متحف الخزف الإسلامى.. رحلة عبر الزمن والفن

يضم المتحف 320 قطعة من الخزف ترجع للعصريين الأموى والعباسى

منذ لحظة دخولك إلى قصر الأمير عمرو إبراهيم فى الزمالك، تشعر أن المكان ليس مجرد مبنى، بل هو "حكاية مكتوبة بالحجر والجص والخشب والزجاج الملون.

القصر الذي شيد عام 1923، يحمل في تفاصيله روح العمارة الإسلامية التي تنتمى إلى أكثر من طراز مغربى، تركى أندلسي مع لمسات كلاسيكية أوروبية لذلك، لم يكن غريبا أن يتحول هذا القصر إلى متحف للخزف الإسلامي، لأن ما يميزه ليس فقط جماله الخارجي، بل أن كل شبر فيه عبارة عن لوحة فنية، ويفتح لك الباب كي ترى الخزف في بيئته الطبيعية، في قلب حضارة أنتجته..

فكرة إنشاء متحف الخزف الإسلامي جاءت كضرورة موضوعية، خاصة بعد تطوير مركز الجزيرة للفنون وتحديثه.

فمصر باعتبارها أقدم الحضارات الإنسانية علاقة بفن الخزف، كانت تحتاج إلى مكان يبرز هذا الفن، ويؤكد وجوده الراسخ عبر التاريخ. الخزف في مصر ليس مجرد "أشياء قديمة" تعرض، بل هو فن يمتد جذوره منذ ما قبل التاريخ، وتطورت تقنياته وأشكاله عبر العصور، حتى صار جزءا من هوية الحضارة الإسلامية. ومن هنا كانت فكرة تجميع روائع الخزف الإسلامي في قلب الجزيرة، بين أحضان نهر النيل فكرة تتجاوز مجرد العرض المتحفى إلى إعادة "تنسيق" التاريخ داخل فضاء يعكس نفس الحضارة.

المتحف يحتل الدورين الأرضى والأول من القصر، ويعتبر من المتاحف النوعية التي تحكى تاريخ الخزف الإسلامي عبر قرون عديدة. ويعد القصر نفسه جزءا من المعروض، لأنه مبنى مصمم بعناية فائقة، يتناغم تماما مع القطع الخزفية المعروضة بداخله. القاعة الرئيسية التي تتوسط المتحف تعطيك انطباعا فوريا بأنك دخلت إلى مكان مختلف قبة فخمة ترفع سقفها عاليا، ونافورة من الرخام الملون تتوسط البهو ونوافذ زجاجية ملونة بالجص تحيط بالقاعة وتضيء المكان بألوان دافئة، وكأنها تعيد لك تاريخ الضوء في العمارة الإسلامية. هذا البهو ليس مجرد مدخل بل هو مساحة عرض بحد ذاتها، لأن الزخارف على الحوائط والسقف، والمقرنصات الجصية والزخارف النباتية والهندسية، والكتابات المنقوشة، كلها تشعرك أن المكان نفسه قطعة فنية.

نافذة على التاريخ

من البهو تتفرع القاعات التي تحكى تاريخ الخزف الإسلامي بوضوح.

أولى هذه القاعات هي قاعة الخزف الفاطمي، التي تقع على يمين الباب. شكلها مستطيل، ومدخلها نصف دائري والجدران مزينة ببلاطات على الطراز التركي بألوان الأزرق والأبيض والأحمر الطوبى، وزخارف هندسية في وسط كل بلاطة تحيط بها زهور صغيرة. ومع صعودك ببصرك إلى منتصف الجدار، تبدأ الزخارف النباتية المتداخلة "الأرابيسك" التي تملأ المكان، وتصل إلى سقف القاعة الذي يحمل زخرفة الطبق النجمي، وهي زخرفة إسلامية شهيرة، وفي داخلها اسم الأمير عمرو إبراهيم، وصدى عبارة " ولا غالب إلا الله" التي تكررت على الحائط، وهي العبارة نفسها التي كانت شعار دولة بني الأحمر في غرناطة بالأندلس. وهذا يربط القاعة ليس فقط بمصر، بل بتاريخ الخزف الإسلامي عبر مناطق مختلفة، ويفتح أمامك نافذة على التاريخ الأندلسي.

