«الموت على الطريقة الفرعونية»..مشـروع سياحى للمهووسين بالحضارة المصرية

«مجدى شاكر»: أعضاء «الصليب الوردى» يأتون إلى مصر للحج.. وأملهم الأكبر أن يدفنوا على أرضها «حسام عبد الفتاح»: هوس الرغبة فى الدفن بالقرب من الآثار نوع من التقدير للحضارة المصرية القديمة

أثارت حادثة القبض على سائح بريطانى حــاول دفـــن رفــات والدتــه فـــى معبد "أبو سمبل" جنوب أسوان تساؤلات عديدة حول هوس الأجانب بالدفن فى مصر، حيث كشف السائح البريطانى أنه جاء إلى مصر ليدفن رفات والدته فى معبد "أبو سمبل" كما أوصته قبل وفاتها، لكن السائح الذى كان يحمل صندوقا صغيرا به رفات والدته لفت انتباه أفراد الأمن بمجرد مروره من جهاز أشعة إكس، وبتفتيشه تبين وجود وعاء زجاجى داخل الصندوق يحتوى على رفات والدته التى توفيت منذ عام، وانتهى الأمر بأخذ تعهد رسمى على السائح بعدم تكرار هذا الأمر فى أى موقع أثرى آخر، لأنه يعد مخالفا للقانون المصرى الذى يحمى المواقع الأثرية.

عن عشق الأجانب للحضارة المصرية القديمة، وهوس الكثيرين منهم بالدفن فى أرض مصر، سألنا المسئولين فى الآثار عن مدى قانونية هذا الأمر، وهل هناك ضوابط إذا ما تم تطبيق هذه الفكرة بعد الموافقة على دفن المهووسين بالحضارة المصرية القديمة بالقرب من الأماكن والمعابد الأثرية؟ وما العائد الـــذى ستجنيــه السياحة المصرية من هذا الأمر؟.

"مجدى شاكر" كبير الأثريين بوزارة الآثار قال: إن الموضوع الذى أثير بخصوص الرجل الإنجليزى الذى أحضر رفات والدته فى إناء أو ما شابه ودخل مصر ليدفنها فى أحد المواقع الأثرية، قبضت عليه الشرطة عند دخوله معبد أبو سمبل لتنفيذ وصية والدته كما قال، وأعتقد أن الأمر له علاقة بجماعة اسمها "الصليب الوردى" أو "روزا كروز"، وهى جماعة تكونت فى أمريكا، ويعود تأسيسها إلى الفيلسوف الإنجليزى "فرانسيس بيكون" فى القرن الثامن عشر الذى أسس جماعة قريبة من الماسونية الصهيونية لديها اعتقاد بأن اخناتون هو نبيهم وأناشيد اخناتون بالنسبة لهم مثل الكتب الدينية، وهم موجودون فى أمريكا وبريطانيا ويتعبدون بتلك المعتقدات، ويزورون أماكن محددة فى مصر كرحلة حج سنوية، مثل الأهرام فى الجيزة والسرابيوم فى سقارة ومعبد الأوزيريون فى سوهاج، ويتعبدون فى تلك المواقع، فهى مثل رحلة الحج بالنسبة لهم.

وقال شاكر إن هناك قصة متداولة لجندى إنجليزى مدفون فى معبد أبو سمبل، وتعود إلى سنة ١٨٨٥ وقت الاحتلال الإنجليزى لمصر، وهو جندى إنجليزى برتبة رائد مر أثناء ذهابه للسودان على معبد أبو سمبل فى مكانه القديم قبل نقله من مكانه عام١٩٦٤، ولكنه مات فى المعبد ودفن فى إحدى الغرف الملحقة بالمعبد، وأثناء الاستعداد لنقل المعبد خلال الفترة من ١٩٦٤ حتى ١٩٦٨، نقلت رفات الجندى خارج المعبد لأنه ممنوع أن يدفن فى غرف المعبد، وظلت رفاته موجودة  حتى عام ٢٠١٠ إلى أن طلبت عائلته استعادة جثمانه، وبالفعل  استعادته، لكن مازال قبر هذا الجندى الرائد الإنجليزى موجودا حتى الآن كقبر رمزى.

