فسحة وحكاية - «الأزهر».. منارة الإسلام

فى الشهر المنقضى احتفل الأزهر بمرور 1084 سنة هجرية على إنشاء الجامع الأزهر الذى يعتبـــر أهــــم مساجد مصر على الإطلاق،

 وأحــد المعـاقل التــــاريخيــة لـنـشـــر وتعــليـــم الإسلام، كذلك هو واحد من أشهر المساجد الأثرية فى مصر والعالم الإسلامى، وجزء من مؤسسة الأزهر الشريف يعود تاريخ بنائه إلى بداية عهد الدولة الفاطمية فى مصر، فى عهد جوهر الصقلى، فبدأ فى بنائه فى جمادى الأول 359هـ/970م، بعد عام من تأسيس القاهرة  واستغرق بناؤه ما يقرب من 27شهرا، وأتم بناءه وأقيمت أول جمعة فيه فى رمضان سنة 361هـ /972م، وعرف بجامع القاهرة، ورغم أن يد الإصلاح والترميم توالت عليه على مر العصور فغيرت كثيرا من معالمه الفاطمية، إلا أنه يعد أقدم أثر فاطمى قائم بمصر.

ويعتبر المسجد ثانى أقدم جامعة قائمة بشكل مستمر فـى العـالـم بــعــد جــامـعـة القرويين. ورغم أن جامع عمرو بن العاص فى الفسطاط سبقه فى وظيفة التدريس؛ حيث كانت تعقد فيه حلقات الدرس تطوعا وتبرعا، إلا أن الجامع الأزهر يعد الأول فى مصر فى تأدية دور المدارس والمعاهد النظامية، فكانت دروسه تعطى بتكليف من الدولة ويؤجر عليها العلماء والمدرسين.

 ولا يزال الأزهر حتى اليوم منارة لنشر وسطية الإسلام ومؤسسة لها تأثير عميق فى المجتمع المصرى ورمزا من رموز مصر الإسلامية.

عندما تأسست مدينة القاهرة على يد جوهر الصقلى، وهو قائد فاطمى رومى من أصل يونانى من جزيرة صقلية، وأطلق عليها اسم المنصورية، وأُعدت المنصورية لتكون مقرا للخلافة الفاطمية المتواجدة فى تونس، وقد استخــدم المسـجــد لأول مــرة فى عام 972.

سُمى فى البداية بجامع المنصورية، وقد كانت تسمية المسجد باسم المدينة التى يتواجد بها ممارسة شائعة فى ذلك الوقت، ومع دخول الخليفة المعز لدين الله لمصر قام بتسمية المدينة بالقاهرة، وهكذا أصبح اسم المسجد جامع قاهرة، حسب أول نسخة من المصادر العربية التاريخية.

واكتسب المسجد اسمه الحالى، الأزهر، فى وقت ما بين الخليفة المعز، ونهاية عهد الخليفة الفاطمى الثانى فى مصر العزيز بالله، والأزهر معناه المشرق وهو صيغة المذكر لكلمة الزهراء، والزهراء لقب السيدة فاطمة بنتِ الرسول محمد، زوجة على بن أبى طالب، ويحفل تاريخ الأزهر بفترات أفول وازدهار.. نذكرها تباعا.

 العصر الفاطمى

فى عهد الخليفة الفاطمى المعز لدين الله الإمام الإسماعيلى الرابع، قامت الجيوش الفاطمية بغزو مصر تحت قيادة جوهر الصقلى، والذى نجح فى انتزاعها من سلالة الإخشيديين، وبأمر من الخليفة، أشرف جوهر على بناء المركز الملكى «للخلافة الفاطمية» وجيشها، وقد بنى الأزهر كقاعدة لنشر مذهب الشيعة الإسماعيلية، والذى يقع بالقرب من مدينة الفسطاط السنية، وقد أصبحت القاهرة مركزا للطائفة الإسماعيلية الشيعية، ومقر حكم الدولة الفاطمية. وعلى ذلك أمر جوهر ببدء بناء مسجد كبير للمدينة الجديدة، وقد بدأ العمل فى إنشائه سنة 970، وأتم فى سنة 972، فعقدت أول صلاة جمعة فيه فى 22 يونيو 972 خلال شهر رمضان.

