استخدمتهما كشفرة لتحذير رجال المقاومة / «الترويدة» و«الجفرا».. من أغانى المرأة الفلسطينية فى مواجهة الاحتلال
من يملك الحكاية يملك التاريخ، كما قال الشاعر الكبير الراحل "محمود درويش"؛ وحكاية فلسطين باختصار هى تاريخ الأرض التى مازالوا يدافعون عن وجودهم فوق ترابها، خاصة المرأة الفلسطينية التى تعد خزينة للتراث وحارسة لبوابته، فهى التى تحفظه عن ظهر قلب فى صدرها- كما لو كان عقدا ثمينا- وتورثه لأبنائها.
مثل كل الشعوب التى تضرب بجذورها فى عمق التاريخ، تمتلك فلسطين تراثا من الغناء الشعبى الشفهى كسجل ودفتر لحضور الأجيال وتعاقبهم على أرضها، ولا يستطيع غاصب أو محتل إبدال هذا التراث أو طمسه، بل على العكس قد يتحول هذا الغناء الشعبى البسيط عن طريق الذائقة الشعبية إلى غناء يسجل جرائمه.
"التراويد" هو أحد أهم فنون الغناء الشعبى النسوى الفلسطينى، ومفرد الكلمة "ترويدة"، وهى نوع من الفنون الارتجالية التى تغنيها النساء للتسلية أثناء القيام بأعمال المنزل أو جلب الماء من النبع.
يا واردات النبع والمى سيالة
طل الحبيب من صفد والعين ميالة.
وقد اشتهرت من بين هذه التراويد "ترويدة شمالي" وتسمى "الملولالة" وهى ترويدة للوم من يتزوج من خارج القرية، وتقول:
يا ابن العم لا توخد غريبة / فرافرنا ولا قمح الصليبة
يابن العم يا سل الكنايس / بنات عمك أخدوهن عرايس
يا ابن العم يا كومة ترايب / بنات عمك أخدوهن غرايب.
والمقصود بـ "فرافرنا" سنابل القمح و"الصليبة" تعنى القمح الناضج، وهنا يظهر اللوم والعتاب على من يترك ابنة عمه تخرج من قريته للتزوج فى عائلة غريبة، وكان هذا العرف قبل نكبة 1948، لكن منذ بدأ الاحتلال البريطانى لفلسطين، بدأت الثورة الكبرى سنة 1936، وقطع الانتداب البريطانى كل أسباب التواصل بين الثوار، بين القرى ومحيطاتها، وعندها ابتكرت النساء فكرة تشفير "الترويدة" فاتفقن على قلب حروف الكلمة وإبقاء آخر الحروف سليما، أو عكس الكلمة كلها بدون الإبقاء على وسطها، مثل ما حدث فى ترويدة "يا طالعين الجبل"، وهى أنشودة تغنيها النساء للأسرى فى سجون الاحتلال، وفيها تسرد النساء واقعة تحرير الفدائيين من الأسر فى منتصف الثلاثينات من القرن الماضي، وتقول كلمات الأغنية:
يا طالعين عين الجبل/ يا موللا لو قدين النار
لا بدى ملبوس بين الل يمن يمن
عين الل الهنا يا روح
ما بدى منكم خلعة ولا لا لال لا بدى زنار
وفى هذه الأغنية أخبرت النساء رجال المقاومة أن الفدائيين آتون فى الليل لتحريرهم، وإشارة بدء تلك العملية عندما يرون النار موقدة.
كانت أغانى النساء الفلسطينيات الشعبية البسيطة قنبلة تهدد وجود الاحتلال، فضلا عن كونها وثائق تاريخية لملكية المكان والزمان، ففى سنة 2002 اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلى طالبتين فلسطينيتين فى الجامعة العبرية بالقدس لأنهما كانتا تغنيان تلك الأغانى الشعبية التقليدية القديمة.
يحاول الاحتلال الصهيونى محو هذا الإرث الفنى الثري، لذلك قامت قناة فلسطين بإذاعة برنامج يحمل اسم "ترويدة"، يتعرف من خلاله الجمهور العربى والعالمى على قالب "التراويد" وتاريخها الاجتماعى والإنسانى المقاوم للاحتلال.
"أنثى الغزال" أغنية تراثية تحكى قصة حب حقيقية بدأت أحداثها فى أواخر ثلاثينات القرن الماضى بإحدى قرى الجليل شمالى فلسطين، وبطل الأغنية هو الشاعر "أحمد عزيز الحسن"، أما البطلة فهى ابنة عمه التى كانت تذهب إلى عين الماء برفقة جيرانها وهى تحمل جرة فخار على رأسها..
