فى عهد الفاطميين كان منحراً للأضاحى والخليفة يحضر فى موكب بعد صلاة العيد ليشهد نحر الأضاحى
فى قلب القاهرة الفاطمية، حيث تتعانق المآذن مع المشربيات، وتفوح رائحة التاريخ من بين الأزقة الضيقة، توجد حارة «الدرب الأصفر» التى تربط الماضى بالحاضر، وتحكى للزائر حكايات لا تنتهى.
هو ليس مجرد اسم على لافتة، بل فسحة داخل قلب العاصمة، تنقلك لعوالم من العمارة الإسلامية، والبيوت التاريخية، والفنون الإعجازية.
شارع المعز
ابدأ جولتك من شارع المعز، وتحديدا من باب الفتوح، واسلك الطريق باتجاه الجنوب. ستقودك الخطوات إلى حارة ضيقة نسبيا، ولكنها واسعة بروحها وتاريخها، تربط بين شارعى الجمالية والمعز. إنها حارة "الدرب الأصفر"، التى تم فتحها على شارع المعز فى عام 1923، لتصبح همزة وصل حضارية وثقافية بين أبرز شوارع القاهرة التاريخية.
تمتد الحارة بداية من منطقة الموسكى وتنتهى بحى الجمالية، وهى بمثابة متحف مفتوح على مدار اليوم، يضم كنوزا من العمارة والتراث والروح المصرية الخالصة.
عند كل منعطف فى هذه الحارة، تشعر أنك لا تمشى وحدك، بل بصحبة أرواحٍ وأصواتٍ قديمة تهمس فى أذنك، وتروى لك فصولا من التاريخ، تختلط فيها السياسة بالدين، والأسرة بالحرف، والعشق بالروح.
سر التسمية
تختلف الروايات حول سبب التسمية: هناك من يقول إن المبانى كانت تطلى بالأصفر، وهناك من يرجع التسمية إلى لون النحاس الأصفر الذى كان يصنع فى الورش المنتشرة قديما بالحارة. وبين هذا وذاك، يبقى "الأصفر" رمزا للدهشة، وللون الذى يطغى على ذاكرة المكان.
الأكيد أن الاسم لم يكن مجرد وصف لونى، بل انعكاسا لحالة فنية وجمالية، تميز المكان وتمنحه سحرا خاصا.
الدرب.. منحرًا للأضاحى
فى عهد الفاطميين، اتخذ الخلفاء من هذه الحارة منحرا للأضاحى، حيث كان الخليفة يحضر فى موكب مهيب بعد صلاة العيد ليشهد نحر الأضاحى، كما أورد المؤرخ المقريزى. كانت تلك الشعيرة تقام بجوار القصر الكبير، فى موضع أصبح لاحقا "الدرب الأصفر"، وتحديدا أمام خانقاه بيبرس.
لم يكن ذلك الطقس مجرد فعل دينى، بل استعراضا للسلطة، وشكلا من أشكال الاحتفاء الجمعى، تقام فيه الخيام، وتوزع اللحوم، وتتحول الساحة إلى مشهد مسرحى كبير يعكس حضور الدولة وهيبتها.
ويحتضن الدرب الأصفر عشرات البيوت الأثرية، من أشهرها:
بيت السحيمى
وينسب إلى الشيخ أمين السحيمى، شيخ رواق الأتراك بالأزهر، وتوفى عام 1928. يعود إلى العصر العثمانى، ويتكون من قسمين: قبلى وبحرى. يتميز بالمشربيات الخشبية الدقيقة التى كانت تخفى النساء عن أعين المارة، وتسمح لهن برؤية الخارج.
حين تدخل بيت السحيمى، تشعر أن الجدران تتنفس، وأنك لا تزور بيتا بقدر ما تزور زمنا.. رائحة الخشب، صوت أقدامك على الأرضية الحجرية، الضوء المتسلل عبر فتحات المشربية، كل ذلك يخلق لك تجربة حسية خالصة، لا تكتمل إلا بالسكينة.
منزل مصطفى جعفر السلحدار
يقع بأول حارة الدرب الأصفر المتفرعة من شارع المعز، ملاصق من الناحية الجنوبية الشرقية لمنزل الخزراتى، ويجاوره بيت السحيمى. أنشئ هذا المنزل عام 1125 هـ / 1713م، على يد الحاج مصطفى جعفر السلحدار، أحد أعيان تجار البن بوكالة "ذو الفقار كتخدا" فى القرن الثامن عشر.