وسرعان ما أصبح الأزهر مركزا للتعليم، وتخرج منه التصريحات الرسمية وتُعقد به جلسات المحاكم، وأصبحت التعاليم الباطنية الخاصة بالمذهب الإسماعيلى – والتى كانت تعاليم سرية لفترة طويلة - متاحة لعامة الناس فى الأزهر، وقد عين المعز القاضى النعمان بن محمد القاضى، مسئولا عن تدريس المذهب الإسماعيلى، وكانت بعض الفصول تُدرس فى قصر الخليفة، وكذلك فى الأزهر، مع دورات منفصلة للنساء، وخلال عيد الفطر عام 973، أصبح المسجد رسميا مقرا لصلاة الجماعة فى القاهرة بأمر من الخليفة المعز وابنه عندما أصبح بدوره الخليفة، وجعلوا خطبة الجمعة خلال شهر رمضان فى الأزهر.

كما جعل يعقوب بن كلس - الفقيه والوزير الرسمى الأول للفاطميين - من الأزهر مركزا رئيسيا لتعليم القانون الإسلامى ثم وُظف علماء لإعطاء الدروس، ليتحول الأزهر إلى جامعة رائدة فى العالم الإسلامى.

ووُسع المسجد أثناء حكم الخليفة العزيز بالله والذى أمر بترميم أجزاء من المسجد كانت قد تصدعت، واستكمل الخليفة الفاطمى التالى الحاكم بأمر الله ترميم المسجد ووفر بابا خشبيا جديدا له ومع ذلك، شهد عهد الحاكم تشييد مسجده الذى سمى باسمه تيمنا به، وبعد تشييد مسجد الحاكم فقد الأزهر مركزه كمسجد صلاة الجماعة الأولى فى القاهرة. وأصبح مسجد الحاكم بأمر الله المكان الوحيد لخطب الخليفة وخطبة الجمعة. وبعد عهد الحاكم استعاد الأزهر مكانه فى عهد المستنصر، وقد نُفِّذَت إضافات وتجديدات على المسجد، كما أضيفت الكثير من التجديدات فى عهد الخلفاء الفاطميين الذين أتوا من بعده. كما أنشئت مكتبة ضخمة تابعة للجامع الأزهر وهبها الخليفة الفاطمى الآلاف من المخطوطات التى أعطت قيمة بليغة للمكتبة، وكان ذلك ضمن محاولة الفاطميين بشتى الجهود نشر ممارسة المذهب الإسماعيلى بين الناس، ولكن لم تنجح جهودهم، فالكثير من هذه المخطوطات فُرقت فى الفوضى التى تلت سقوط «الدولة الفاطمية»، وأصبح الأزهر فيما بعد مؤسسة سنية كبيرة.

 عصر الدولة الأيوبية

كان صلاح الدين الأيوبى الذى أطاح بالفاطميين معاديا لمبادئ التعاليم الشيعية التى رُوجت فى الأزهر أثناء الخلافة الفاطمية، لذلك أُهمل المسجد خلال حكم السلالة الأيوبية لمصر، وحظرت الصلاة فيه، وفقا للمقريزى إما بسبب أن الفقه الشافعى يرى بعدم جواز خطبتين فى بلد واحد، وقد يكون بسبب عدم الثقة فى الجامع باعتباره مؤسسة شيعية، وأصبح مسجد الحاكم بأمر الله وهو المسجد الذى تُجرى فيه صلاة الجماعة وخطبة الجمعة فى القاهرة.

بالإضافة إلى تجريد الأزهر من مركزه كمسجد صلاة الجماعة، أمر صلاح الدين الأيوبى أيضا بإزالة شريط فضة أدرجت فيه أسماء الخلفاء الفاطميين عليه من محراب المسجد. ولـم يتجاهل صلاح الــدين الأيـــوبى تمــاما صيانة المسجد، ووفقــا للمقــريــزى فإن إحدى مــآذن المسجد رممت خلال حكم صلاح الدين.

كما أفل نجم الأزهر كمركز للتعليم الدينى، فسُحب تمويل الطلاب، ولم تعد دروس الفقه تعقد فى المسجد، واضطر الأساتذة الذين ذاع صيتهم فى عهد الفاطميين إلى البحث عن وسائل أخرى لكسب عيشهم. كما تعرضت مكتبة المسجد الضخمة للإهمال، ودمرت مخطوطات التعاليم الفاطمية التى كانت تُدرس فى الأزهر. ومع ذلك ظل الأزهر مكانا لتعليم بعض العلوم الأخرى طوال تلك الفترة، فبينما تم إيقاف فصول الدراسة الرسمية فى الجامع، إلا أنه استمرت الدروس الخاصة لتعليم اللغة العربية،  على الجانب الآخر شجع الأيوبيون تدريس الفقه السنى فى المدارس المعانة، التى بنيت فى جميع أنحاء القاهرة، وأنشئت المؤسسات التعليمية من قبل الحكام السنيين كوسيلة لمكافحة ما يعتبرونه هرطقة تعاليم «الشيعة»، وقد كانت هذه الكليات تتراوح فى حجمها وتركز على تعليم المذهب السنى، وكان لها منهج ثابت وموحد وقد بُنيت 26 مدرسة سنية فى مصر فقط خلال عهد صلاح الدين والحكام الأيوبيين الذين أتوا من بعده، منها المدرسة الصالحية.