جفرا يا ها الربع/ نزلت على العين
جرتها فضة ودهب/ وحملتها يا للزين .
جفرا يا ها الربع/ ريتك تقبرينى
وتدعسى عل قبرى/ يطلع بيرمية.
انتشرت الأغنية مثل باقى أغانى التراث التى حملها اللاجئون الفلسطينيون معهم إلى مخيمات الشتات، وتناقلوها جيلا وراء جيل، لكنها تحولت بعد النكبة إلى أغنية حماسية، مع المحافظة على اللحن القديم الخاص بها، ونسج على منوالها أناشيد وطنية عديدة..
جفرا ويا ها الربع/ ربع المراتين
شلال ينبع نبع / دم الفلسطينى
لما يغيب القمر/ تضوى شرايينى
وترخ رخ المطر/ ع دروب الحرية.
لقد فرقت النكبة بين الشاعر وحبيبته، فقد لجأ هو إلى مخيم "الراشدية" واستشهدت هى فى لبنان، ونصوص "الجفرا" التى تسرد قصة الحب وتبدأ بالغزل ضاعت ولم يبق منها غير القليل، لكن الذائقة الشعبية أخذت اللحن ونسجت من خيوطه أغانى وطنية وحماسية تناقلتها الأجيال فى شتات المخيمات، وكتب لتلك النصوص الصادقة الخلود، حيث تربع اسم "الجفرا" فى بداية كل قصيدة شعبية كأنها تميمة للبقاء والخلود...
جفرتنا يا ها الربع نزلت ع المدينة
صارت تغنى وتفول يحيا الفلسطينى
تحيا يا ابن لبنان يا دراعى اليمين
يا شريكى بدرب التحرير ضد الصهيونية.
أدرك الاحتلال الصهيونى منذ بدايته أن دور المرأة الفلسطينية فى المقاومة يتعاظم، فهى من تلد وتقدم الشهداء والفدائيين، ثم تزغرد فى وداعهم كأنها تزفهم إلى الجنة، وهى كذلك التى تغنى لأطفالها أغنيات تراثية تجعلهم عاشقين للحرية ومقبلين على الموت بسعادة فى سبيلها، لذلك وضع الاحتلال الصهيونى المرأة الفلسطينية هدفا يجب إسكاته، بالموت أو بالاعتقال، وذلك فى إطار منهجه لكسر العزيمة وإذلال الشعب الفلسطيني.
يامه فيه دقة ع بابنا / يامه هاى دقة أحبابنا
يامه هاى دقة قوية/ يامه عشاق الحرية.
وهذه أغنية أخرى انتشرت سنة 1936، وموضوعها قصة حقيقية لبطل فلسطينى اشتهر باسم بلال، وهذا البطل المغوار نفذ عملية فدائية ضد الاحتلال، لكن قبل مغادرته لقريته قرر أن يودع أمه، فذهب إليها ودق الباب، وعندما قالت: من؟ قال: بلال، ولم تصدقه الأم، وكان ذلك بسبب ما أشيع فى وقت سابق من انه استشهد وأن أهله أقاموا له العزاء، فاعتقدت الأم أن الاحتلال ينصب لها كمينا لكشف المتعاونين مع الفدائيين، فلم تفتح الباب، فذهب بلال إلى جارته وأخبرها بما حدث، فعادت معه إلى منزله، ودقا معا على الباب مرة أخرى، وشرحت الجارة للأم الموضوع وأكدت أنه ابنها بلال، ففتحت الأم بابها واحتضنته، ثم قالت له هاذين البيتين من الأغنية، وهما البيتان اللذان نسج عليهما شاعر فلسطين "أبو عرب" أغنيته التى بدأها بهذين البيتين غناها بنفسه.
والحكاية لم تنته طالما الأغانى ممكنة..
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أعلنت وزارة الصحة المصرية مؤخرًا عن بدء تشغيل أول روبوت جراحى فى مستشفيات الوزارة بمعهد ناصر،
من دفتر أحوال الشرطة وفقاً لتقارير الداخلية حوادث العقر منتشرة فى فى أكثر من محافظة
عبير عاطف: يجب تبنى استراتيجية شاملة لتعزيز مهارات التفاهم والهدوء النفسى قبل الزواج إبراهيم عطية: الظروف الاقتصادية تؤدى إلى شجار...
حصلت على المركز الأول فى الغناء على مستوى الجمهورية