فى أكتوبر 1971 احترقت دار الأوبرا عن آخرها وظلت القاهرة بدون اوبرا قرابة العقدين من الزمن
مصر المحروسة ستظل دائما رائدة فى مجال الإبداع بمختلف الفنون، فهى هوليوود الشرق، لاحتضانها ونشرها للفنون وفتح أبوابها للمبدعين فى السينما والمسرح والغناء والدراما، ولا يكاد يمر يوم إلا ونحتفل بمناسبة فنية ما، وفى الأول من نوفمبر الحالى مرت ذكرى افتتاح أحد الصروح الثقافية وهى "دار الأوبرا المصرية القديمة"، والتى كان يطلق عليها فى الماضى "دار الأوبرا الخديوية".
يرجع تاريخ بنائها إلى فترة الازدهار التى شهدها عصر الخديو إسماعيل فى كافة المجالات، وقد أمر بتشييدها بمناسبة افتتاح قناة السويس؛ حيث اعتزم أن يدعو عددا كبيرا من ملوك وملكات أوروبا، وتمت أعمال البناء فى أحد أهم أحياء القاهرة ذاك الحين، حيث سمى الميدان الواقع أمامها باسم ميدان "التياترو" ثم ميدان إبراهيم باشا، وفى سبتمبر عام 1954 سمى باسم ميدان الأوبرا، وما زال يحمل اسمها حتى الآن.
وضع تصميمها المهندسان الإيطاليان أفوسكانى وروس، واعتمدا على الخشب فى صناعتها وكانت تسع 850 مقعدا، واستغرق بناء الأوبرا 6 أشهر، حتى جاءت لحظة الحسم وهو افتتاحها فى يوم 1 نوفمبر من عام 1869، فى حضرة الخديو إسماعيل والإمبراطورة أوجينى زوجة نابليون الثالث وملك النمسا وولى عهد بروسيا، وكان هناك مكان مخصص للشخصيات الهامة واتسمت تلك الدار بالعظمة والفخامة.
وقبل أن يتم البناء كان الخديو يهيئ لفترة حكمه تراثا فنيا خالصا يشير إلى ماضى مصر المجيد، فقد طلبت مارييت باشا من الخديو اختيار قصة من صفحات التاريخ المصرى القديم تصلح نواة مسرحية شعرية، ولينظمها الشاعر الإيطالى جيالا نزوق، وعهِد الخديو إلى الموسيقار فيردى لوضع موسيقاها الرفيعة، فكانت الأوبرا الخالدة "عايدة" بموضوعها الوطنى المصرى وأغانيها الجياشة وموسيقاها الرائعة من نتاج العبقريات الثلاث.
وتم افتتاح الأوبرا الخديوية فى الأول من نوفمبر 1869 مع احتفالات قناة السويس وعلى الرغم من اهتمام الخديو إسماعيل ورغبته الأكيدة فى أن تفتتح دار الأوبرا الخديوية بعرض أوبرا عايدة حالت الظروف دون تقديمها فى موعد الافتتاح وتم افتتاحها بعرض ريجوليتو.
وتم عرض أوبرا عايدة، بعد الافتتاح بعامين فى 24 ديسمبر 1871.
بدأت دار الأوبرا كبيرة وشامخة سواء فى ظروف إقامتها وافتتاحها أو فى حجم نشاطها وقيمة إنجازاتها وإسهاماتها فى تراث الحضارة، وسارت على هذا النحو 8 سنوات فقط، هى التى عايشت خلالها انطلاقة مؤسسها وراعيها الخديو إسماعيل، وكانت خلال ذلك نموذجا مبهرا لما تكون عليها دور الأوبرا، ولم تقتصر أهميتها فى مواسمها على الكم ولكن أيضا على الكيف.
وشهد على ذلك عميد الأوبرا الإيطالية "فيردى" حين كتب فى إحدى رسائله إلى المسئولين عن تقديم رائعته عايدة فى إحدى المدن الإيطالية بعد عروضها فى القاهرة، وذلك فى سياق توجيهاته وإرشاداته لتحقيق أحسن أداء ممكن، فقال: بالرغم من كل الجهود المبذولة لا أطمع فى الوصول إلى عظمة الإخراج الذى تم فى أوبرا القاهرة.
لكن لم يستمر الحال كما هو فى مسيرة دار الأوبرا؛ حيث تأثرت الأوبرا الخديوية بالظروف السياسية الاقتصادية والاجتماعية التى كانت تمر بها مصر، لذلك لم تسر الأمور بشكلها المبهر طيلة وجودها، نظرًا للجو العام الذى أحاط بها آنذاك، ونستطيع القول إن دار الأوبرا الخديوية عايشت عدة مراحل..
المرحلة الأولى
خلال تلك المرحلة وهى فى حالة انتكاس، استطاعت أن ترسخ وجودها بين أهم دور الأوبرا فى العواصم والمدن الكبرى سواء بافتتاحها المبهر ثم عرض "عايدة" لأول مرة فى العالم على مسرحها ثم الانطلاق فى مواسم سنوية لامعة سواء فى حجمها أو فى مستوى الفنانين المشتركين فى عروضها.
المرحلة الثانية 1877ــ1884
تعثرت الدار فى هذه المرحلة من مسيرتها فى أواخر حكم الخديو إسماعيل، ولم تلبث أن توقفت أنشطتها فى عام 1877م، لدرجة أن مديرها "دارنيت بك" تركها قبل رحيل الخديو بعامين، ليتولى الفنان المصرى "ليوبولد لاروز" شئونها الفنية، وتغلق الدار أبوابها مع مجىء الخديو توفيق وفى أذياله الاحتلال البريطانى لمصر.
