قبة رئيس الأطباء فى الدرب الأحمر فى انتظار الترميم

تنسب لعلى نجم الدين صاحب المنصب فى عهد الظاهر برقوق

في حارة "العربية" بالدرب الأحمر مساجد وقباب ومنشآت عديدة، تحكى قصص زمن وتاريخ ملوك وعمارة شامخة. الحارة المتفرعة من شارع الخيامية اكتسبت اسمها من بيع القرب الجلد التى كان يستخدمها السقايين وتصنع من جلود الحيوانات. هناك حيث تتراص الورش والمحلات على الجانبين لتعانق المنازل البسيطة كحال سكانها.

خلال تجولنا في أحد شوارع الحارة استوقفنا مبنى أثرى يتوارى خلف المشدات التي وضعت عليه لحمايته من السقوط، بالكاد تمكنا من النظر خلف السقالات في محاولة المعرفة بعض المعلومات عن هذه القبة، وخلال بحثنا جاء صوت من خلفنا قطع حيرتنا وهو يقول "هذا مقام اسمه على نجم الدين"، وكان رئيس الأطباء في عصر من العصور القديمة أيام المماليك وهو على هذه الحالة منذ سنوات ولا يعلم أحد هل سيتم ترميمه أم لا. سألت الرجل الأربعيني الذي تحدث إلينا، وكان يجلس في الجهة المقابلة للقبة عن أي معلومة يحتفظ بها عن القبة فلم يزد حرفا جديدا أكثر مما قاله.

القبة رغم أنها صغيرة الحجم وتكاد تكون من أصغر القباب في العمارة الإسلامية، وقد لا يلحظ وجودها المارة ويختفى جزء من واجهتها خلف أوراق الأشجار المحيطة بها، إلا أنها تضم بين جنباتها ضريحا واحدا من أعظم وأكبر أطباء زمانه، هو الطبيب البارع على بن عبد الواحد بن محمد بن صغير، رئيس الأطباء بالديار المصرية في عهد السلطان المملوكي الظاهر برقوق، وتعرف بقبة رئيس الأطباء» أو قبة على نجم» وهى مسجلة كأثر رقم ٣٥٩.

القبة صغيرة بشكل واضح ولها باب خشبی متواضع و شباكين بالأعلى، والشروخ تتوسط النص الذي يزين واجهة القبة، وبالنظر إلى الداخل يطل الضريح - الذي تزينه كسوة من الحرير تجمع بين ألوان الأخضر والأحمر والأصفر - على الشارع عبر شباك حديدي.

كانت القبة قد تم ترميمها في فترة سابقة من قبل المجلس الأعلى للآثار.

أما عن صاحب القبة فيقول المؤرخ الإسلامي أبو العلا خليل: هو " على بن عبد الواحد" رئيس الأطباء في عصر دولة المماليك الجراكسة، وتحديدا عهد السلطان الظاهر برقوق.

ولد بمدينة القاهرة، وتلقى العلم على يد كبار علماء زمانه حتى برع فيه وانتهت إليه رئاسة الطب وقتها، ذاع صيته وكون شهرته من قدرته الفريدة على العلاج ووصف الدواء.

يصفه ابن تغري بردي في كتابه "المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي" كان له حدس صائب، ودراية بالملاطفة حسن الشكل، بهى الصورة، منور الشيبة، تام القامة، كان يصف الدواء للموسر بأربعين ألفا، ويصف الدواء في ذلك الداء بعينه للمعسر بالفلس الواحد.

فقد كان مراعيا للبعد الاجتماعي للمرضى وظروفهم المادية، والتي تعد من أدبيات رسالة الطب.

ويضيف ابن الصيرفي في كتابه "نزهة النفوس والأبدان في تواريخ الزمان": أن رئيس الأطباء كان ماهرا في صناعته، وكان فاضلا غاية في فنه، وأجمع الناس على فهمه ومداواته للعليل وتشخيصه للمرض مع الاطلاع على كلام المتأخرين، وصنف الكتب في فنه.

