تحركات عاجلة لفتح عيادات متخصصة فى المستشفيات الحكومية
الجميع يتغنى بثورة الاتصالات التي جعلت العالم مجرد جهاز صغير يمكن التحكم فيه بأطراف الأصابع.. جهاز يمنحك الشعور بالقدرة على أن تصنع ما تريد وتحصل على كل ما ترغب فيه... ولا أحد ينتبه أن الجهاز الذي تدفع فيه الأموال لتمتلكه.. أصبح هو من يمتلكك ويحركك كيفما يريد آخرين.
الكثيرون من مختلف الفئات والأعمار سقطوا في فخ الإدمان الإلكتروني، ولم يعد الأمر مجرد أمر عابر.. بل ظاهرة تستدع تدخلا عاجلا.. وهو ما جرى ترجمته في صورة مبادرة رئاسية لإنقاذ وعلاج المدمنيين الرقميين ومن يعيشون في عالم افتراضي. لاستعادتهم مرة أخرى للعالم الحقيقي.
وفى هذا الاطار، أكد الدكتور وائل أبو هندي أستاذ الطب النفسى بكلية الطب جامعة الزقازيق
أن إدمان الإنترنت والألعاب الإلكترونية يتسبب في تغيرات بيولوجية تصيب خلايا المخ البشرى جراء التعرض المستمر للشاشات، واصفا الأمر بأنه اضطراب سلوكي يصنع الإدمان.. ليس عبر مواد كيميائية خارجية تؤثر على الجهاز العصبي كالمخدرات التقليدية)، بل عبر استجابات داخلية من المواد التي يفرزها الجسم تلقائياً كنتيجة طبيعية لحالة الشغف والمتعة والمؤثرات البصرية والسمعية السريعة التي يعيشها الفرد أثناء اللعب والتعرض، مشيرا إلى أنه مع تكرار التعرض لهذه المؤثرات، يدخل المخ في حالة طلب دائم لإشباع رغبته، مما يجعل الأنشطة التقليدية مملة.
وحذر أبو هندى من التأثير المدمر لهذا الاضطراب على المدى البعيد، وتحديداً على الفص الأمامي للمخ" المسؤول الأول عن التخطيط، والتحكم في الانفعالات وضبط ردود الأفعال، قائلا: "الاستهلاك المفرط يؤدى إلى إرهاق الخلايا العصبية، ويحدث تلف أو تحوراً في الألياف العصبية.. مع تشكل دوائر جديدة داخل الدماغ، مما يتسبب في تراجع القدرة على الانتباه والتركيز، ويجعل الشخص يقع في فخ الاندفاعية وعدم القدرة على تأجيل المتعة بالتالي يصعب التوقف عن روتينه في التعرض لهذا العالم الرقمي. وأضاف نتحدث هنا بشكل أساسي عن المستهلكين للمؤثرات البصرية والألعاب، وليس من يتطلب عمله أو دراسته قضاء وقت طويل أو متكرر أمام الشاشات، والفارق يتلخص في عدم قدرة الأول على الانفصال عن الشاشة بعد نصف ساعة، وفشل محاولات تقليص عدد الساعات مع تغير سلوكيات الشخص عند انقطاعه عنها.
وأوضح أبو هندى أنه من ضمن التداعيات النفسية المترتبة على الانغماس الافتراضي، القلق والاكتئاب وارتفاع نسبة الإصابة بـ "الرهاب الاجتماعي" والعزلة بين الشباب والنشء من (۲) إلى (۳) سابقاً لتسجل اليوم نسبة تصل إلى ٢٤ والمتهم الرئيسي هنا هي وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها تدفع الطفل أو المراهق لا شعوريا إلى عقد مقارنات دائمة بين واقعه الحقيقي وبين الواقع الافتراضى الزائف" والمعاد تصويره وفلترته أمامه، مما يولد لديه شعوراً بالنقص، ويدفعه للانعزال والهروب من المجتمع الحقيقي لأنه لا يشبه عالم الشاشات أمامه، في ظل انخفاض مستوى الإدراك في السن الصغيرة التي يصعب إقناعها بأن ما يروه على المنصات مجرد لقطات تصويرية وليست الحقيقة.
