حكاية الإيطالى مؤسس منظــومة الأسعاف فى مصر

متحف الإسعاف يوثق انطلاقة «بيترو فاراى»

التاريخ لا يـمـــل ولا يــكـــــل مـن الكتابة عمن كان لهم السبق فى اكتشاف شىء، أوفتح المجال لأمر جديد..

ومن هؤلاء "العالم الطبيب الإيطالى بيترو فاراى" صاحب فكرة منظومة "الإسعاف" فى مصر.

ربما أخذتك قدماك للصيدلية الشهيرة فى منطقة "رمسيس" المعروفة بصيدلية "الإسعاف" أو استقللت إحدى حافلات النقل المتجهة إلى ميدان "رمسيس" وسمعت أحد الركاب يستوقف السائق قائلا له "معاك الإسعاف ياسطى"، إشارة منه إلى مبنى الإسعاف الشهير فى ميدان رمسيس.. أوسمعت صافرة سيارة الإسعاف المدوية، وصوت سائقها يرجو المارة توسعة الطريق للمرور لأن فى السيارة حالة يجب إنقاذها.

لكن كما تعودنا من تاريخنا أن وراء كل حائط حدوتة فما بالك بمبنى عريق أطلقت على اسمه إحدى محطات المركبات.

فى بداية القرن العشرين وتحديدا قبل سنة 1904، لم تكن مصر تعرف "سيارة الإسعاف"حتى اجتاحها وباء "الكوليرا" فى بداية القرن، كان نقل المرضى إلى المستشقى يتم عن طريق الحمل على الأكتاف، أو عربات الكارو، وكان يشكل خطرا مباشرا على المريض، والمرافق له من احتمالية نقل العدوى، أو مضاعفة الإصابة فى حال الحمل بطريق خطأ.

فى هذه الآونة كان يعيش فى الإسكندرية طبيب إيطالى يدعى "بيترو فاراى"، استوقفه وباء الكوليرا وما ينتج عن طريقة نقل المصابين من تفشى المرض، ففكر فى وسيلة آمنة تحافظ على أرواح المرضى وتضمن سلامة الآخرين.فكانت فكرة "عربة الاسعاف" التى أصبحت فيما بعد نواة لصرح طبى وإنسانى.

وأطلق العنان لفكرته من مدينة الإسكندرية ووجه نداءه لسكانها من الجنسيات المختلفة والمتعددة لتساعد فى تشكيل مؤسسة تساعد فى مواجهة الطوارئ، وحينها تأسست "الجمعية الدولية للإسعافات الصحية االعاجلة"، ومقرها الأول كان عبارة عن مجموعة دكاكين فى شارع الكنيسة الامريكية، حيث بدأت عملية التطوع بعد عمل الدعاية بين الجاليات الأجنبية والمصريين، تحثهم على التطوع، فى هذه الجمعية

كان"فاراى" طبيبا متمرسا، ومتابعا للتجارب الطبية الحديثة فى أوروبا، حيث كانت خدمات الإسعاف قد بدأت فى الانتشار، فى بعض المدن الكبرى مثل "باريس" و"فيينا"، فأدرك "فاراى" أن مصر بحاجة إلى خدمة مماثلة، فأطلق دعوته إلى إنشاء "مرفق إسعاف مصرى" على النمط االأوروبى. ولم يكن مجرد حلم يراوده، بل وضع له خطة تنفيذ ، وطرح فكرته على زملائه من الأطباء، "لماذا لا نؤسس جهازا للإسعاف فى مصر؟ لماذا لا تدخل مصر فى خدمة الطوارئ المنظمة، حيث إنقاذ الأرواح قبل الوصول للمستشفى بسيارات مجهزة، مسعفون مدربون، وخدمة تصل للناس فى كل مكان، وقد كان.. لاقت الفكرة ترحيبا واستجابة من السلطات المصرية، فدخلت مصر أول عربة إسعاف تجوب الإسكندرية سنة 1904 كانت من القماش وبها حوامل قوية لحمل المريض ومكان للمسعف وجهاز تنفس صناعى، ويجر العربة حصان، وفى سنة 1908، أهدى الخديوى "عباس حلمى" الجمعية عربة إسعاف من الخشب يجرها الخيل وكانت أكثر تجهيزا من سابقتها، حيث يوجد مكان للمرافق وبها بعض الإسعافات، ثم تطورت إلى دراجة بخارية، مزودة بكشاف، وجهاز إنذار. آمن "فاراى" بأن للإسعاف رسالة إنسانية واجتماعية، وليست مجرد وسيلة لنقل المرضى، ولكنها خدمة متكاملة تقوم على السرعة، والإنقاذ، والرعاية الأولية للمصاب، ونشر الخدمة فى الأحياء، كان جزءا من الهوية الإنسانية، والصحية، وأصبح من السهل استدعاء عربة الإسعاف فى حالات الطوارئ، فتحولت الخدمة من مجرد مبادرة إلى جزء أصيل من المنظومة الصحية.