وقد ذكر ابن إياس في موسوعته "بدائع الزهور في وقائع الدهور": أن السلطان العثماني بايزيد الأول كان يشكو من ألم المفاصل، فطلب من السلطان برقوق طبيبا حادقا في صنعة الطب، وأدوية توافق مرضه الذي كان يشكو به فبعث له برئيس الأطباء ومعه حملين من الأدوية التي توافق مرضه

وكان - رحمه الله - شديد الورع، وله في ذلك حكايات نقلها المقريزي في كتابه "السلوك في معرفة الدول والملوك" والسيوطي في كتابه حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة"، ومنها أنه أفرد من ماله 5 آلاف دينار للقرض الحسن بغير زيادة، فكان يقرض من يحتاج ابتغاء ثواب الله ومرضاته، وكان ينظم الشعر الجيد، ومن جميل نظمه

يا من إليه خطانا

يمحو جميع خطانا

نغدو إليه خماصا

ونروح عنه بطانا

وبينما كان رئيس الأطباء في حلب بصحبة السلطان برقوق المواجهة سلطان المغول تيمورلنك وفى يوم الجمعة 10 من ذي الحجة سنة ٧٩٦ه، وافي رئيس الأطباء الأجل ودفن بحلب، ثم نقلته ابنته إلى القاهرة حيث دفن بالدرب الأحمر، وقد أنشأ

القبة الحالية فوق ضريحه السيد محمد بن عبد الباقي خلال العصر العثماني، وتعرف الآن بقبة على نجم.

وتقوم القبة على واجهة بسيطة يتوسطها من الأسفل فتحة شباك مستطيلة، يلى ذلك النقش التأسيسي، تم رقبة القبة التي يعلوها شریط کتابی دائري، فيما خلت القبة من النقوش، أما تصميم القبة من الداخل عبارة عن غرف مربعة صغيرة، يتوسطها الضريح.

يذكر حسن قاسم في كتابه المزارات الإسلامية والآثار العربية في مصر والقاهرة المعزية: "هذا المسجد - مسجد على نجم - بشارع القربية ( حارة بنى سوس أو المأمونية ثم الرواسين سابقا)، أنشأه الشيخ على نجم الدين ابن حسين في سنة ١٠٨٧ هجرية / ١٦٧٦ م، ثم جدده وأنشأ القبة التي تعلو قبر منشئه السيد شمس الدين محمد بن عبد الباقي العيسوى، وأوقف عليه دكانا بشارع القربية، أول الكتابات التاريخية التي يحملها هذا الأثر النص الذي يعلو أسكفة الباب، وهو مكتوب بخط دقيق جدا، ولذا تعسر قراءته، وقد قرأنا فيه ما يلي: "أنشأ هذا المكان المبارك على ابن الفقير حسين وأوصى بإنشائه في سنة ١٠٨٧ هجرية"، والنص الثاني على الشباك بخط مغاير لسابقه نقرأ فيه هذه العبارة "أنشأ هذه القبة المباركة، وجدد هذا المسجد المبارك العبد الفقير إلى الله تعالى الراجي عفو ربه الكريم شمس الدين محمد بن عبد الباقي غفر الله له ولوالديه ولمن أعان على عمارته وللمسلمين يارب العالمين"، وثمة نصوص أخرى داخل الأثر بيد أنها فقدت ومحى غالبها.

 	إيناس مرشد

إيناس مرشد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

منزل جمال الدين الذهبى فى الغورية.. يتحدى الزمن

قضى الطاعون على أصحابه جميعا و بقى هو مسجل أثر برقم 72 وكان فترة من الوقت مقرا لنقابة الأثريين

عالم التجميل.. بين الوهم والأحلام

من يخض تجربة دخول المستشفى أو حتى عيادة طبية من أجل التجميل تكن الآمال لديه كبيرة جدا، خصوصا إذا كان...

الغلاء.. يسرق فرحة الموسم من البيوت

د. حمدى: ارتفاع الأسعار فى مصر ينتج عن عوامل اجتماعية وسلوكية وليست اقتصادية فقط العسقلانى: يجب التصدى الحاسم للفوضى السعرية...

من أسوان إلى سيناء أهل مصر يجتمعون على الفنون والتراث الشعبى

المريخى: أسوان بطبيعتها تحتضن حضارات متعددة.. والنوبيون أول من استوطنوها حلمى ياسين: التحطيب والحنة والسيرة الهلالية جزء أصيل من الهوية...