ونبه أبو هندى إلى أن تغيير هذا الواقع صار يتطلب أولا "استبصاراً وثقافة عامة من الأهل، لاسيما الأمهات مع ضرورة تفهم تحديات العصر، فالمغريات اليوم كبيرة والبدائل الواقعية والآمنة أصبحت تكلفتها المادية أعلى على الأسرة. حتى الشارع لم يصبح آمنا كالماضي، لا يجب أن تكون البدائل عبر أنشطة أون لاين فقط ، لأنه حتى في التعليم بدأت العودة للكتاب الورقي، فالتفاعل الحي أفضل نفسيا من الافتراضي في كل الأحوال ومع هذا يمكن استخدام الهاتف نفسه" كأداة مكافأة مشروطة بمنح الطفل وقتاً محدداً عليه بعد إنجاز مهام وواجبات حقيقية على أرض الواقع، كخطوة ذكية السحب البساط تدريجياً من عالم الديجيتال.
وشدد خبير الطب النفسى الدكتور وائل أبو هندى على الأهمية التي تكتسب المبادرة الرئاسية في هذا الشأن.. وتخصيص ۱۰ مستشفيات حكومية تابعة للأمانة العامة للصحة النفسية دلالة بالغة الأهمية لأنها تعنى رصد الدولة للأزمة والعمل على معالجتها مع ضمان توفير فريق طبي متكامل ومختص يقدم العلاج مجانا وبشكل يسهل لكل الطبقات الاجتماعية طلبه دون عبء مادي. لكن على الأسر أن تعلم أن علاج إدمان الإنترنت لا يحدث بين يوم وليلة، بل يتطلب رحلة صبر لا تقل عن 3 أشهر من إعادة ترتيب الوقت
وبناء نمط سلوکی جدید
في ذات الاطار، أكدت النائبة الدكتورة نشوة عقل عضو لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب وكيل
كلية الإعلام بجامعة القاهرة لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة على الأهمية البالغة للمبادرة الرئاسية المواجهة إدمان الألعاب الإلكترونية والإنترنت لافتة إلى أنها تأتى فى توقيت حرج للحد من المساوئ الكبيرة التي خلفها الانغماس الرقمي والذي بات يؤثر سلباً على المستوى الدراسي للنشء وسلوكهم الاجتماعى الواقعي.
وأوضحت الدكتورة نشوة عقل أنه على الرغم من أن عالم الافتراض يسحب الكبار أيضا، إلا أن تأثر الأطفال والمراهقين يكون أعمق وأخطر، نظرا لعدم اكتمال وعيهم من جهة، وغياب المسؤوليات والمهام الكبرى التي تشغل أوقاتهم من جهة أخرى، لاسيما خلال العطلات الإجازات الصيفية، مشيرة إلى صعوبة إجبار الأطفال على التخلى عن الإنترنت فجأة، لأنه بات متاحاً أمامهم بشكل دائم ويمنحهم فكرة الاختيار الزائف" عبر مشاهدة ما يريدون في الوقت الذي يفضلونه، وهو ما تفوق به على الوسائل التقليدية القديمة.
وقالت الدكتورة نشوة عقل إن الفئة العمرية الأقل من ١٥ عاماً هي الأكثر استجابة لمثل هذه المبادرات التوعوية، حيث تجد الجهود الأسرية معها صدى حقيقيا، على عكس الفئات الأكبر سنا التي تدخل مرحلة المراهقة وتتسم بالعناد ومحاولة إثبات الشخصية مؤكدة أنه "من شب على شيء شاب عليه"، فإذا اعتاد الطفل منذ صغره على تنظيم وقته والانشغال بأنشطة حركية ومفيدة، استمر معه هذا السلوك الإيجابي عند الكبر، والعكس صحيح، إلى أن تأتى انشغالات الحياة من دراسة جامعية أو عمل لتعيد صياغة وقته وتجبره على خفض ساعات استخدام الهاتف".
وحذرت الدكتورة نشوة عقل من سياسة المنع التام أو التوجيه المباشر، مؤكدة أن الطفل لكي يترك شاشة الهاتف التي تمثل له عالماً جميلاً ومشبعاً، يحتاج إلى بديل يكون على نفس القدر من الإشباع والمتعة أو قريباً منه، بهدف سحبه تدريجيا وبهدوء من عالم تضييع الوقت دون إحداث رد فعل عكسي.