وبالنسبة لفكرة دفن الأجانب فى مصر، قال شاكر إن جماعة "الصليب الوردى" لديها يقين واعتقاد بأن مصر هى أرض الحضارة والدين والأنبياء، وبالنسبة لهم يأتون إليها ليس بغرض السياحة إنما للحج، ويتمنون أن يدفنوا فى أرض مصر مثلما يتمنى المسلمون أن يدفنوا فى البقيع بجوار الصحابة، ولفت شاكر إلى أن هذه الفكرة قديمة، فهناك قصة لسيدة تدعى "أم سيتى"، وهى سيدة إنجليزية مدفونة فى سوهاج، واسمها الحقيقى "دوروثى إيدى"، وهى السيدة التى انهارت أثناء طفولتها حوالى سنة ١٩٣٠ وسقطت على الأرض حتى اعتقد والداها أنها توفيت، لكنها استعادت وعيها، وعندما أخذوها للمتحف البريطانى فى زيارة وشاهدت الآثار المصرية، ادعت أن هؤلاء المصريين القدماء هم أهلها الحقيقيون، وكانت تستمتع بوجودها فى المتحف منذ طفولتها، وعندما كبرت كانت تتحدث بالهيروغليفية دون أن تدرسها، وجاءت مصر بعد أن تزوجت مدرس مصرى وأنجبت منه طفلا اسمته "سيتى"، عرفت بين المصريين باسم "أم سيتى"، وكانت تعتقد أن والدتها كانت كاهنة مصرية قديمة بأحد المعابد، لكنها حملت سفاحا من أحد ملوك الفراعنة.

وقال شاكر إن "أم سيتى" عملت بالفعل مع علماء آثار كبار فى مصر، أمثال سليم حسن وأحمد فخرى، واستقرت فى سوهاج فى معبد أبيدوس، وكان لها كرامات وبركات كما قال القريبون منها، حيث كانت تعالج بدهان الزيوت، واشتهرت بأن معها حية وقط، وكانت تدخل المعبد وتقدم قرابين، ومازال قبرها موجودا حتى الآن فى سوهاج، حيث توفيت فى الثمانينات وأصبحت رمزا فى المنطقة، وقدمت عنها تقارير تليفزيونية وكتبت عنها الصحافة العالمية.

 سياحة الذكريات

واقترح "مجدى شاكر" كبير الأثريين بإقامة ما يسمى بـ"وادى العظماء"، لأن هناك أشخاصا يرغبون أن يدفنوا فى أرض مصر ولديهم هذا الهوس، مما يشكل نوعا جديدا من السياحة تنفرد به مصر دونا عن باقى الدول، وهو سياحة الذكريات، مثلما حدث عندما مات عدد كبير من الجنود الألمان والإنجليز والإيطاليين  أثناء الحرب العالمية فى مصر، ودفنوا فى القاهرة  والإسماعيلية وفى العلمين، حيث بنيت مقابر على طراز بلدانهم ودفنوا فيها، وهناك متحف العلمين الذى يحكى تاريخ البطولات العسكرية أثناء هذه الحرب، واقترح شاكر أن يقنن هذا الوضع طالما هناك أشخاص يرغبون فى أن يدفنوا فى مصر ولهم أحفاد وأقرباء سيأتون لزيارتهم، وقال: "علينا أن نستغل هذا الموضوع فى إطار سياحة الذكريات، وفى الأماكن التى تعتبر مقدسة عندهم مثل الأقصر وأسوان، حيث يمكننا أن نبنى مقابر على الطريقة المصرية القديمة بما يشبه توابيتهم للدفن، لكن بعيدا عن المنطقة الأثرية، فالمصرى القديم كان لديه ما يعرف باقتصاد الموت، وكل شخص حسب قدرته الاقتصادية، فمن لحظة الوفاة، أو بالأدق من قبلها، يقوم متعهد بعرض نماذج من المقابر ونوع من الأثاث الجنائزى على المصرى القديم ليختار منها ما يريده فى مقبرته، وليس كل شخص لديه القدرة على عمل مقبرة كبيرة، لذلك نجد مقبرة غرفة أو غرفتين أو مقبرة ملكية أو مقبرة فردية، ولكل شخص مقبرته التى تكون على حسب قدرته المادية، لذلك اقترحت أن يكون هناك مكان يدفن فيه الأجانب ممن يرغبون أن يدفنوا فى مصر، مثلا فى إحدى المناطق فى انجلترا يوصى البعض أبناءهم أن يحرقوا جثثهم وأن ينثروا الرماد وتزرع مكانه شجرة، ويكون للشجرة اسم هذا الشخص، لأن الشجرة أخذت جسم المتوفى".

واستطرد "شاكر" فى طرح ملامح اقتراحه قائلا: "يمكننا تسميته وادى العظماء، وأن تقام مقابر على الطريقة المصرية القديمة، سواء منحوتة أو مبنية، ويتم عمل التوابيت وتلوينها وتزيينها بنقوش، ومن الممكن عمل خراطيش كأن المتوفى ملك من ملوك المصريين القدامى، وسيلقى هذا الأمر رواجا لأن هناك ملايين حول العالم مهووسين بهذا الموضوع، وسيصمم الوادى بطريقة معينة ونزرع فيه أشجار جميز وكافور، كما كان الحال على  الطريقة المصرية القديمة، حيث يتم تحنيط المتوفى وبناء المقابر، ويمكننا عمل نفس الطقوس التى كانت تمارس على الطريقة المصرية القديمة أيضا، وسيجذب هذا الاقتراح الاستثمارات ومنها فنادق بيئية مثل بيوت المعمارى المصرى حسن فتحى والبيوت الأخرى المبنية من الحجر، وتقام العديد من البازارات وأماكن للاستراحة والطعام يرتدى فيها السائحون الملابس على الطريقة المصرية القديمة".

