استغلال المرأة العاملة يؤدى للجريمة والانحراف ويهدد استقرار المجتمع بأكمله عضو لجنة الفتوى: شرط مساهمة المرأة فى أعباء الحياة باطل عند جمهور العلماء وصحيح عند الحنابلة فقط
في الوقت الذي تشيد فيه التقارير الرسمية بـ "المرأة المعيلة" كرمز للصمود والقوة تتكشف الكثير من القصص اليومية المؤلمة عن الوجه الآخر لتلك الظاهرة.. فملايين الزوجات العاملات فى مصر يتحولن مع الوقت إلى معيلات رغم تواجد الأزواج.. فقد منح نزول المرأة للعمل - لتحسين الأوضاع الاقتصادية - الفرصة لتراخى بعضهم، بل وبعضهم سولت لهم أنفسهم الاستيلاء على رواتبهن كاملة أو جزء كبير منها ويتركون لهن فتاتا لا تكفى حتى لسد رمق أطفالهن.
ووفقا لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فحتى عام 2025 فإن 13-16% من الأسر المصرية (أي ما بين 3.4 و 4.2 مليون أسرة من إجمالى 26.5 مليون أسرة تعولها امرأة.. لكن اللافت أن نسبة كبيرة من هؤلاء النساء المعيلات ما زال أزواجهن على قيد الحياة وبصحة جيدة وإنما يعانون من البطالة المقنعة أو الإدمان أو الكسل المزمن.
فيما تؤكد تقارير ميدانية من المجلس القومى للمرأة أن آلاف الزوجات يسلمن رواتبهن كاملة لأزواجهن فور استلامها، فيما يرفض الزوج البحث عن عمل بدعاوى ومسميات عدة.
الأخطر أن هذا الاستغلال المادى يتخذ أحيانا طابعا ابتزازيا عن طريق التهديد بالطلاق أو التعدى بالضرب أو الحرمان من الأطفال، في ظل غياب نصوص قانونية واضحة تجرم استيلاء الزوج على راتب زوجته طالما لم يكن هناك عنف جسدی موثق 11
أما في الريف فتصل نسبة الأسر التي تعولها نساء إلى ٣٠؛ حيث يتحول راتب الزوجة إلى "مصروف جيب" للزوج ينفقه على المقاهى والمخدرات.. وهذه الظاهرة لا تدمر نفسية المرأة فحسب.. بل تنتج جيلا مشوها أخلاقيا واجتماعيا يشب على نموذج "الرجل المتطفل" و"المرأة الضحية العاملة"، مما يرفع معدلات التسرب المدرسي والانحراف بين الأبناء ويكرس دائرة الفقر والعنف الأسرى.. فقد أظهرت دراسة ميدانية أجرتها جامعة عين شمس ( مركز البحوث الجنائية والاجتماعية، (۲۰۲۳) على عينة من ١٢٠٠ أسرة مصرية معيلتها امرأة رغم وجود الزوج أن ٦٤% من الأبناء الذكور في هذه الأسر يرون فى الأب "نموذج الرجل المتطفل" ويقلدونه فى الكسل والاعتمادية عند الكبر ونسبة التسرب المدرسى بين أطفال هذه الأسر تصل إلى ٤١.. كما أن %٥٧% من حالات تعاطى المخدرات بين المراهقين فى هذه الأسر بدأت كمحاولة للهروب من الواقع الأسرى المزري، كما أثبتت دراسة طولية نشرتها ۲۰۲۲ عام "Journal of Family Violence" مجلة بمشاركة باحثين مصريين أن الأطفال الذين يرون أمهاتهم مضطرات للعمل والإنفاق، بينما يصرف الأب المال على نفسه أو على الإدمان يصبحون أكثر عرضة بنسبة %٧٣ لارتكاب جرائم السرقة أو العنف عند سن ١٨ - ٢٥ سنة؛ حيث يشبون على قناعة أن "المال يؤخذ بالقوة أو بالتطفل" وليس بالكد والعمل.
وفي تقرير لوزارة الداخلية (٢٠٢٤) تبين أن ٣٨ من النزلاء في سجون الأحداث والشباب بتهم السرقة والمخدرات والضرب نشأوا فى أسر تعولها الأم بينما الأب عاطل أو مدمن.
هكذا تتحول هذه الظاهرة من مجرد استغلال مالی فردى إلى مصنع اجتماعى للجريمة والانحراف يهدد استقرار المجتمع بأكمله ويكرس دائرة الفقر والعنف الأسرى عبر الأجيال.
