مدرسة «الظاهر بيبرس» تبحث عـن بقاياها فى شارع المعز

عماد عثمان: المدرسة.. هدمت عند افتتاح شارع بيت القاضى ولم يتبقى منها سوى السبيل المؤرخ والخبير الإسلامي أبو العلا خليل: لم يتبق منها سوى حجرة صغيرة أمام باب مجموعة المنصور قلاوون

فى شارع المعز لوحة بديعة تتشكل من مجموعة متنوعة من الآثار والعمارة الإسلامية.. ما بين مدارس وكتاتيب وأسبلة ومتاحف، فى أحد الجوانب يبرز أثر لا يقل جمالًا عما يجاوره، وهو بقايا مدرسة الظاهر بيبرس البندقدارى، وصاحب المدرسة هو السلطان الأعظم الملك الظاهر ركن الدين بيبرس بن عبد الله البندقدارى الصالحى، ومن مملوك كان يباع فى أسواق بغداد والشام إلى واحد من أهم قادة المسلمين فى العصر المملوكى..

سجل الظاهر العديد من الانتصارات ضد الصليبيين، ولعب دورا كبيرا فى معركة المنصورة، وبفضل خطته تمت هزيمة الفرنسيين وأسر ملكهم لويس التاسع عشر، ومعركة عين جالوت مع  سيف الدين قطز ضد المغول، وهو رابع سلطان من سلاطين الدولة المملوكية، بل إنه يعد المؤسس الحقيقى لدولة  المماليك، لقبه الملك الصالح "ركن الدين"، وعندما تولى الحكم لقب نفسه بالملك الظاهر، وتوفى فى سنة ٦٧٦هجرية، ودفن فى المكتبة الظاهرية فى دمشق، أما بالنسبة للمدرسة الظاهرية وتاريخ إنشائها، فيقول جلال الدين السيوطى فى كتابه "حسن المحاضرة فى تاريخ مصر والقاهرة": إن الملك الظاهر بيبرس البندقدارى قد شرع فى بنائها سنة إحدى وستين وستمائة، وتمت فى أول سنة اثنين وستين، ورتب لتدريس الشافعية بها تقى الدين رزين، والحنفية محب الدين عبد الرحمن بن الكمال عمر بن العديم، ولتدريس الحديث الحافظ شرف الدين الدمياطى، ولإقراء القراءات بالروايات كمال الدين القرشى ووقف بها خزانة كتب..

تقع بقايا المدرسة الظاهرية فى شارع المعز لدين الله الفاطمى بالمنطقة المعروفة  بين القصرين أمام مجموعة السلطان قلاوون، حيث شيدت على أجزاء من القصر الشرقى الفاطمى الكبير خلال الفترة ما بين ٦٦٠-٦٦٢هجرية/١٢٦٢-١٣٦٣م، على يد السلطان الظاهر بيبرس أحد سلاطين المماليك البحرية، وبعد توليه السلطنة لقب بالقاهر ثم عدل لقبه إلى الظاهر، وكانت المدرسة تتكون من فناء أوسط وأربعة إيوانات لتدريس المذهب الشافعى والحنفى والقراءات السبع والحديث الشريف، كما ذكرنا فى السطور السابقة، وأقيم بها مكاتب ضخمة، وأنشأ بجوارها كُتاب لأيتام المسلمين ولتحفيظ القرآن، وأوقف عليها السلطان بيبرس ربع خارج باب زويلة فى المنطقة التى عرفت بتحت الربع، ولم يتبق اليوم من تلك المدرسة سوى الجزء الشرقى منه وجزء من إيوانها الجنوبى الغربى، وذلك بعد فتح شارع بيت القاضى عام ١٨٧٤ م فى عهد الخديو إسماعيل وسقوط مئذنتها عام ١٨٨٢م.