وطرحت الدكتورة نشوة عقل رؤية لاستثمار "الهاتف" كوسيلة للحل بدلا من أن يكون أداة للأزمة، وذلك من خلال توجيه الأطفال والمراهقين نحو أنشطة تفاعلية ومفيدة من خلال الشاشات، مثل ورش العمل والكورسات التعليمية عن بعد، مستشهدة بـ "منحة البرمجة" التي تقدمها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتي تمثل تجربة رائدة ومثمرة في تحويل الشغف التكنولوجي إلى مهارة مستقبلية.
واختتمت النائبة الدكتورة نشوة عقل حديثها بضرورة مراعاة البعد الاجتماعي والاقتصادي عند طرحالبدائل، مؤكدة أن لجوء بعض الأسر لترك الهواتف في أيدى أبنائها يعود إلى أن هذا الجهاز البسيط يوفر المتعة واللعب مجاناً، في ظل عدم قدرة شريحة من الأسر على تحمل التكاليف المادية المرتفعة للاشتراك في النوادي والتدريبات والكورسات الخاصة، رغم إدراكهم لأهميتها للصحة النفسية والجسمانية لأبنائهم.
وطالبت الدكتورة نشوة عقل بضرورة تحقيق التكامل المؤسسي" بين أجهزة الدولة المختلفة لإنجاح المبادرة الرئاسية، بحيث تتكامل جهود وزارة الصحة في المبادرة مع الهيئات المهتمة بالنشء مثل قطاع قصور الثقافة ومراكز الشباب التابعة لوزارة الشباب والرياضة، بالإضافة إلى المدارس من خلال خلق أنشطة صيفية فنية ورياضية واجتماعية بأسعار رمزية ومجانية، فضلا عن نشر الوعى من خلال المؤسسات الإعلامية والتعليمية والدينية للأهل والنشئ على السواء.
من زاوية أخرى، حذر الدكتور فتحى الشرقاوي استاذ علم النفس بكلية الآداب ورئيس مجلس علم نفس بجامعة عين شمس، أن المصطلحات الفضفاضة قد تتحول إلى حجر عثرة أمام نجاحالجهود الرسمية، قائلا: أخشى أن تكون كلمة "إدمان" عائقاً حقيقياً أمام الحل، فهى كلمة مشحونة بالوصم الاجتماعي في ثقافتنا مما قد يؤثر سلباً على استجابة الناس لطلب المساعدة فهناك ثلاثة ملفات يخشى المواطن الاعتراف بها مجتمعياً حتى لو كان العلاج داخلها، وهي: المشاكل النفسية، والجنسية، والإدمان.
وبذات المبدأ، نبه الدكتور فتحى الشرقاوي إلى أن فكرة تخصيص مستشفيات الصحة النفسية" الاستقبال الحالات قد تستدعى ذهنياً لدى رجل الشارع البسيط فكرة المرض العقلي"، وهو ما قد يؤدى العزوف الفئات المستهدفة وخوف الأسر على سمعة أبنائهم. واقترح استبدال المصطلحات قائلا: "ما يحدث في حالة الإنترنت والألعاب الإلكترونية ففي تعريفه النفسي الفسيولوجي، هو نوع من التعود الشديد الذي يشبع لدى الفرد احتياجاً نفسياً معيناً، تنطلق بناء عليه هرمونات المتعة والسعادة مثل (الدوبامين) و (السيروتونين وترتبط طول فترة الاستخدام بمستويات هذه الهرمونات، فتنشأ دائرة من التعود تجعل المريض يعاني من أعراض انسحاب كالتوتر والاندفاعية بمجرد سحب الشاشة أو تحديد وقتها.