وفي وسط القاعة، توجد سفرة من الرخام كانت جزءا من أثاث القصر وكانت مخصصة لتناول الطعام، لكنها اليوم استغلت لعرض بعض القطع الفنية. على هذه السفرة 19 قطعة تعود إلى العصر الفاطمي، ومعظمها من القرن الحادي عشر، وتظهر عليها بريق معدني واضح، وهو ما اشتهر به الخزف الفاطمي. كما يوجد طبق عباسي يعود إلى القرن التاسع ليذكرك أن الخزف في هذه القاعة ليس مقتصرا على عصر واحد، بل هو امتداد التاريخ طويل وبجانب الباب، توجد منضدتان من الرخام تعرضان قطعا أخرى، وفى مواجهة الباب منضدتان أخريان، ليكون العرض موزعا بشكل يجعل الزائر يتحرك داخل القاعة وكأنه يقرأ صفحات من کتاب تاریخی

إجمالي المعروض في هذه القاعة يصل إلى ٧٤ قطعة، تتنوع بين أطباق وصحون وقوارير وشبابيك وقلل وأختام وقدور وزخارفها تتنوع بين حيوانية وأدمية ونباتية وهندسية وحتى شبابيك وأبواب القاعة نفسها مزخرفة بزخارف إسلامية هندسية نادرة، والباب الخشبي يحمل زخارف الطبق النجمي. وهذا يعنى أن القاعة ليست مجرد مساحة عرض، بل هي بيئة متكاملة تحمل روحالعصر الفاطمى، وتظهر كيف كان الخزف جزءا من الحياة اليومية والفخامة في آن واحد.

إلى يسار الباب، توجد قاعة الطراز التركي، وهي أيضا مستطيلة، وفي مواجهة الباب شباك كبير وآخر على يسار الداخل من خشب الأرابيسك الجدران حتى منتصفها مزينة ببلاطات تركية ألوانها الأزرق والأبيض والأحمر الطوبي ومن منتصف الجدران إلى السقف زخارف نباتية من الجص، ويحد هذا الجزء شريط كتابي يتكرر عليه عبارة ولا غالب إلا الله". والسقف مزخرف أيضًا بزخرفة الطبق النجمي. وفي يمين الباب، توجد مدفأة على شكل مخروطي مغطى ببلاطات خزفية تركية تحمل عبارة "نعمة شاملة"، وفوقها عبارة "ولا غالب إلا الله"، وأشكال مربعات بداخلها لفظ الجلالة "الله" ولفظ "محمد"، مع زخارف نباتية متشابكة. هذا المزيج بين الزخارف والكتابات يعطى القاعة طابعًا روحانيا، وكأنها دعوة للتأمل في جمال الفن الإسلامي.

القاعة التركية تعرض ٩٦ قطعة أثرية تعود إلى العصر التركي في القرون ١٦ و ۱۷ و ۱۸ ميلادية، موزعة داخل ۱۲ فاترينة مختلفة الأحجام، بالإضافة إلى فاترينة كبيرة في وسط القاعة. القطع تشمل أطباقا وصحونا وسلاطين وأباريق وأكوابا وقدورا وقماقم وفناجين ومشكاة وبلاطات خزفية وتغلب عليها الزخارف النباتية بأشكال متعددة، بالإضافة إلى بعض الزخارف الحيوانية. هنا، تشعر أن الخزف التركي لم يكن مجرد صناعة، بل كان أيضا لغة زخرفية تروى قصة مكان وثقافة.

تماسك زمنى

لا يوجد فاصل بين قاعة الطراز التركي وقاعة الطراز المصرى المملوكي الأيوبي - العثماني - الأموى)، مما يمنع المتحف إحساسا بالتماسك الزمني كأنك تنتقل داخل تاريخ واحد متصل هذه القاعة مستطيلة أيضا، وأرضيتها من الرخام، وسقفها مزخرف بزخارف هندسية تتكرر بينها زخارف نباتية.