 عصر الدولة المملوكية

اعتمد الأزهر فى نهاية المطاف الإصلاحات التعليمية التى فرضها صلاح الدين، وتحسنت حظوظه فى عهد المماليك، الذين أعادوا رواتب الطلاب ورواتب الشيوخ.

وأعيد إقامة الصلاة فى الأزهر أثناء حكم المماليك بأمر من السلطان بيبرس، ومع التوسع السريع فى القاهرة، والحاجة إلى دور المسجد، قام السلطان بيبرس بتجاهل تاريخ الأزهر كمؤسسة لنشر المذهب الشيعى الإسماعيلى، وأمر بعودة رواتب الطلاب والمعلمين، فضلا عن بداية العمل لإصلاح المسجد، الذى أهمل وقد ذكر تقى الدين المقريزى أنه تم  إصلاح الجدران والسقف، وتوفير الحصير الجديد. وألقيت الخطبة الأولى منذ عهد الخليفة الفاطمى الحاكم فى 16 يناير 1266، على منبر جديد انتهى تجهيزه قبل الخطبة بخمسة أيام.

فى عام 1302 حدثت أضرار كبيرة للأزهر وعدد من المساجد الأخرى فى جميع أنحاء مصر. بسبب وقوع زلزال وتم تقسيم مسئولية إعادة الإعمار بين أمراء السلطنة وكان المكلف بترميم الأزهر هو الأمير سالار، ليتولى بذلك أول أعمال إصلاح منذ عهد بيبرس، وبعد سبع سنوات تم بناء المدرسة الأقبغاوية على طول الجدار الذى يقع فى الشمال الغربى من المسجد، وتمت إزالة أجزاء من جدار المسجد لاستيعاب المبنى الجديد، وبدأت أشغال بناء مدرسة أخرى، سميت بالمدرسة الطيبرسية وبنى أيضا هيكل للمسجد، ونافورة للوضوء. وبنيت كل المدارس والمبانى المكملة للأزهر، بمداخل وقاعات صلاة منفصلة.

وعلى الرغم من أن المسجد قد استعاد مكانته فى عهد المماليك، وقام الظاهر برقوق، أول المماليك الشركس، بوضع المسجد تحت رعايته المباشرة، وخلال أواخر حكم المماليك أدخلت تحسينات وإضافات من قبل السلطانين قايتباى وقنصوة الغورى، فأشرف كل منهما على العديد من الإصلاحات وبناء المآذن. حيث كانت هناك ممارسة شائعة بين سلاطين المماليك لبناء المآذن، ويُنظر إليها على أنها رمز القوة والطريقة الأكثر فاعلية فى تدعيم صورة مدينة القاهرة، وتمنى كل سلطان أن تكون له لمسة مرموقة فى الأزهر.

وعلى الرغم من أن مسجد الأزهر كان جامعة رائدة فى العالم الإسلامى واستعاد الرعاية الملكية، إلا أنه لم يتفوق على المدارس الأخرى، كمكان مفضل للتعليم بين النخبة فى القاهرة. واستمرت سمعة الأزهر بوصفه مكانا مستقلا للتعليم، فى حين أن المدارس الدينية التى تم بناؤها خلال حكم صلاح الدين الأيوبى كانت مندمجة تماما فى النظام التعليمى للدولة. واستمر الأزهر فى جذب الطلاب من مناطق أخرى فى مصر والشرق الأوسط، وتجاوز أعداد الطلاب به أعداد الذين يحضرون المدارس الدينية الأخرى، وجرت دراسة فروع الشريعة الإسلامية بمتوسط مدة دراسة ست سنوات. فى القرن الرابع عشر حقق الأزهر مكانة بارزة باعتباره مركزا لدراسات الشريعة والفقه واللغة العربية، وأصبح قبلة الأنظار للطلاب من جميع أنحاء العالم الإسلامى. حتى بلغ عدد من درسوا به حوالى ثلث علماء المسلمين فى مصر.

 عصر الدولة العثمانية

خلال بداية عهد الخلافة العثمانية سنة 1517 أظهر الأتراك احتراما كبيرا للمسجد وكُليته، على الرغم من توقف الرعاية الملكية المباشرة له، فقد حضر السلطان سليم الأول بعد دخوله إلى مصر صلاة الجمعة فى الجامع الأزهر، وذلك خلال الأسبوع الأخير له فى مصر، كذلك كان يحضر الأمراء العثمانيون بانتظام لصلاة الجمعة فى الأزهر، وقد وفر العثمانيون رواتب للطلاب والمعلمين لكن نادرا ما يتم القيام بأى تطويرات أو توسيعات بالمسجد خلال العهد العثمانى، على عكس عهد المماليك التى أُجريت فيه الكثير من التوسعات والإضافات.