ويتكامل طرح الدكتور فتحى الشرقاوى مع رؤية الدكتورة نشوة عقل في ضرورة إيجاد البديل المشبع"، موضحاً أنه للحصول على استجابة مختلفة من الأبناء، لا بد من التعامل بطريقة مختلفة مع المثير الإنترنت). ودعا الدولة لوضع خطة متكاملة التوفير ملاعب ونواد ومكتبات عامة قريبة جغرافيا من الجميع لتسهيل عملية الإحلال السلوكي، معقباً يجب الاستعانة بخبراء علم النفس الإيجابي) لأنهم المسؤولون علمياً عن ملف جودة الحياة وتعديل السلوك الإنساني"، مشدد على أن جهود العلاج لا بد أن تسير معه خطة وقائية متوازية تحمى الصغار من أعراض جسمانية ونفسية بالغة الخطورة كضعف النظر ومشاكل العظام والعمود الفقري، وفقدان الثقة بالنفس وغيرها، موجها خطابه للإعلام بضرورة توعية الأهل وتحديداً الأمهات وفق الأبحاث العالمية بالبحث عن نشاطات بديلة للأطفال، والامتناع التام عن تقديم الهواتف لهم في سن صغيرة مهما كانت المبررات أو الضغوط.
واختتم الدكتور فتحى الشرقاوى حديثه بالإشارة إلى نسبية التعامل الرقمي"، مؤكداً أن طريقة الخطاب وآليات العلاج تختلف تماماً باختلاف الشريحة العمرية فالمثير البصري الذي يجذب الأطفال ويحرك غرائزهم يختلف عن المثيرات التي تجتذب الشباب أو تلك التي تستهوى من هم فوق الستين عاما، وهو ما يجب أن تراعيه عيادات التأهيل النفسي لتقديم خدمة نوعية تناسب كل فئة.
وكان دكتور حسام عبد الغفار المتحدث الرسمى الوزارة الصحة والسكان، قد أعلن عن توسع الوزارة في المبادرة الرئاسية لتصل إلى ١٠ عيادات متخصصة العلاج الإدمان السلوكي وإعادة تأهيل الأطفال والمراهقين مجانا.
وتنقسم المحورين الأول وقائي، من خلال حملات طرق الأبواب والندوات التثقيفية بالمدارس والجامعات ومراكز الشباب لتوعية الأسر بمخاطر الأمن السيبراني النفسي والثاني علاجي عبر الخط الساخن للأمانة العامة للصحة النفسية " ١٦٣٢٨ " التقديم الاستشارات الفورية معتوجيه الحالات الحرجة إلى المراكز العلاجية المتخصصة.
وجاءت الخريطة الجغرافية للعيادات بالمحافظات لتشمل: المرحلة الأولى بعدد 1 عيادات في مستشفيات الصحة النفسية بالعباسية بالقاهرة، والخانكة بالقليوبية والمعمورة بالإسكندرية، ودميرة بالدقهلية. وعيادة بالمنيا وأخرى بأسيوط.
أما المرحلة الثانية فبعدد 4 عيادات جديدة في مستشفى مصر الجديدة لعلاج الإدمان، ومستشفيات الصحة النفسية بـ بنها وشبين الكوم وسوهاج.
تبدأ رحلة العلاج بـ تقييم نفسي شامل لتحديد درجة الارتباط بالشاشة، يليه وضع تشخیص علمی دقیق. ويتضمن البروتوكول جلسات علاج نفسی (فردی وجماعي)، والتعامل الطبى مع المضاعفات كالاكتئاب. والقلق واضطرابات النوم وتشتت الانتباه، وصولاً إلى مرحلة الإرشاد الأسرى والتأهيل المجتمعي الضمان عدم الانتكاسة.
مع رفع وعى الأهالي بضرورة الانتباه العلامات الخطر التي تستدعى التدخل الفورى ومنها الزيادة المطردة في ساعات الاستخدام، وظهور نوبات عصبية حادة عند سحب الهاتف والعزلة الاجتماعية الطويلة داخل الغرفة، واختلال مواعيد النوم، تراجع التحصيل الدراسي أو الأداء الوظيفي، وإهمال الهوايات والأنشطة الواقعية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
افتتح الخديو عباس حلمى الثانى مقره القديم فى 1904 افتتح الخديو عباس حلمى الثانى المتحف رسميا فى حفل مهيب حضره...
في خطوة تهدف إلى حماية زوار بيت الله الحرام من مافيا السمسرة والنصب، اعتمدت وزارة السياحة والآثار ضوابط جديدة لتنظيم...
حياة مرسى: الاحتفال قبل ظهور النتيجة تعبير عن التخلص من ضغط نفسى طويل