الغلاء.. يسرق فرحة الموسم من البيوت

ثلاجات بلا خزين.. وأسعار بلا ضابط.. وسوق بلا رحمة العسقلانى: يجب التصدى الحاسم للفوضى السعرية اليومية التى تشجع التجار على استغلال المواطن د. حمدى: ارتفاع الأسعار فى مصر ينتج عن عوامل اجتماعية وسلوكية وليست اقتصادية فقط د. خطاب: الأسواق المحلية تشهد استقرارًا.. والإقبال على التخزين يغرى التجار برفع الأسعار

شهدت الأسواق المصرية مؤخرا، موجة ارتفاعات متتالية نتيجة استغلال بعض التجار لإقبال البعض على الشراء، ما دفع الأسر المصرية للتخلى عن ثقافة التخزين والاتجاه للشراء على قدر الحاجة اليومية... الأمر الذي أضاع بهجة المواسم وخلق إحساسا بضياع الأمن الغذائي.

في هذه الأوقات يتساءل البعض عن دور غرف الصناعات الغذائية كحلقة وصل بين الصناع والتجار من جهة، والمواطنين من جهة أخرى، لضمان توافر السلع الأساسية بأسعار مناسبة وجودة عالية، لا سيما مع ارتفاع أسعار أسواق الشارع، فقد شهدت اللحوم والدواجن زيادة بنسبة %١٥ إلى ٢٥% خلال الشهر الأخير بينما تأرجحت أسعار الخضراوات والفواكه يوميًا بين %۳۰ حسب الموسم والعرض والطلب، أيضا أسعار منتجات الألبان والبيض ارتفعت بنسبة %۱۸ مؤخرًا ووصل سعر الكاكاو المحبب للأطفال إلى ٩٠ جنيها، إلى جانب ارتفاع أسعار المكسرات والياميش، فتجاوز الحد الأدنى ٤٥٠ جنيها للكيس الواحد.

تساؤلات ملحة تحيط بدور هذه الغرف في الحد من استغلال التجار لاحتياجات المواطنين، خصوصا في ظل ضعف التوازن السعرى وقلة القدرة الشرائية، ما جعل العديد من الأسر عاجزة عن تأمين مستلزماتها الأساسية، رغم توافرها المفترض في الأسواق.

تجربة سعاد محفوظ - موظفة - مع الغلاء وفقدان الشفافية السعرية تحاول دائمًا الحفاظ على ميزانية بيتها كانت تشترى هي وزوجها من الهايبرات والمحلات الكبرى والسلاسل، خاصة مع قرب المناسبات، حيث كانت الأسعار واضحة ومكتوبة على المنتجات.

مع تفاقم الغلاء، أصبحت لا تشترى أي منتج إلا إذا كان مسعرًا بتكت وكود واضح لضبط ميزانية بيتها. ومع ذلك، صدمت مؤخرًا عند الدفع فى الكاشير؛ إذ وجدت بعض المنتجات مطبوعة بأسعار قديمة على الرفوف لكنها كانت محملة بالفاتورة بأسعار أعلى. اضطرت الإعادة بعض المنتجات والاكتفاء بالضروريات، رغم أن ذلك لم يلب احتياجات أسرتها، وخرجت من المتجر بحسرة بسبب خروج ميزانيتها عن السيطرة.

تطرح تساؤلات لدى كثير من المستهلكين لماذا تعرض المنتجات على الرف بأسعار قديمة ؟ هل هو إهمال أم أسلوب جديد لخداع المشترى ؟

وتعتبر تجربتها مع الأسواق ليست حالة فردية، بل نموذجا لمعاناة العديد من الأسر التي أصبحت تخشى التسوق، ليس فقط بسبب الغلاء، بل بسبب غياب الشفافية والثقة فى الأسواق، ما يجعل المستهلك الحلقة الأضعف في معادلة السوق.

ويشير المهندس شريف عرفة رب أسرة، إلى أن الأسر المصرية تواجه صعوبة كبيرة في تخزين السلع الغذائية الأساسية، خاصة مع دخول المواسم التي يرتفع فيها الاستهلاك، وعلى رأسها شهر رمضان أسعار اللحوم والدواجن والمواد الغذائية الأساسية تجاوزت قدرات الدخل، ما جعل فكرة خزين البيت شبه مستحيلة وأدخل الأسر فى حالة قلق دائم حول المستقبل.

ويضيف شريف أن الأسعار ترتفع يوميا دون توازن أو رقابة حقيقية، مقارنة بالسنوات الماضية، حيث كان من المعتاد التخزين قبل رمضان دون قلق حتى الهايبر ماركت باتت شبه فارغة، إذ يشترى الناس كميات قليلة يوميا بدلا من التخزين، لقلة القدرة الشرائية.