وقد عانى المماليك من خسائر – اقتصادية وعسكرية على حد سواء– فى أعقاب انتصار العثمانيين، مما انعكس فى عدم وجود المساعدات المالية المقدمة إلى الأزهر فى أول مئة عام من الحكم العثمانى. حتى استطاع نخبة من المماليك استعادة الكثير من نفوذهم، وقاموا بتجديدات عديدة فى جميع أنحاء القاهرة والأزهر.

وقد قام القازدوغلى بك المملوكى بالعديد من الإضافات والتجديدات. وتحت إدارته أُضِيف رواق للطلاب المكفوفين  وقام أيضا بإعادة بناء أروقة تركية وسورية، وكلاهما قد بنيت فى الأصل فى عهد قايتباى.

ثم أجريت توسعات كبيرة على يد عبد الرحمن كتخدا، حيث كان (رئيسا للإنكشارية). 

وخلال العهد العثمانى استعاد الأزهر مركزه كأكبر مؤسسة تعليمية فى مصر، متجاوزا المدارس الدينية التى أسسها صلاح الدين الأيوبى، وتوسع الأزهر بشكل كبير بجهود المماليك. وأصبح الأزهر مرتبطا ارتباطا وثيقا بعلماء مصر، وقد كان للعلماء القدرة على التأثير على الحكومة بصفة رسمية، وتم تعيين عدة شيوخ فى المجالس الاستشارية التى تقدم التقارير إلى الباشا، وهذه الفترة شهدت إدراج دورات تعليمية أكثر لتُدرس فى الأزهر، مع العلم والمنطق ضُمت الفلسفة فى المناهج الدراسية. وخلال هذه الفترة، شهد الأزهر أول شيخ للأزهر ليس من المذهب المالكى وهو عبد الله الشبراوى شافعى المذهب، ولم يعد منصب شيخ الأزهر من المالكية عندما أصبح سليم البشرى شيخا للأزهر.

كما كان الأزهر أيضا بمثابة نقطة محورية للاحتجاجات ضد الولاة أثناء الحكم العثمانى لمصر، سواء كانت الاحتجاجات داخل أوساط العلماء أو داخل أوساط الطلبة أو من عامة الناس. وقد كانت الاحتجاجات الطلابية التى عقدت فى الأزهر شائعة بين عامة الناس، وأغلقت المحلات التجارية فى محيط المسجد تضامنا مع الطلاب، كما كان أيضا العلماء فى بعض الأحيان قادرين على تحدى الحكومة.

وفى الفتره  بين 1730–1731، قام آغاوات الدولة العثمانية بمضايقة السكان المقيمين بالقرب من الأزهر أثناء ملاحقة بعض الهاربين، وأغلقت البوابات فى الأزهر احتجاجا على ذلك، وأمر الحاكم العثمانى الآغاوات الامتناع عن الذهاب قرب الأزهر، خوفا من قيام انتفاضة كبرى، وقد حدث اضطراب آخر فى عام 1791 تسبب فيه مضايقات الوالى قرب مسجد الإمام الحسين، ثم ذهب إلى الأزهر لتبرير موقفه. وقد أقيل الوالى بعد ذلك من منصبه.

وفى الحلقة القادمة سنتحدث عن الأزهر فى فترة الحملة الفرنسية وعصر محمد على والاحتلال الإنجليزى وثورة يوليو وعبد الناصر والسادات ومبارك.

 	عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

الاستعانة بـ«الروبوت» فى العمليات الجراحية لأول مرة فى مصر

أعلنت وزارة الصحة المصرية مؤخرًا عن بدء تشغيل أول روبوت جراحى فى مستشفيات الوزارة بمعهد ناصر،

ضحايا الكلاب الضالة.. بين القتـل والإصابات الخطرة

من دفتر أحوال الشرطة وفقاً لتقارير الداخلية حوادث العقر منتشرة فى فى أكثر من محافظة

العنف ضد المرأة.. جرس إنـذار لمجتمع فى أزمة

عبير عاطف: يجب تبنى استراتيجية شاملة لتعزيز مهارات التفاهم والهدوء النفسى قبل الزواج إبراهيم عطية: الظروف الاقتصادية تؤدى إلى شجار...

رودينا تامر: أم كلثوم قدوتى الفنية

حصلت على المركز الأول فى الغناء على مستوى الجمهورية