كان المكان يشغل سابقا قهوة "المواردى"، التى كانت ضمن أوقاف الخواجة شهاب عطى، فاشتراها الحاج مصطفى جعفر مع ما يجاورها لينشئ بيته.
الدور السفلى من المنزل مخصص للاستقبال، ويسمى "السلاملك"، أما العلوى فمخصص للإقامة ويسمى "الحرملك". بنى الدور الأرضى بالحجر، أما العلوى فبالطوب الآجر. يحتوى المنزل على 5 شبابيك مستطيلة، 4 منها على يسار عقد المدخل، وواحد على يمينه، مغطاه بمصبعات حديدية. كما تزين واجهته مجموعة من المشربيات الخشبية البارزة.
الدهليز الداخلى يؤدى إلى فناء رئيسى مربع الشكل تقريبا، تفتح عليه أبواب الطابق الأرضى وشبابيك الطابقين العلويين. فى أحد أركان الفناء، يوجد باب يتوجه بعتب حجرى مستطيل، نقش بداخله بيتان من الشعر:
"ومن تكن لرسول الله نصرته
إن تلق الأسد فى آجامها تجمى
ومن تكن برسول الله نصرته
الله حافظه من كل منتقمِ"
القاعة السفلية أو "المندرة" تتكون من قاعة وسطى وإيوانين، ومغطاه بسقف خشبى يضم براطيم مزخرفة مدهونة وملونة. يرتكز السقف على أزار خشبى على هيئة بائكة رباعية العقود، يزخرف بداخل كل عقد مزهرية تنبثق منها فروع نباتية وزهور.
أرضية القاعة مغطاة بالرخام الملون المزخرف بزخارف هندسية، وتتوسطها "فسقية" مربعة من الرخام الخردة.
المنزل يستخدم حاليا كمقر إدارى لمنطقة شمال القاهرة للآثار الإسلامية والقبطية، ويتبع إداريا منطقة آثار شمال القاهرة.
مـعـمـار يتكـلـم بـلغـة الـفـن الإسلامى
بيوت الحارة، وسبلها، وزواياها، وكتاتيبها، كلها تروى تاريخ العمارة الإسلامية فى أزهى عصورها. من سبيل وكتاب قيطاس، إلى مسجد وسبيل سليمان أغا السلحدار، حيث تتجلى البراعة الهندسية والزخرفية فى كل ركن وحائط.
وبعض الزوايا الصغيرة كانت تضم أضرحة أو مدارس لتحفيظ القرآن.. كل التفاصيل هنا لا تخلو من الفن الإسلامى، من الأعمدة المقرنصة، الشبابيك المعشقة بالزجاج الملون، الأبواب المنقوشة، والزخارف النباتية والهندسية التى تمثل قمة الإبداع الإسلامى.
كيف تصل إلى هناك؟
اركب مترو الأنفاق، وانزل فى محطة "باب الشعرية"
اسأل عن باب الفتوح، حيث يبدأ شارع المعز.
اسلك الشارع من الشمال إلى الجنوب حتى تصل إلى الدرب الأصفر.
ستجد لافتة تشير إليه بجوار بيت السحيمى.
مواعيد وأسعار الزيارة
الدخول إلى شارع المعز وحارة الدرب الأصفر مجانى، ويمكنك التجول فى المكان يوميا من الساعة 9 صباحا حتى 5 مساء.. بعض البيوت الأثرية مثل بيت السحيمى قد تتطلب تذكرة دخول رمزية.
لماذا تزوره؟
لأنك ببساطة لن تزور مجرد شارع، بل ستعيش تجربة تملؤها الحكايات، وتشم فيها عبق التاريخ، وتلمح عبر الشبابيك الخشبية صدى الأيام التى مضت، إنه مكان للتأمل والتصوير، للمعرفة والمتعة، للدهشة والسكينة.
فى "الدرب الأصفر"، يصبح الماضى حيا، وتتحول الجدران إلى شهود، والنوافذ إلى عيون، والأبواب إلى بوابات لعوالم من نور وطمأنينة.
نصيحة أخيرة احمل كاميرتك أو هاتفك، وارتد حذاء مريحا، لأن هذه الرحلة تستحق أن توثق كل لحظة منها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا
ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...
في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...
لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...