فى عام 1927 كان المرفق تطور وتم الاستغناء عن عرباته ليحل محلها سيارات إلكترونية  تواكب التطور الذى حل على المركبات فى مصر، ولكن كان هناك مشكلة، وهى أن عربات الإسعاف القديمة مازالت حالتها جيدة، وخروجها عن الخدمة لمواكبة التطور ليس عيبا فيها، فجاءت الفكرة للطبيب "فاراى" لماذا لا نؤسس متحفا يضم المركبات القديمة التى تخرج عن الخدمة، ليكو ن شاهدا على الريادة، فى أفريقيا والعالم، فقد سبقت مصر اليابان بخمس سنوات فى هذا المجال.

وإذا كان هذا الحلم الذى كتب سطوره الأولى هذا الطبيب لم يكتب له أن يراه، فقد توفى، ولكن الفكرة ظلت  قائمة، وأنشئ مبنى المتحف على يد مهندس القصور الملكية "بيلوتشى" وتم افتتاحه سنة 1972، أى أن عمره يقارب المائة عام..

والمتحف الأول فى الإسكندرية فى منطقة كوم الدكة، وهو يحتوى على أول عربة إسعاف دخلت مصر مرورا بتطور المنظومة، ولوحات الشرف التى تضم أسماء مؤسسى الجمعية، ورؤسائها والمتبرعين لها، كما يتصدر باب المتحف تمثال "فاراى" صاحب الفكرة.

ظلت جمعية الخدمات هذه تعمل لمدة ثمانى سنوات بمجلس إدارة أجنبى، حتى تم تمصيرها عام 1908 على يد محمد باشا يكن.

المتحف الذى يخضع الآن للتطوير يوثق أهم الأحداث التى مرت بمصر من الحرب العالمية الأولى، وحريق القاهرة، حتى أحداث يناير 2011.

ويوجد فى منطقة رمسيس متحف صغير فى المبنى الأشهر الذى يحمل نفس الاسم "الإسعاف".

هذا الصرح الإنسانى والطبى الأول من نوعه فى المنطقة يحكى قصة التطوع والتعاون الإنسانى للجاليات الأجنبية، وإرث حضارى شاهد على عظمة أمة متحضرة وسابقة فى هذا المجال.

لتحتفل مصر والعالم به فى اليوم العالمى للإسعاف، وهو الثانى عشر من سبتمبر.

 	عفاف على

عفاف على

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

خطة الحكومة لمواجهة الإدمان الرقمى وحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت

حماية للأمن القومى.. المهندس عمرو صبحى: «شريحة الطفل» خطوة استباقية لخلق بيئة رقمية آمنة للنشء محمد عزام: الاستخدام المفرط للأدوات...

أبعاد تدخلات القيادة السياسية لسد ثغرات قانون الأحوال الشخصية

د. جمال فرويز: غياب المودة والرحمة وراء زيادة معدلات الرغبة فى الانتقام الفضالى: تطبيق نظام «الاستضافة» ضمانة فاعلة لتربية الأبناء...

10 آلاف مخالفة على مستوى الجمهورية خلال شهر

حملات مكثفة لل «الداخلية» على محال ومنشآت لم تلتزم بقرار الغلق محافطتا الوادى الجديد ومرسى مطروح أكثر المحافظات التزامًا بالتعليمات...

من الأورمان للدقى.. حكاية معرض الزهور

بمشاركة 100 عارض يدشن نسخته الـ 93 معرض الزهور يزين المتحف الزراعى بالدقى أعمال تطوير المقتنيات وتحديث أساليب العرض أتاحت...