إلا أن العديد من المحال في الأحياء عندى بمدينة نصر أغلقت أبوابها نتيجة ضعف حركة البيع الناتج عن التغيرات اليومية فى الأسعار، ما أثر سلبا على كل من التاجر والمستهلك. ويؤكد أن المواطن قد يتحمل زيادات في بنود مثل الكهرباء أو الاتصالات، لكنه لا يستطيع تحمل ارتفاع أسعار الغذاء، إذ إن أقل وجبة أصبحت مكلفة جدا، والعزومات البسيطة أصبحت عبنا ماليا، مشيرا إلى التأثر الاجتماعي بالغلاء، الذي امتد إلى سلوكيات مجتمعية مؤلمة، حيث أصبح الهدر الغذائي وسلوكيات مثل البحث عن الطعام في القمامة ظاهرة مقلقة، مؤكدًا أهمية النظر إلى المواطن المصري بعين الرحمة لتوفير الاحتياجات الأساسية، حتى تبقى فرحة المناسبات مثل رمضان جزءا من الثقافة المصرية، بدلا من أن تتحول إلى قلق مستمر.

من جانب آخر يؤكد الكاتب "محمود العسقلاني" رئيس جمعية "نعم ضد الغلاء"، أن تفاوت الأسعار الذي تشهده الأسواق المصرية حاليا ظاهرة غير مسبوقة، ولا تحدث بهذا الشكل في أي دولة أخرى في العالم. موضحًا أن فكرة التغيرات اللحظية وشبه اليومية في ارتفاع الأسعار لا وجود لها إلا في مصر. بينما إذا نظرنا إلى دول أخرى مثل أمريكا أو دول أوروبا والمانيا وهي دول ليبرالية كبرى ستجد التزاما واضحا باستقرار الأسعان وتقديم عروض حقيقية ترامي ظروف المواطن، باعتباره محور الدولة.

كما يشير إلى أن ما يحدث حاليا في الأسواق هو صورة مبالغ فيها من الفوضى السعرية اليومية، تستوجب التصدى الحاسم لها، لأنها تشجع بعض التجار على استقلال المواطن، موضحا أن أحد أصحاب المحال التجارية أبلغه بأنه يتلقى إخطارا شبه يومي من بعض الشركات بضرورة رفع الأسعار سواء كانت هذه الشركات تعمل في الاستيراد أو التصدير أو في السوق المحلية. وهو ما يعكس خللا واضحا في منظومة التسعير.

وشدد على ضرورة اتخاذ وقفة جادة وحاسمة للحد من الشركات التي تبالغ في رفع الأسعار دون مبرر مؤكدا أن ما يحدث أصبح جريمة متفشية تستازم تدخلا قانونيا صارما، وطالب بأن يكون هناك دور فعال للأجهزة الحكومية، مع عرض هذه الإشكاليات على البرلمان بشكله الجديد، ووضعها ضمن أولويات النقاش، خاصة فيما يتعلق باستقلال نفوذ التجار ورفع التسعيرة يوميا دون وجه حق.

وأوضح أن غياب التواصل الحقيقي مع منظومة التجارة الداخلية أدى إلى تفاقم الظاهرة، ما سمحباستمرار مهزلة التلاعب بالأسعان حيث أصبح كل تاجر يضع التسعيرة وفقا لهواه، وهو أمر غير منطقي في أي سوق منظم. وأعرب عن أمله في أن يشهد البرلمان الحالي تغييرا حقيقيا من خلال التعاون مع رجال الأعمال والتجار وعقد مشاورات جادة يتم على أساسها الاتفاق على آلية تضمن الاستقرار والموازنة العامة للأسعار خاصة فيما يتعلق بالسلع الغذائية الأساسية.

وفي السياق ذاته، أكد أن الدولة لن تتهاون في حقوق المواطن، وتسعى من جانب آخر إلى تخفيف الأعباء عنه من خلال إقامة معارض على مستوى الجمهورية مثل معارض أهلا رمضان وغيرها، إلى جانب الدعم الموجه لإشباع احتياجات الأسر المصرية.

وأضاف أن جمعية "نعم ضد الغلاء" شاركت في إقامة معرض بمدينة المنصورة لمدة يومين تحت إشراف محافظ الدقهلية طارق مرزوق، إلا أن المحافظ قرر من فترة المعرض إلى أسبوع كامل بدلا من يومين، حتى يتمكن المواطنون من شراء احتياجاتهم من السلع الغذائية. وأشار إلى أن سعر اللحمة البقري البادي داخل المعرض يبدأ من ٢٤٠ جنيها ويصل إلى ١٧٥ جنيها، كبديل حقيقي للأسواق الخاصة التي تستقل المواطنين وتفرض عليهم ضغوطا معيشية كبيرة.