وكشف "شاكر" عن ملامح الاقتراح كما تبدو فى مخيلته قائلا: "يمكننا تخصيص  ٢٠٠ أو ٣٠٠ فدان لهذا المشروع، تضم المدافن أماكن لبيع الزهور، خاصة زهرة اللوتس، وبازارات وفنادق، وبالتأكيد ستكون هناك ضوابط وقوانين تحكم المشروع، أما بالنسبة للعقبات فأرى أننا نخاف دائما ونضع محاذير كثيرة، لكن إذا أردنا أن نعمل سياحة حقيقية، فهذا مورد لابد أن نستفيد منه، خاصة أنه سيوفر فرص عمل كثيرة للعاملين فى السياحة، وطالما كانت هناك ضوابط من الدولة والقانون فالاستفادة ستكون كبيرة، وأرى أن وادى العظماء سيكون مشروعا كبيرا ومربحا، خاصة لو أقيم فى الأقصر أو أسوان، وسيكون له صدى كبير ودعاية لمصر".

ومن جانبه قال "حسام عبد الفتاح" مفتش الآثار المصرية وعضو المجلس الدولى للمتاحف إن الهوس العالمى بفكرة الدفن فى مصر، وخاصة فى الأماكن الأثرية العظيمة مثل معبد "أبو سمبل"، يرجع بشكل كبير إلى التقدير الواسع والعميق لحضارة مصر القديمة، لأن هذه الحضارة لم تكن مجرد مجموعة من التقاليد والمباني، بل كانت فلسفة حياة متكاملة تبنى تصورا قويا عن الخلود والحياة الأبدية، وهذا التصور يجذب العديد من الأجانب الذين يرغبون فى الاتصال بروح العظمة المصرية، خاصة التاريخ المصرى يعطى معانى سامية لفكرة ما بعد الحياة والموت.

وقال "عبد الفتاح": "السماح للأجانب بالدفن فى بعض المناطق التاريخية تحت ضوابط دقيقة قد يكون له فوائد متعددة، وأهمها ما يتعلق بالبعد السياحي، فمن خلال فتح باب محدود ومدروس لمثل هذه الطلبات، يمكن أن تستفيد مصر من إقبال العديد من السياح ليس فقط لحضور مراسم الدفن، ولكن أيضًا لزيارة هذه المواقع التاريخية بشكل متكرر، مما يعزز النشاط الاقتصادى ويرفع من قيمة هذه المواقع على المستوى العالمي".

ويرى "عبد الفتاح" أن هذا النوع من السياحة يعتمد على الرابط الروحى بالمكان وتقدير عظمة الحضارة المصرية ويقدم نمطا جديدا من الاستدامة السياحية، وأن مثل هذه الزيارات قد تُقام بشكل متكرر على مدار السنوات، حيث يزور أقارب وأصدقاء المتوفى المكان بشكل مستمر، مما يضفى نوعا من التواصل المستمر مع تاريخ مصر العريق، ومن هنا، يمكن لمصر أن تستفيد بشكل مستدام من هذا النوع من النشاط السياحى المتخصص، ومع ذلك من الضرورى وضع ضوابط واضحة وصارمة لحماية قدسية وجمال هذه المواقع، كما قال عبد الفتاح، لافتا إلى أن مثل هذه الخطوة لابد أن تراعى القيمة الثقافية والأثرية للحضارة المصرية وتضمن الحفاظ عليها من أى تأثيرات قد تضر بتلك المواقع، مع الحفاظ فى نفس الوقت على أهمية هذا النوع من النشاط السياحى وتوجيهه بما يحقق الفائدة العامة ويضيف لرصيد مصر الحضارى والسياحي، وحذر عبد الفتاح من المخاطر المحتملة للمشروع، مثل إغراق المواقع الأثرية بالتجارة وتهميش القيم الثقافية، قائلا إن التنظيم الجيد هو المفتاح لضمان أن تظل المواقع الأثرية مصانة ومحترمة.

 	إيناس مرشد

إيناس مرشد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

مطالب بحزمة حكومية خاصة لحماية الفئات المتضررة من قانون الإيجار القديم

النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا

السكر.. والطريق إلى صيام آمن

ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...

حكايات الياميش من أول «فطار» لآخر يوم صيام

في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...

أغانٍ وفوانيس وزينات.. رمضان فى الحارة زمان

لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...


مقالات