وتتميز المدرسة بنقش رنك  الببر على نفيسى شباكيها وهو رنك السلطان بيبرس، المصور لاسمه الذى يعنى الفهد باللغة التركية، ومازال باب المدرسة المكسو بالنحاس والبرونز بالقنصلية الفرنسية بالجيزة بعد أن نقله إليها سانت موريس، تعد المدرسة الظاهرية من أكبر المدارس فى العصر المملوكى، وتخطيطها يتكون من صحن أوسط مكشوف يفتح عليه أربعة إيوانات متعامدة أكبرها إيوان القبلة، إلا أنه لم يتبق منها سوى كتلة من المبانى عبارة عن بقايا الإيوان الشمالى الشرقى وحجرة التسبيل.

عن حالة المدرسة حاليا قال لنا عماد عثمان كبير خبراء بوزارة الآثار سابقا: المدرسة الظاهرية هدمت عندما افتتح شارع بيت القاضى الموصل بين شارع النحاسين والجمالية، ولم يتبق منها سوى غرفه سبيل وعليها رمز الظاهر بيبرس وجزء من جدار إيوان، وباب المدرسة موجود حالياً فى السفارة الفرنسية فى شارع النيل بالجيزة، تم شراؤه من ناظر الوقف قديما، وعن الباب  الأثرى للمدرسة الموجود فى السفارة الفرنسية فيقول "عثمان": باب مدرسة الملك أبى الفتح ركن الدنيا والدين الظاهر بيبرس البندقدارى النجمى الصالحى المنتصر على أمم المغول والتتار  الموجود فى القنصلية الفرنسية، كتب على الشريط الكتابى العلوى والسفلى الآتى:

الملك الظاهر ركن الدنيا والدين أبى الفتح بيبرس أدام الله أيامه و أعز أحكامه سنه 661، والمدرسة تم هدمها لتوسعة شارع بيت القاضى ليربط بين شارع المعز لدين الله و حى الجمالية، وكان ذلك فى أواخر القرن التاسع عشر زمن الخديو إسماعيل، ولم يتبق منها سوى بقايا الإيوان الشمالى الشرقى وحجرة السبيل، وعليها رنك السلطان الظاهر بيبرس، وتم شراؤه من ناظر الوقف بعد هدم المدرسة، وكان  موجودا فى قصر الكونت سانت موريس بشارع قصر النيل وتم هدمه ومكانه الآن عماره الايموبيليا، والباب موجود الآن فى القنصلية الفرنسية بشارع مراد بالجيزة بالقرب من حديقة الحيوان.

أما عن السبيل  فيذكر" عثمان": إن سبيل المدرسة الظاهرية بالنحاسين يُعد أقدم سبيل باق فى عمارة مصر الإسلامية، أقامه السلطان الظاهر بيبرس البندقدارى عام 660هـ / 1262م يمين المدخل الرئيسى لمدرسته، وقد زالت المدرسة بالكلية عام 1290هـ / 1874م فى عصر الخديو إسماعيل، عند فتح شارع عرضى ليربط بين شارع الجمالية وشارع النحاسين، سمى بشارع "بيت القاضى"، ولسبيل المدرسة الظاهرية شباكين للتسبيل أحدهما يطل على شارع المعز لدين الله، والآخر مطل على الرحبة التى تتقدم قبة الصالح نجم الدين أيوب، وكان السبيل إلى عهد قريب محل لبيع النحاس.

نفس الــرأى يؤكــده الــمـــؤرخ والـخبيــر الإسلامى أبو العلا خليل.. إنه لم يتبق من المدرسة الظاهرية بشارع المعز سوى حجرة صغيرة أمام باب مجموعة المنصور قلاوون بعد هدم المدرسة الظاهرية لفتح شارع بيت القاضى، وهناك جدل كبير حول ماهية هذه الحجرة التى تأخذ ناصية وبوجهتها رنك الظاهر.. هل هى جزء وامتداد للمدرسة أم أنها سبيل، والجدال كبير ولكل رأى معتبر..