وأوضح أن هذه المعارض تمثل نموذجا يليق بالمواطن المصرى، وتسهم في تسهيل سبل المعيشة من خلال توفير السلع والخدمات باسعار عادلة، بدعم مباشر من الدولة، مشيرا إلى أن مواجهة موجات الغلاء لا تتم إلا من خلال موازنة حقيقية للأسعار وتعميم هذه التجربة على مستوى الجمهورية. مما أبرزت أيضا حملات منافذ البيع، أيضا دور مبادرة كلنا واحد"، التي تقام تحت اشراف فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتقدم سلها بأسعار مخفضة أقل من السوق، بل وأرخص من البراندات الخاصة التي تفرض تسعيرا مبالغا فيه دون مبرر حقيقي المعارض توفر أنواعا معروفة من الزيوت منها زيت الصويا وزيت الذرة بسعر ٤٥ جنيها.

إلى جانب زيت بذرة القطن الخالي من الكوليسترول والذي يعد بحسب وصفه أفضل من بعض منتجات القطاع الخاص، مؤكدا أن هذه المبادرات تمثل خط دفاع حقيقيا لحماية المواطن من جشع الأسواق.

الدكتور عماد حمدى حسانين" خبير علم الاجتماع جامعة القاهرة كلية الدراسات الأفريقية العليا: يرى أزمة ارتفاع الأسعار في مصر نتاج عوامل اجتماعية وسلوكية وليست اقتصادية فقط.

أن الأزمة الحالية في الأسواق المصرية، مع الارتفاع المتواصل لأسعار السلع والاحتياجات الأساسية وتراجع قدرة الأسر على تلبية متطلباتها اليومية، لا يمكن اختزالها في كونها مجرد مشكلة اقتصادية. فهي نتاج مباشر لتشابك عوامل اجتماعية وسلوكية ومؤسسية ساهمت في تفاقم المشهد الحالي.

وأشار إلى أن ضعف الوعي المجتمعى يمثل أحد الأسباب الجوهرية للأزمة، حيث يغيب الإدراك بخطورة السلوكيات الاستهلاكية الخاطئة مثل التهافت غير المبرر على السلع أو القبول الضمني بارتفاع الأسعار دون مساءلة، مما يشجع بعض التجار على الاستمرار في ممارساتهم الاحتكارية. كما أن السلوك الجمعى المضطرب بالتوازي مع تراجع الوازع الديني والأخلاقي وغياب الدور التوعوى المؤسسات الدولة الدينية والتعليمية ومؤسسات المجتمع المدني. أدى إلى فراغ قيمي سمح بانتشار الجشع الفردي على حساب الصالح العام.

كما أشار حسانين أيضا إلى ضعف المواجهة الحكومية والرقابة على الأسواق، ما منح التجار مساحة التمادي في رفع الأسعار دون رادع فعال، وأوضح أن هذه الأزمة أدت إلى تداعيات اجتماعية خطيرة، منها عجز الأسر عن توفير الاحتياجات الأساسية، وتفكك أسر يصل أحيانا إلى الطلاق وتشرد الأطفال، إضافة إلى معاناة نفسية وسلوكية قد تدفع بعض الأفراد للانحراف أو ارتكاب جرائم بسبب العجز عن تلبية متطلبات الحياة والمعالجة هذا ضرورة تدخل حكومي حاسم يشمل التوسع في إقامة معارض متنقلة وثابتة وأسواق موازية تقدم سلعا بجودة أعلى وأسعار أقل. مع توفير كميات كافية طوال العام ومضاعفتها في المواسم التي يزداد فيها الاستهلاك وضمان استمرارية هذه المبادرات وعدم الاكتفاء بحلول مؤقتة. كما دعا إلى سن تشريعات وآليات قانونية جديدة لضبط الأسعار ومنع التلاعب في الأسواق وتفعيل الرقابة وفرض العقاب الرادع دون استثناء.

مؤكدا أن معالجة الأزمة تتطلب رؤية شاملة لا تقتصر على البعد الاقتصادي فقط، بل تشمل إصلاح السلوك المجتمعي، واستعادة الدور الحقيقي للمؤسسات وتحقيق العدالة الاجتماعية لضمان حياة كريمة المواطن المصرى.

