السور بأحدث تقنيات الإضاءة

رمضان أحمد.. من عامل فى مسجد إلى حاصل على الماجستير

ابن الأقصر عمل سائق ميكروباص لينفق على تعليمه

تسجيل الخطوط الهاتفية يكشف تطور العقيدة الرصدية للأجهزة الأمنية

من الشاشات الرقمية إلى قفص الاتهام.. كيف أعادت التكنولوجيا تشكيل مسرح الجريمة والأدلة فى مصر؟