الجدران حتى منتصفها مغطاة ببلاطات تركية ذات زخارف نباتية، بينما أعلى وأسفل البلاطات صف من البلاطات الزرقاء الفاتحة بنقوش أوراق نباتية متبادلة داخل القاعة توجد ٦ فتارين تعرض ۳۹ قطعة أثرية من العصور المختلفة التي حكمت مصر الأموى الأيوبي، المملوكي العثماني).. القطع متنوعة بين شمعدانات وأطباق وسلاطين وبلاطات ومشكاوات وشبابيك قلل وزخارفها تتسم ببساطة واضحة، سواء كانت كتابية أو هندسية أو نباتية أو حيوانية بسيطة. وهذا يعكس كيف أن الخزف في مصر كان دائما جزءا من الحياة اليومية، لكنه أيضا كان يحمل طابعا جماليا راقيا.

أما البهو الرئيسي في المتحف، فيحتوى على ثماني فتارين صغيرة لعرض قطع تنتمى للعصور التركية والإيرانية والمملوكية، مثل زهريات وأباريق وسلطانية، وتغلب عليها الزخارف النباتية. ومن القطع المميزة في البهو إبريق ينتهى برأس حيواني من الطراز الإيراني، وسلطانية من العصر المملوكي تحمل نضا كتابيا، مع وجود ترميم واضح. ولإضفاء طابع حديث على المكان، تمت إضافة بعض قطع الأثاث الحديث في أركان البهو، مع استاند خشبي المنصة ميكروفون تستخدم في الندوات الثقافية والحفلات الموسيقية كما يوجد بيانو المعرف، ومنضدة دائرية حديثة مصممة على الطراز الإسلامي لتتماشى مع روح المكان.

وفي مدخل المتحف يتوسط اليهو نافورة رخامية تتخذ شكلا هندسيا بزخارف صغيرة من نفس البلاطات الرخامية الحوائط في المنتصف من الرخام تأخذ شكل مستطيلات متعاقبة، يعلوها صف من زخارف الجص المصبوبة، وباقي الجدران حتى السقف من الجص الأصلي المصمم بتأثير مملوكي سقف اليهو مقطى بقبة فخمة التتبع طراز القباب المملوكية، وفي رقبة القبة ١٦ شباكا من الزجاج الماون ويعلو القبة تريا الحاسبة للإضاءة، وتوجد في أركان البهو أربع مشكاوات من النحاس بالإضافة إلى زخارف إسلامية فوق أبواب القاعات كل هذه التفاصيل تجعل البهو ليس مجرد مساحة عيون بل جزءا من التجربة، وكاله يجهز الزائر نفسيا لما سيشاهده داخل القاعات.

على السلم المؤدي إلى الدور العلوي توجد قاعة الأمين التي تتكون من حجرة خارجية لم حجرة وسطى ثم حمام الحجرة الخارجية مربعة، وفي أحد أضلاعها دولاب حائطي من الخشب المطعم بالصدق وهو من أثاث القصر وفي الركن الأيسر نافورة رخامية بزخارف بارزة تعرض في هذه الحجرة خمس قطع أثرية، واحدة من المغرب تعود للقرن ۱۸م، وأربع قدور من صناعة مدينة الرقة في سوريا، تعود القرن ۱۳م بزخارف مطمورة، أما الحجرة الوسطى فهي مربعة أيضا، وتحتوى على فتحات للإضاءة يعلوها زخرفة قرص الشمس المشع، وهي تأثير من الفن الأوروبي، مع كنية مزخرفة في الخشب ومذهبة من أثاث القصر، وصندوق مطعم بالصدف لحفظ المجوهرات.

سقف الحجرة من الخشب المجلد والمذهب، وهو أسلوب كان شائعا في الفترة المملوكية والعثمانية، كل هذه التفاصيل تظهر كيف أن القصر لم یکن مجرد منزل، بل كان "متحفا" في ذاته قبل أن يتحول رسميا إلى متحف الخزف

أما الدور العلوي، فيحتوى على قاعات تعرض مقتنيات العصر الإيراني، ويصل إليه السلم الداخلي من الدور الأرضي. الدور العلوي يأخذ شكل مستطيل ويفتح في ضلعين أربعة أبواب. هناك حجرة مدير المتحف وحجرة البرنس بالإضافة إلى حائطين مستقلين العرض قطعتين الريتين من الطراز الأندلسي في القرن ١٧م، وقطعتين من الطراز العراقي تعودان للقرن ام القطع الإيرانية متنوعة بين سلاطين وأباريق وبلاطات بأشكال مربعة أو نجمية وقدور وأطباق وصحون، وتتنوع زخارفها بين الحيوانية والزخارف الكتابية باللغة الفارسية، والزخارف النباتية. كما توجد كنبة وصندوق خشبي مطعم بالصدف وباب خشبى على شكل عقد نصف دائري مزين بزخارف إسلامية من الجص، مع ضلفتين خشبيتين مزخرفتين

العودة

بعد فترة غلق استمرت ١٤ عاما، عاد متحف الخزف الإسلامي ليفتح أبوابه العام الماضي، ليستقبل زواره من جديد.