فمتى نعترف بأن جزءا من المرأة المعيلة" ليس بطلا باختيارها بل ضحية لزوج تحول إلى عالة شرعية داخل بيتها ؟
وفي هذا الصدد تعبر ليلى إبراهيم إحدى ضحايا هذه المأساة قائلة: أعلم جيدا أنه يستغل عدم احتمالي لنظرات الاحتياج في عيون أبنائي ويستمر في استنزافي المادى حتى آخر قرش في راتبي ولكن.. ما البديل ؟
هل أترك أبنائي يعانون قسوة الحرمان لأن والدهم قد تملص من مسئولياته المادية تجاههم؟ أم أتخلى بدوري عن مسؤلياتي وأذهب الأهلى ربما تستعيد نظراتهم ما أفتقده من مشاعر الأبوة أو ربما أحيت تساؤلاتهم نخوة الرجولة بعد أن ماتت بداخله منذ أن نزلت للعمل.. ربما يكون هو الحل وربما أيضا لا فكيف أجازف؟
وتستأنف ليلى حديثها موضحة كيف وصل الأمر بها إلى هذا الحد فتقول: لم يكن هذا ما دار بداخلى عندما جاءنی خبر التعيين، فقد تخيلت أن حياتنا ستتحول وسيفيض الخير على وعلى أولادي.. ولكن زوجي أبي.. وحول هذه النعمة إلى نقمة أستشعر مرارتها كل ساعة مع كل وجبة أجد نفسي مجبرة على توفيرها ... ومع كل مناسبة أتكفل بها ماديا وحدي.. هكذا اعتاد أن ينفض يده تماما عن أي متطلبات...
تضيف: كنت أتغاضى عن إحساسي باستغلاله في البداية لأنه لم يكن بهذه الصورة، ولكن مع الوقت تطور الامر لأن يستقل هو تماما بمصاريفه الشخصية عن أي نفقات تخص المنزل حتى الطعام.. بل وأصبحلا يرق لنظرات أبنائه وهم يشتهون ما يأتي به من طعام ولا يجدون أمامهم سوى ما أستطيع أن أدبره لهم براتبي البسيط.. فكرت كثيرا في ترك العمل والعودة للمنزل ولكنى على ثقه بأنه اعتاد الاستقلال بمطالبه ولن يتحمل مسؤليتنا، بل إنه سيرفض عودتي مره أخرى !!
للأسف لم يكن هذا الواقع يخص هذه المرأة وحدها بل إنه بمناقشة بسيطة وسط مجموعة من النساء العاملات أكدن أن هذا التعامل هو المتعارف عليه في أسرهن وإن كانت تختلف صورته ودرجته إلا أن ابتزاز الرجل للمرأة أصبح شيئا مسلما به في عالم المرأة العاملة !!
وأكدن أيضا أن الرجل في أسرهن أصبح يتمسك بكل ما فيه سلطوية ويتنازل عن كل ما فيه مسئولية عن جهل فى فهم القوامة أو انتقاء لما يوائم أهواءه.. ومن نفس المنطلق تضيف أمال حسن: لم أفكر في العمل من قبل، ولكن بعد زواجي وإنجابي كان الأمر مختلفا فما يتقاضاه زوجي بالكاد يجعلنا نسد رمقنا حتى اننا في كثير من الأحيان كنا نختصر عدد الوجبات رغم أن الوجبات التي كنا نعتمد عليها لم تكن ترقى لأن يطلق عليها وجبة .. الدسمة فيها كانت العدس.. خفت على أولادى مما ينتظرهم في ظل هذا الفقر وقررت النزول للعمل - كان هذا منذ أكثر من ثلاثين عاما -ومع الوقت بدأ وضع زوجى المادى يختلف وتتحسن أحواله وأصبحنا فعلا في وضع لم نكن نتخيله وانتظرت الجزاء من زوجى الذي اعتاد أن يأخذ راتبي في أول يوم فى الشهر وكانت المفاجأة أن الوضع لم يتغير ... بل إنه أصبح يطالبني بما هو أكثر من راتبي ولا يصدق أننى أتقاضى هذا المبلغ فقط، وهنا حدثت مشكلة كبيرة بيننا تدخل فيها أهلى، وعلى أساسها قرروا ألا يأخذ منى قرشا واحدا طالما أنه مقتدر... فرحت في البداية ولم أنتبه للفخ الذي نصب لي على غير وعى منى، فقد قرر أن ينفق فيما يريد الإنفاق فيه مثل الطعام الذي يريد أن يأكله، أما ما لا يريده فلا دخل له به
كذلك رفع يده عن أي من الإصلاحات المنزلية أو الأجهزة، وكذلك دروس الأبناء ومصاريف مدارسهم حتى متطلبات المنزل الأشياء المتهالكة لا يستبدلها ... إلخ كل هذا بدعوى أنى أمتلك المال.. وأنا حقا راتبي لا يحتمل كل هذا، ولكن إما أن أحتمل أو أنفصل
وهكذا تستمر بيننا الحياة يعتليها الرماد الذي يكمن تحته ثورات خامدة من بركان القهر.