المرحلة الثالثة 1884ــ1914
بدأت فى تلك المرحلة حالة من الانتعاش تعود بشكل تدريجى، إذ قامت عروضها فى معظمها على حفلات الجمعيات والهيئات الخيرية، والقليل من الفرق الصغيرة الوافدة من إيطاليا، وتركيا، واليونان.
وقدم العروض فى تلك المرحلة أسماء عربية وهم "أحمد أفندى أبو خليل القبانى، وعبده أفندى الحامولى فى موسم من اثنتى عشرة حفلة، ثم فرقة بنكليان التركية، وبعدها فرقة يوسف خياط"، أما من الفرق الأجنبية "بونى وزوكينو للأوبريت".
وفى عام 1886 تواجد الشيخ سعيد الدسوقى وفرقة إسبانية، وفى العام التالى الشيخ الدسوقى بدر فى موسمين متتاليين، وقدمت فرقة قرداحى موسما، امتد طوال شهر مارس تقريبا فى عام 1887، وبعد ذلك حفلات موسم فرقة الأوبريت بونى وزوكينو.
كما زارتها سارة برنار، الممثلة المسرحية التى ذاع صيتها فى أوروبا فى أوائل السبعينيات من القرن التاسع عشر، كانت أبرز بداية لعودة الفرق الأجنبية فى إطار المواسم التقليدية الكبيرة، وكانت برنار ذات تاريخ وعراقة فى المسرح الفرنسى، وامتد موسمها لمدة شهر فى عام 1888 إلى منتصف يناير.
وبعد ذلك تم تقديم العديد من الحفلات على يد فرق عالمية إلى أن رحل فيردى، وفى 2 أبريل فى عام 1901 أقيم بالدار حفل تأبين للفنان الكبير: فيردى، وقدمت فى الحفل أوبرا ريجوليتو التى بدأت صفحة العلاقات العملية بينه وبين أوبرا القاهرة.
لتبدأ الأوبرا بعد ذلك مرحلة انتعاش جديدة على يد توسكا لبوتشينى عندما قدم الأوبرا الحديثة خلال بداية القرن العشرين وبالتحديد عام 1901 والتى أعادت إلى الأذهان مواسم الدار فى عهد الخديو اسماعيل.
وكان موسم الخريف من عام 1913م هو آخر مواسم الأوبرا قبل الحرب العالمية الأولى، قدمت فيه فرقة «باروش» ستين حفلة من الأعمال الإيطالية والفرنسية، ومن روائع فاجنر تريستان وايز ولده وتانهويزر وسالومى لريتشارد شتراوس. وامتد الموسم حتى ربيع العام التالى 1914، وتخلل الموسم حفل لفرقة كورال برلين.
المرحلة الرابعة 1914ــ1919
توقفت وفود الأوبرا من أوروبا طوال فترة الحرب العالمية الأولى، واقتصر نشاط الدور على الجهود المحلية، إلى جانب عروض فرقة جورج أبيض التى قدمت: "مكبث، الملك يلهو، الماريونت، مدام سان جين"، بينما قدمت فرقة سلامة حجازى آخر مواسمها نظرا لوفاته فى أكتوبر 1917، وشمل الموسم من أعماله: "غرائب الأسرار، شيخ العائلات، اليتيمتان"، وقدمت فرقة أولاد عكاشة بعض حفلاتها.
هذه الفترة شهدت أكثر من غيرها أولى تجارب المسرح الغنائى المصرى عندما استحدث سيد درويش روائعه من الأوبريت والتى انتقل بها خلال ربع قرن من عالم الطرب إلى عالم المسرح الغنائى.
المرحلة الخامسة 1919ــ1930
مع انتهاء سنوات الحرب وتوابعها، بدأت بدار الأوبرا سلسلة من القمم فى مواسم سنوية طويلة بدأ أولها فى ديسمبر عام 1919، وقدمت فيه فرقة "دلفينو لنيانى" روائع الأوبرات والأوبريت والباليه فى ثمانين حفلة وثلاث حفلات سيمفونية وحفلتين لعازف الفيولينه "سيراتو" الذى سبق له تقديم حفلاته بالدار فى عام 1905.
وفى أول مايو عام 1920 شهدت دار الأوبرا حدثا يهم مصر كلها، وهو انعقاد مؤتمر خاص عن إنشاء بنك مصر، والذى أضاف به طلعت حرب إلى انجازاته الاقتصادية العملاقة فى البلاد إقامة مسرح الأزبكية ثم ستوديو مصر، إيمانا منه بدور الفن فى صنع البشر.
وظلت دار الأوبرا الخديوية فى تقديم رسالتها الفنية الراقية.
حريق الاوبرا
فى ساعات الصباح الباكر من يوم 28 أكتوبر 1971، احترقت دار الأوبرا عن آخرها. ودمر المبنى المصمم من الخشب، ولم يتبق منها سوى تمثالى "الرخاء" و"نهضة الفنون" وهما من عمل الفنان محمد حسن، وظلت القاهرة بدون دار للأوبرا قرابة العقدين من الزمن، إلى أن تم افتتاح دار أوبرا القاهرة فى 1988.
موقع دار الأوبرا القديمة لا يزال موجودا، إلا أنه قد تم بناء "جراج" متعدد الطوابق للسيارات ذى شكل "عادي"، عكس الشكل المميز الذى كان يميز دار الأوبرا، لكن الميدان الذى كانت الأوبرا تطل عليه لا يزال يحتفظ باسمه القديم (ميدان الأوبرا).
الحلقة القادمة سنتحدث عن
دار الأوبرا الجديدة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا
ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...
في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...
لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...