أما عن السبيل  فيشير"خليل"إلى أنه يعد أقدم سبيل باق فى عمارة مصر الإسلامية، وقد أقامه السلطان الظاهر بيبرس البندقدارى عام ٦٦٠ هجرية/١٢٦٢م يمين المدخل الرئيسى لمدرسته، التى زالت كلها عام١٣٩٠ هجرية/١٨٧٤م فى عصر الخديو إسماعيل عند فتح شارع عرضى ليربط بين شارع الجمالية وشارع النحاسين سمى بشارع بيت القاضى، ولسبيل المدرسة الظاهرية شباكين للتسبيل إحداهما يطل على شارع المعز لدين الله والآخر مطل على الرحبة التى تتقدم قبة الصالح نجم الدين أيوب، وكان السبيل إلى عهد قريب محل لبيع النحاس، أجّره صاحبه من الأوقاف، وقام بنزع المصبعات النحاسية لشباك التسبيل المطل على شارع المعز لدين الله واستعوضها بباب خشبى ليغلق على محل النحاس خاصته، ومن حسن الحظ أن يترك لنا شباك التسبيل الآخر المطل على الرحبة التى تتقدم قبة الصالح نجم الدين أيوب بمصبعاته النحاسية الجميلة، ويبدو جليا تشابه الوحدات الزخرفية بشباكى التسبيل.. كان السبيل يقع على يمين المدخل الرئيسى للمدرسة الظاهرية والذى لا زال يحتفظ ببقايا بداية النص التأسيسى بعضادة الباب اليمنى ونصها (بسم الله الرحمن الرحيم أمر بإنشاء هذه المدرسة المباركة السعيدة مولانا السلطان الأعظم)، ويفضى المدخل الذى زال إلى دركاة ويمين هذه الدركاة باب يؤدى إلى حجرة التسبيل، وهو الباب الحالى الصغير القائم والمستخدم لمفتشى الآثار، وكان يعلو السبيل كتاب لتعليم أبناء المسلمين القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، وهو ثالث ظهور لسبيل يعلوه كتاب، فقد سبقه سبيل وكتاب المدرسة الفاضلية الذى أنشأه القاضى عبد الرحيم بن على البيسانى وزير السلطان الناصر صلاح الدين بدرب القزازين عام ٥٨٠ هجرية /١١٨٤م ، ثم سبيل وكتاب المدرسة الفخرية بدرب سعادة الذى أنشأه الأمير فخر الدين أبو الفتح عثمان سنة ٦٢٢هجرية/١٢٢٥م.

ويذكر المقريزى فى السلوك (بنى السلطان الظاهر بيبرس بجانب المدرسة مكانًا للسبيل،  وقرر لمن فيه من أيتام المسلمين الخبز فى كل يوم والكسوة فى فصلى الشتاء والصيف)، وفى النجوم الزاهرة يذكر أين تغرى بردى "وبنى السلطان الظاهر بيبرس مكتبا لتعليم الأيتام وأجرى عليهم الخبز فى كل يوم وكسوة الفصلين وسقاية تعين على الطهارة، ويعلو شباك التسبيل المطل على شارع المعز لدين الله قبالة مجموعة المنصور قلاوون عتب حجرى مزخرف بأشكال هندسية يعلوه نفيس نقش عليه رسم لفهدين متقابلين هما رنك السلطان الظاهر بيبرس ثم عقد مقوس من صنجات معشقة قوامها مثلثات تتخللها زخرفة نباتية، ويذكر ابن إياس فى بدائع الزهور فى وقائع الدهور (وكان السلطان الظاهر بيبرس يصنع فى رنكه سبعا إشارة لفروسيته وشدة بأسه).

ذكر على باشا مبارك فى كتابه الخطط التوفيقية أن مدرسة الظاهر بيبرس البندقدارى أثر رقم ٣٧(سنة٦٦٠هجرية/١٢٦٢م)،

تقع بشارع المعز لدين الله" سابقا بين القصرين"، أنشأها الملك الظاهر بيبرس البندقدارى ملك مصر فى سنة(٦٥٨هجرية/١٢٥٩م)،

وكملت فى سنة (٦٦٢هجرية/١٢٦٣م)، وقد تلاشت الآن، وبقى منها جزء فيه الباب العمومى، ولا يزال حاملا لاسم الملك الظاهر فى عبارة كان يقرأ فيها نصه:

البسملة، أمر بإنشاء هذه المدرسة المباركة السعيدة مولانا السلطان الأعظم الملك الظاهر السيد الأجل العالم الحامل المجاهد المرابط المؤيد المنصور ركن الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين سيد الملوك والسلاطين مالك رقاب الأمم سيد ملوك العرب والعلم أبو الفتح بيبرس قسيم أمير المؤمنين أعز الله أحكامه وأدام أيامه"، ونشر فى الخافقين بالنصر والتأييد ألويته وأعلامه بمحمد وآله وصحبه، وذلك فى شهور سنة ستين وستمائة، ويصف المقريزى هذه المدرسة بأن الظاهر خصصها لدرس شتى العلوم والفنون، من فقه على المذاهب الأربعة إلى قرآن وحديث إلى غير ذلك، ويقول :"وجعل بها خزانة كتب تشتمل على أمهات الكتب فى سائر العلوم والفنون، وبنى بجانبها مكتبا لتعليم الأطفال وتحفيظ القرآن الكريم، وفى قوله، "وبنى بجانبها مكتبا" نستطيع القول منه بأنه هو أول مكتب بُنى إلى جانب مدرسة إن لم يكن أسبق منه، وهذا يدحض الرأى السائد بأن أول مكتب بنى إلى جانب مدرسة هو مكتب مدرسة قرأ سنقر (٧٤٠ هجرية/١٣٣٩م) أو مكتب مدرسة فخر الدين عبد الغنى (٨٢١ هجرية/١٤١٨م) أو غيرهما، وقد كانت هذه المدرسة لأكثر من حوالى نصف قرن سليمة بعض الشىء، فلما فتح شارع بيت القاضى فى أواخر القرن المنصرم أخذ معظمها، والبقية الباقية منها إلى اليوم لا تصلح للاحتفاظ بها كأثر فى نظرنا، فلو أنها أزيلت أو زحزحت قليلا لكان خيرا للمارة ولمنظر الشارع وللأثر الآخر الذى يجاورها.

ولم تسلم هذه المدرسة من معاول الحملة الفرنسية التى أثارت على القاهرة فى سنة (١٢١٤ هجرية /١٧٩٨م)، وبدأ يتطرق الخراب إليها قبيل قيام الدولة العلوية، وكان من نتيجة تخريب هذه المدرسة أن امتدت الأيدى إلى ذخائرها من رخام وعمد ونحاس، ونقل بابها النحاسى الجميل إلى مبنى المفوضية الفرنسية بالجيزة ومكتوب عليه "أمر بعمل هذا الباب المبارك مولانا السلطان الأعظم المالك الملك الظاهر ركن الدنيا والدين أبو الفتح بيبرس أدام الله أيامه و أعز أحكامه سنة٦٦١هجرية".

والمفارقة أن باب المدرسة الظاهرية التى أنشأها الظاهر بيبرس البندقدارى الذى هزم الفرنسيين وأسر لويس التاسع عشر فى معركة المنصورة يزين السفارة الفرنسية بمصر، وهناك مطالب باستعادة باب المدرسة الظاهرية الموجود فى السفارة الفرنسية فى الجيزة.

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

خطة الحكومة لمواجهة الإدمان الرقمى وحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت

حماية للأمن القومى.. المهندس عمرو صبحى: «شريحة الطفل» خطوة استباقية لخلق بيئة رقمية آمنة للنشء محمد عزام: الاستخدام المفرط للأدوات...

أبعاد تدخلات القيادة السياسية لسد ثغرات قانون الأحوال الشخصية

د. جمال فرويز: غياب المودة والرحمة وراء زيادة معدلات الرغبة فى الانتقام الفضالى: تطبيق نظام «الاستضافة» ضمانة فاعلة لتربية الأبناء...

10 آلاف مخالفة على مستوى الجمهورية خلال شهر

حملات مكثفة لل «الداخلية» على محال ومنشآت لم تلتزم بقرار الغلق محافطتا الوادى الجديد ومرسى مطروح أكثر المحافظات التزامًا بالتعليمات...

من الأورمان للدقى.. حكاية معرض الزهور

بمشاركة 100 عارض يدشن نسخته الـ 93 معرض الزهور يزين المتحف الزراعى بالدقى أعمال تطوير المقتنيات وتحديث أساليب العرض أتاحت...