وعلى الجانب الآخر جاء رأى الرجل مدافعا عن قوامته كما يراها وبالطريقة المناسبة لمزاولتها، فيقول عادل السيد مهندس زراعي
إن الأمر ليس دائما كما تصوره النساء، فأنا شخصيا أرفض عمل زوجتى بعد أن استقرت أحوالنا المادية ولكنها الآن هي التي ترفض العودة للمنزل وتصطنع المشكلات كلما فاتحتها في هذا الأمر، حتى انها قد تترك المنزل، وهكذا فقد وجدت نفسي مجبرا على وضع لا أقبله، فقررت أن أشعرها بمسئوليات فوق طاقتها لعلها ترضخ لمطالبي.. ولكنها مستمرة في عملها فلتتحمل إذن!
ويقول أحمد عبد الرحمن - محاسب: إن الوقت الذي تقضيه زوجتى فى عملها هو من حقى وحق أولادها ... فإذا كانت تتقاضى عليه أجرا فلابد أن يدخل معظمه لنا لأني من سمحت لها بالنزول من البداية، ثم إنها تدعى أنها تخرج للعمل من أجل أبنائها، فلماذا تتضرر إذا طلب منها أن تلبى احتياجاتهم كما أنها تريد دائما إنفاق كل دخلى على المنزل دون أي نظرة مستقبلية لذلك فأنا أنظم الأمر وإن كانت تريد متطلبات أكثر للمنزل فلتنفقها هي.
ويوضح د. عطية عبد الموجود أستاذ الفقه الإسلامي بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر وعضو لجنة الفتوى بالجامع الأزهر الشريف
أن الاختلاف في هذا الأمر يرجع إلى الشروط المتفق عليها في بداية العقد؛ حيث إن عقد الزواج قد تقترن به شروط موافقه لمقتضى العقد؛ أي أنه لا حاجة لذكرها، فمثلا حين تشترط المرأة على الرجل أن ينفق عليها، فهو شرط واجب التنفيذ لأن الزواج يوجب عليه هذا الالتزام من الأساس، سواء نص عليه العقد أم لم يتم، فقد قال تعالى ( اسكنوهن من حيث سكنالم من وجدكم ولا تشاروهن للضيقوا عليهن وأن كن أولات خفل فاتفقوا عليهن على يضعن حملهن فإن از ضمن لكم فأتوهن أجورهن والمزوا بينكم يفخروف وان تغاشرتم لسترضع له أخرى. وهذا لا خلاف عليه بين العلماء.
يضيف فضيلته: أما الأمور الأخرى الطارئة والتي استحدثها البعض كان يشترط الرجل على المرأة أن تدفع له مبلغا من المال مساهمة منها في أعباء الحياة. فهو شرط باطل عند جمهور العلماء وصحيح عند الحنابلة فقط لكن لا يجوز للزوج في كل الأحوال إجبار الزوجة على تنفيذه... فقط إذا أرادت الزوجة عن رغبة وطواعية منها أن تسهم في منزلها بالمال، فقد قال تعالى ( وأتوا النساء صدقاتهن نخلة فإن طين لكم عن شيء فئة نفسا فكلوة هنيئا مريئا ) فالاية الكريمة وإن كانت بشأن المهر إلا أن حكمها إلى كل ما كان ملكا خاصا بالزوجة ولا يحل للزوج أكل شيء منه إلا إذا طابت هي نفسا، قال الخرص المالكي (إن المرأة لا يلزمها أن تنسج لزوجها ولا أن تغزل له ولا أن تخيط لأن هذه الأشياء ليست من انواع الخدمة، ولكنها من أنواع التكسب وليس عليها أن تتكسب له إلا أن تتطوع بذلك).
وإن كان الزوج مستغنيا عن راتب الزوجة ورغم ذلك يطمع فيه فإن ما يأخذه يعتبر حراما لأنه أكل لمال الغير بالباطل قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا اموالكم بيتكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا انفسكم إن الله كان بكم رحيقا).
وإن كان فقيرا محتاجا إلى هذه المساهمة، فالحكم مخفف ولكن عليه أن يسترضيها ولا يحصل على شيء إلا بإذنها وإرادتها.
