«زرافة مصرية».. تقلب حياة الفرنسيين فـى القرن 19

على مر التاريخ، كانت هدايا الملوك والرؤساء نوعاً من الود والتحية والتقدير، وغالبا ما تكون الهدايا شيئاً معبراً عن تراث الدولة أو رمزا يميز حاضرها ويشير إلى ماضيها وحضارتها،

 لكن التاريخ سجل أنواعاً من الهدايا على درجة كبيرة من الغرابة أيضاً، مثل هدية "الباشا" إلى ملك فرنسا "شارل العاشر"، وكانت عبارة عن زرافة أطلق عليها الفرنسيون "الجميلة المصرية"، وهى سابقة تاريخية لم تحدث من قبل ولا من بعد.

البداية، حينما شعر "محمد علي" باشا بالقلق من تراجع علاقاته بأوروبا بعد اشتراكه مع الدولة العثمانية فى حربها مع اليونان. استدعى "محمد على" قنصل فرنسا فى مصر "دورفيتي" ليشاوره الرأى فى كيفية عودة العلاقات مع فرنسا، وأشار عليه "دورفيتى" الذى كان أيضاً تاجر حيوانات نادرة أن يرسل له "زرافة" كهدية، وبالفعل قلبت الهدية الموازين فى العلاقات الدبلوماسية والشعبية بين البلدين.

أمر الوالى "محمد على" باشا باصطياد زرافتين، واحدة لملك فرنسا، والأخرى لملك انجلترا، لكن الأخيرة لم تعش طويلاً؛ انتقلت الزرافة من موطنهما بالنوبة فى صحبة صياديها وعدد من الرعاة، بالإضافة إلى ثلاث بقرات حلوب لتأمين غذائها اليومى من ميناء الإسكندرية وسط احتفالية ضخمة، وخلال رحلتها إلى ميناء مارسيليا كانت محاطة بكل أشكال الراحة من حارسها "عطبر" وحارسها الآخر "حسن البربرى"، وهو أحد قادة الحرس الإنكشارية.

كانت الزرافة قصيرة للغاية، ولصغر سنها كانت تشرب كمية كبيرة من الألبان، حيث تتناول 25 جالونا من اللبن يوميا، وهو ما تم توفيره من البقرات المصاحبة لها، كما تم تجهيز سفينة بمواصفات خاصة، لها فتحة فى الأعلى تسمح للزرافة بالوقوف دون أن تنحنى، ووصلت السفينة بالهدية إلى ميناء مارسيليا  فى أكتوبر من عام 1826، وقد صنع لها معطفا مبطنا بالجلد الأسود وحذاء حتى لا تتآكل حوافرها، وعندما وصلت للميناء خضعت للحجر الصحى لمدة أسبوعين، بعدها انطلقت إلى باريس لتبدأ رحلتها التاريخية وسط حراسة أمنية لمقابلة الملك شارل العاشر.

جهز الفرنسيون اسطبلات بمواصفات خاصة فى القرى التى سوف تمر عليها الزرافة قبل وصولها إلى باريس، واطلقت الزرافة فى الشوارع والميادين لتصنع حالة من البهجة بين الناس الذين التفوا حولها، وأطلقوا عليها "الجميلة المصرية"، وانطلقت بيوت الأزياء لتحاكى شكل الزرافة فى خطوط الموضة، فكانت رابطات العنق من نمط جلد الزرافة، وأطلق على بعض الشوارع اسم "زرافة"، وأطلقت موضة لأغطية الرأس بخطوط الزرافة، وتم تأليف مقطوعات موسيقية تحمل اسم "الزرافة"، كما استحدثت موضة للديكورات وورق الحائط من جلد الزرافة، وأطلقت الزرافة العنان لإلهام الفنانين والنحاتين ورسامى الكاريكاتير، كما نشرت كتب للقصص المصورة الخاصة بالأطفال حاملة اسم تحمل "الزرافة".

هذه القصة التاريخية ألهمت الكاتبة المصرية "رشا عدلي" التى كتبت رواية "آخر أيام الباشا"، كما الهمت الكاتب الأمريكى "مايكل آلن" فى تأليف كتاب عن الزرافة بعنوان "زرافة محمد على باشا"، و"آلن" مؤرخ جوال لفتت نظره حكاية الزرافة المحنطة الموجودة فى متحف النباتات بباريس، فتقصى عن حكايتها وكتب عنها كتابه الشهير الذى قال من خلاله إن القصة ليست قصة هدية فقط، لكنها أحد فصول الالتقاء بين الشرق والغرب.

وفى كتابه "زرافة الملك" كتب الكاتب الفرنسى "غابريل داردة" إن أكثر من ثلاثين فندقا ومكتب بريد اختار أصحابها الزرافة كشعار لمؤسساتهم فى ذلك الحين، ولا يزال هذا الشعار موجودا حتى الآن فى أماكن متعددة من فرنسا.

استقبل الملك شارل العاشر الزرافة بحفاوة شديدة، وتوجها بتيجان من الزهور، وبعد ذلك أنزلها فى حديقة النباتات، وزارها فى هذا العام ما يزيد عن ستمائة ألف شخص، وهو ما أسهم فى تحقيق رواج اقتصادى ضخم فى فرنسا.

ظلت الزرافة ضيفة عزيزة مكرمة داخل متحف النباتات طيلة أربعة عشر عاما، وبعد موتها تم تحنيطها وكتابة حكايتها بجوارها فى متحف النباتات بحديقة حيوان باريس.

 	عفاف على

عفاف على

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

خطة الحكومة لمواجهة الإدمان الرقمى وحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت

حماية للأمن القومى.. المهندس عمرو صبحى: «شريحة الطفل» خطوة استباقية لخلق بيئة رقمية آمنة للنشء محمد عزام: الاستخدام المفرط للأدوات...

أبعاد تدخلات القيادة السياسية لسد ثغرات قانون الأحوال الشخصية

د. جمال فرويز: غياب المودة والرحمة وراء زيادة معدلات الرغبة فى الانتقام الفضالى: تطبيق نظام «الاستضافة» ضمانة فاعلة لتربية الأبناء...

10 آلاف مخالفة على مستوى الجمهورية خلال شهر

حملات مكثفة لل «الداخلية» على محال ومنشآت لم تلتزم بقرار الغلق محافطتا الوادى الجديد ومرسى مطروح أكثر المحافظات التزامًا بالتعليمات...

من الأورمان للدقى.. حكاية معرض الزهور

بمشاركة 100 عارض يدشن نسخته الـ 93 معرض الزهور يزين المتحف الزراعى بالدقى أعمال تطوير المقتنيات وتحديث أساليب العرض أتاحت...