أما الخبير الاقتصادي دكتور "أحمد خطاب" فقال: إن الأسواق المحلية تشهد حاليا استقرارا، بل وانخفاضا في عدد من أسعار السلع الأساسية، في حين تقتصر الزيادات الملحوظة على أسعار الذهب والفضة وبعض المعادن.. كما أوضح أن أسعار الخضراوات والفاكهة تتراجع، بينما تتجه السلع الاستراتيجية مثل الأرز والقمح إلى الانخفاض أو الثيات... مؤكدا أن تحسن سعر صرف الجنيه أمام الدولار يسهم في خفض أسعار السلع المستوردة مثل الزيوت والذرة، مما يعزز قدرة السوق على ضبط الأسعار خلال المرحلة المقبلة.

وأضاف أن زيادة الاستهلاك خلال شهر رمضان ليست انعكاسا لارتفاع الأسعار، بل نتيجة لكثرة العزومات وتبادل الزيارات، ما يرفع الطلب مؤقتا على السلع.

وأشار إلى دور الدولة في دعم المواطنين من خلال توفير اللحوم المدعمة وخمس سلع أساسية تشمل السكر والأرز والقمح والزيت والدقيق، عبر مبادرات مثل كلنا واحده والمنافذ الكبرى، ومنظومة التموين موضحا أن السلع الرمضانية متوفرة بأسعارها الطبيعية دون ازمات.

ولفت خطاب النظر إلى الانخفاض الكبير في أسعار الخضراوات والفاكهة، موضحًا أن سعر البرتقال بالجملة وصل إلى نحو ٨ جنيهات للكيلو، وسعر اليوسفى إلى ه جنيهات إلى جانب استقرار أسعار السلع الأساسية مثل البطاطس والطماطم.

وفيما يتعلق بالسلع المستوردة الخاصة بموسم رمضان مثل الياميش والتمر، أوضح أن أسعارها من المتوقع أن تكون أقل مقارنة بالعام الماضي، في ظل تراجع سعر الدولار الذي سجل مؤخرًا نحو ٤٧ جنيها، وتوافر العملة الأجنبية بالبنك المركزي والبنوك المصرية.

وانتقد بعض الممارسات الفردية لجشع بعض التجار خاصة في أسعار اللحوم، موضحا أن بيع كيلو اللحمة بأسعار تصل إلى ٥٠٠ جنيه يعد مبالغة غير مبررة، في حين أن سعر الكيلو القائم يتراوح بين ۱۷۰ و ۱۸۰ جنيها.

ما يعنى أن السعر العادل للبيع يجب أن يتراوح بين ٣٠٠ و ٣٢٠ جنيها، وهو ما يحقق هامش ربح مناسبا للتاجر...

وأكد أن متوسط أسعار اللحوم البلدية في المناطق

الشعبية يدور حول ۲۰۰ جنيه للكيلو، بينما يصل سعر

كيلو الفراخ البيضاء إلى نحو ٧٥ جنيها، مشددا على أن

أي زيادات مبالغ فيها ترجع إلى استغلال بعض التجار

الزيادة الإقبال الموسمى خلال شهر رمضان، وليس إلى

نقص في المعروض أو ارتفاع حقيقي في التكلفة.

وأضاف أن السوق يشهد وفرة في السلع واستقرارا عاما في الأسعار، وأن ما يحدث من تلاعب محدود لا يعكس الوضع الحقيقي للأسواق، وإنما يرتبط فقط بسلوكيات فردية موسمية، فإن ارتفاع الأسعار في السوق لا يرتبط فقط بعوامل العرض والطلب، بل يظهر عندما تغيب المنافسة العادلة وتضعف الرقابة.

ما يسمح لبعض التجار بممارسة سلوكيات احتكارية تؤدى إلى رفع الأسعار دون مبرر حقیقی.

 	 إنجى صبحى

إنجى صبحى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

عالم التجميل.. بين الوهم والأحلام

من يخض تجربة دخول المستشفى أو حتى عيادة طبية من أجل التجميل تكن الآمال لديه كبيرة جدا، خصوصا إذا كان...

وداعًا كوبرى الموت بالسيدة عائشة

إنشاء محور مرورى جديد يبدأ من منطقة مجرى العيون ومصر القديمة تحويل الميدان إلى ممشى سياحى وربطه بالمناطق الأثرية المحيطة...

الغلاء.. يسرق فرحة الموسم من البيوت

ثلاجات بلا خزين.. وأسعار بلا ضابط.. وسوق بلا رحمة العسقلانى: يجب التصدى الحاسم للفوضى السعرية اليومية التى تشجع التجار على...

من الغورية لشارع المعز على الفانوس دور

صنعه الفاطميون لإضاءة المساجد فصار رمزا لشهر الصيام آلاف البائعين يعملون فى مئات ورش صناعة الفوانيس معتمدين على موسم رمضان


مقالات

خان الخليلي
  • الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص
الصيام وفوائده الصحية للأصحاء والمرضى
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 01:00 م
بوابات القاهرة
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 09:00 ص