فالأمر في النهاية متوقف على التراضي فيما بينهما وإن رفضت الزوجة المساهمة فليس هناك نص شرعي يلزمها بذلك إلا أن المروءة وضغط النفقات وارتفاع الأسعار يعلى عليها أن تسهم بشيء من راتبها، وعلى الزوج ألا يطمع أكثر من اللازم أو أن يكلفها من الأمر شططا أو أن يأخذ راتبها كله وإنما يبقى لها شيء كثير لكي تستطيع أن تلبى لنفسها ما يعجز عن تلبيته لها.
أما الدكتورة آمنة نصير أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر فتقول: عندما وزع الله سبحانه وتعالى الأدوار بين الرجل والمرأة أعطى لكل منهما ما يستحقه من مسئولية وكرامة، وعندما فضل الرجل با القوامة لم يتركها دون قيد ولكن بما أنفق، والإنفاق أمر مكلف به الرجل حتى لو كانت المرأة ثرية، وهناك بعض الآراء الفقهاء تقول إذا كان الرجل في عشرة مالية وكانت المرأة تملك المال تقرضه قرضا حسنا على أن يرده لها وقت اليسر، وهذا تأكيد على تكليف الرجل بالقوامة وربطها بالإنفاق والعمل، ولكن حدث تغيير في هذه الفترة بعدما تنازل الرجل عن مقومات. القوامة التي يتمسك بها إذا شعر بها تسحب من تحت أقدامه دون أن يؤدي حقها، وهنا تبدأ التواءات السلوك كان يترك البيت فارغا من أساسيات الحياة حتى تنفق المرأة ما معها من مال دون أن يطلب هو ويتصور أنه أجبرها بشكل متوار متخاب وهو سلوك لا يرقى إلى الرجولة ولا إلى التفضيل، بل ويوضع في حالة الخبث الذي ترفضه، وهو بذلك يسقط عنه تفضيل من الله سبحانه وتعالى.. وفي حديث للرسول صلى الله عليه وسلم يقول كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول، وفى رواية أخرى من يقود؛ أي لا يوجد إثم أعظم من أن يضيع المرء من يعول.
بينما ترى دكتورة هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع
بجامعة الزقازيق : إن سلوك الابتزاز له أوجه عديدة منها الابتزاز المادى وهو الأخف وطأة لأنه مدرك ومحسوب وممكن الرد عليه والأعنف منه الابتزاز العاطفي لأن الطرف الذي يدفع فاتورته لا يدرى بذلك.
وقد يعتقد البعض أن هذا الابتزاز المادي من الرجل لزوجته هو شيء مستحدث، ولكن ذلك غير صحيحفهذه النظرة بنيت على أساس وضع الطبقة المتوسطة تحت الميكرسكوب، ولأن المرأة في هذه الطبقة لم تنزل إلى العمل إلا مؤخرا فاعتقدنا أن هذا السلوك مستحدث في حين أنه كان متبعا مع المرأة في الطبقات الفقيرة التي كانت تعمل كخادمة وتذهب لزوجها براتبها، بل إنه قد يفعل ذلك مع ابنته التي قد لا تكون قد تخطت مرحلة الطفولة ويذهب بها إلى أسرة تقوم بخدمتهم ليحصل في النهاية مجموع الرواتب دون أن يكون له هو عمل.
وأنا شخصيا أرى أن وجود هذا السلوك أمر طبيعي لأن تطورنا كمجتمع يحدث في أجزاء دون الأخرى وهي منطقه الأفكار والثقافات التي لا تتغير تحت مظلة التعليم التي لم تعد تخلق وعيا.
في نفس الوقت الذي تعالج فيه هذه المشكلة على عدة مستويات الديني الذي يؤكد عدم أحقية الرجل في مال المرأة والاجتماعي الذي يؤكد أن خروج المرأة للعمل يقتطع من وقت بيتها فلابد من المساهمة وأن المرأة نفسها مبررها للعمل هو المساهمة في حد ذاتها فيحدث الصراع نظرا لعدم الاتفاق ولعدم المواجهة المباشرة فيلجا الطرفان إلى الالتفاف في صراع على المصالح.
رباب سعفان
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
استغلال المرأة العاملة يؤدى للجريمة والانحراف ويهدد استقرار المجتمع بأكمله عضو لجنة الفتوى: شرط مساهمة المرأة فى أعباء الحياة باطل...
أطاحت بوزراء ورموا بها «العندليب » فى أول ظهور له
تجاوزت الخامسة والستين وتعمل دون كلل أو ملل
الذكاء الاصطناعى بات بديلًا عن التفاعل الإنسانى د. شريف اللبان: تكنولوجيا الاتصال أعادت تشكيل بنية الأسرة فصار لكل فرد عالمه...