وكان السبب في الغلق لم يكن تدهور القصر أو القطع، بل كان لاستكمال أعمال الترميم والصيانة ورفع الكفاءة وتجهيز الإضاءة ونظام التكييف.

والقطع الفنية كانت في أماكنها ولم تتعرض لأي ضرر يذكر، وكانت المشكلة فقط تراكم الأتربة، والتي تم تنظيفها بعناية فائقة باستخدام مواد و خامات معينة لتعود القطع إلى طبيعتها، كما تم تنظيف فتارين العرض والقطع الخزفية.

هذا الاهتمام يعكس احتراما شديدًا للترات لأن المتحف لم يعد مجرد مكان عرض، بل أصبح مساحة حماية وتوثيق للتاريخ.

والمتحف يعد واحدا من أهم المتاحف المصرية العريقة، لما يحتويه من مجموعات رائعة من المنتجات الخزفية النادرة. ويعود تاريخ متحف الخزف المقام بقصر الأمير عمرو إبراهيم، إلى عام ١٩٢٣م، ويقع على مساحة نحو ٧٧٤ مترا مربعا، بينما تبلغ مساحة الحديقة ٣٥٥٩٢ مترا مربعا، ويضم المتحف نحو ۳۲۰ قطعة من الخزف ترجع العصور مختلفة مثل العصرين الأموى والعباسي وبعضها من القرن ١٦، تنتمي إلى مناطق إنتاج مختلفة، وتمثل أساليب متنوعة وطرق صناعة وتقنيات ازدهرت في كل حلية تاريخية.

الزيارة إلى المتحف ليست مجرد فسحة في الزمالك، بل هي رحلة ثقافية تتداخل فيها الذاكرة مع الجمال، فبينما تتجول داخل القاعات، تشعر أن كل قطعة تحمل صوتا من الماضي، وأن القصر نفسه لا يقل جمالا عن المقتنيات. هنا، لا ترى الخزف فقط كأشياء، بل كحوار بين حضارات مختلفة تعرض في بيئة تمثل نفس الحضارة، وكان المتحف يقول للزائر هذا هو الخزف الإسلامي كما كان يرى في بيئته الأصلية، وهذه هي العمارة التي كان يعيش فيها.

يقع قصر الأمير عمرو إبراهيم في منطقة الجزيرة بحى الزمالك بالقاهرة. على امتداد شارع الجزيرة، ويقع مقابل نادي الجزيرة.

أما الأسعار فهي متاحة للجميع . جنيهات للمصريين، و ٢٥ جنيها للأجانب. و ١٥ جنيها للأجانب المقيمين، و ١٥ جنيها . للطلبة الأجانب والمتحف يعمل طوال أيام الأسبوع، من ٩:٣٠ صباحا إلى ١:٣٠ ظهرا، والإجازة يوم الجمعة.

 	عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

عالم التجميل.. بين الوهم والأحلام

من يخض تجربة دخول المستشفى أو حتى عيادة طبية من أجل التجميل تكن الآمال لديه كبيرة جدا، خصوصا إذا كان...

وداعًا كوبرى الموت بالسيدة عائشة

إنشاء محور مرورى جديد يبدأ من منطقة مجرى العيون ومصر القديمة تحويل الميدان إلى ممشى سياحى وربطه بالمناطق الأثرية المحيطة...

الغلاء.. يسرق فرحة الموسم من البيوت

ثلاجات بلا خزين.. وأسعار بلا ضابط.. وسوق بلا رحمة العسقلانى: يجب التصدى الحاسم للفوضى السعرية اليومية التى تشجع التجار على...

من الغورية لشارع المعز على الفانوس دور

صنعه الفاطميون لإضاءة المساجد فصار رمزا لشهر الصيام آلاف البائعين يعملون فى مئات ورش صناعة الفوانيس معتمدين على موسم رمضان