«التكايا» المهجورة .. ملف خاص

ثلاث تكايا كانت مأوى للدراويش بمصر؛ الأولى تحولت إلى متحف الأديب العالمى "نجيب محفوظ"، والثانية تنتظر

 الانتهاء من أكبر مشروع للإحياء الحضارى للمولوية، أما الثالثة فقد نالت قبلة الحياة أخيرًا من "الصندوق العالمى للتراث والآثار" الذى لولا تدخله فى الوقت المناسب لكان خبرها مقصورا الآن على الكتب وحدها..

هذا هو حال أشهر تكايا العصر المملوكى والعثمانى بمصر، تكية "أبو الدهب" التى صارت متحفا لنجيب محفوظ، وتكية "المولوية" لدرويشها وفيلسوفها الأكبر "مولاى جلال الدين الرومى"، وأخيرا تكية "الكلشنى" التى تنتظر ابتعاثها من الموت على يد "الصندوق العالمى للتراث والآثار". "الإذاعة والتليفزيون" رأت أن الوقت صار مناسبا لزيارة هذه التكايا الثلاث، وزيارة أخرى غيرها، ورأت كذلك أنها فرصة مواتية للتحليق فى سماء الدراويش الصافية والواسعة جدا، فهيا بنا ندخل إلى رحاب التاريخ المملوكى والعثمانى من أوسع أبوابه. 

قال "على مبارك" فى كتابه "الخطط التوفيقية" إن 18 تكية فقط ما تبقى من التكايا فى مصر عام 1888، وذكر "المقريزى" أن أول من بنى "خانقاه" أو "تكية" فى مصر كان "صلاح الدين الأيوبى" سنة 659 هـ، ووقف على تلك التكية التى أطلق عليها "سعيد السعداء" وقفا من عدة أملاك يصرف من ريعها عليها، ورتب للصوفية كل يوم طعاما من اللحم والخبز، وبنى لهم حماما بجوارها، ثم لما مضى الأيوبيون حذا حذوهم السلاطين الجراكسة وبعض الأمراء من الدولة المملوكية، فصار فى مصر إلى أول القرن التاسع الهجرى 22 خانقاه.

المولوية

التكايا، كما جاء فى الخطط التوفيقية، جمع تكية، وهى التى كان يسكنها الدراويش من الأغراب غالبا، وهم ممن ليس لهم كسب، إنما لهم مرتبات شهرية وسنوية من ديوان الأوقاف العمومية أو من أوقاف خصوصية، لذلك سمى محل إقامتهم "تكية"، أى أهلها متكئون ومعتمدون فى أرزاقهم على مرتباتهم، ومن هذه التكايا  تكية "تقى الدين العجمى" بدرب اللبانة، وأنشأها الملك الناصر محمد بن قلاوون، وتكية "الحبانية" وتكية "حسن بن إلياس الرومى" بشارع المحجر، وتكية "الخلوتية" وغيرها الكثير من التكايا.

وفى القرن التاسع عشر كانت التكية العادية تستضيف ما بين أربعة إلى سبعة دراويش، أما التكايا الأكبر حجما فقد كان يقطنها قرابة الثلاثين درويشا أو أكثر، وهناك عدد قليل من التكايا كانت تحوى من خمسين إلى مئة درويش، وكان بعض الدراويش ينتقلون من تكية إلى أخرى مع تغير أحوال الطريقة تقدما أو تراجعا، لكن بمرور الزمن ولى زمن الدراويش تماما، ففى تركيا صدرت القرارات بإغلاق التكايا عام ١٩٢٥م، وفى مصر لم يعد للتكايا وجود بعد قرار إغلاقها بعد قيام ثورة 23 يوليو ١٩٥٢م، حيث اندثر معظمها وتهدم، بينما بقى بعضها شاهدا على زمن "الدروشة".

كانت التكية "المولوية" فى الأصل مدرسة أنشأها الأمير شمس الدين سنقر السعدى عام ٧٢١هـ /١٣٢١م، لكنها عرفت فيما بعد بقبة "حسن صدقة الشراشيبى" عام ٧٤٥هـ/١٣٤٤م.

لا أحد من المارة فى المنطقة عرف مكان تكية "المولوية"، لكنى وجدت عند مسجد الرفاعى زوجين مسنين وصفا لى مكانها بالضبط، الزوج عرفنى بنفسه: شريف صالح عبد الحميد، وهو اسم مركب، ثم وجد أن الفرصة مناسبة ليتذكر أنه زار هذه التكية منذ عشر سنوات تقريبا، وقال إن تصميمها جميل، لكن للأسف تعانى من الإهمال، فلم يتم الترويج لها على الرغم من أنها مكان جاذب للزوار، ثم قالت الزوجة: أعرف أن الدراويش الذيم كانوا فيها من الأتراك، وأضافت ما تعرفه من معلومات عن "رقصة المولوية" التى يقوم بها الدراويش قائلة: إن تلك الرقصة لها علاقة وثيقة بالصوفية، ففيها روحانيات عالية، وكل دورة يدور فيها الدرويش يشعر كأنه يصعد عند ربنا".

اتجهت إلى شارع "المظفر" المؤدى إلى التكية، مستوى الأرض ارتفع قليلا وكأنها تؤهلك للدخول فى عالم الدراويش؛ باب التكية الخشبى  الذى تعلوه لافتة تحمل اسم "المركز الإيطالى المصرى للترميم والآثار" ذكرتنى بأول مرة زرت فيها التكية، منذ خمسة عشر عاما، ويومها قابلت "عم صلاح" حارس التكية الذى ما إن تحدثت إليه حتى أدركت أنى أمام  درويش مخضرم، واليوم سألت عنه لكنى لم أجد إجابة، فتجولت داخل التكية يرافقنى صوته الزاهد.

البداية من الحديقة التى ما أن تنظر لها حتى يخيل إليك أنها صورة من كتاب ألف ليلة وليلة، فعلى جانبيها مجموعة متنوعة من الأشجار والورود، وصوت العصافير كان يملأ المكان كأنها تعزف سيمفونية جميلة ولا تتوقف عن الغناء، وقبل صعودى إلى الأعلى وجدت مجموعة من الغرف تتقدمها أشجار من النخيل، وتتوسط المكان نافورة، تذكرت صوت "عم صلاح" وهو يقول هذا الجزء من التكية يضم 19 غرفة كان يعيش فيها الدراويش حياتهم، وفى أحد الجوانب بقايا ساقية كانوا يستخدمونها للشرب.

الغرف 19 على عدد حروف البسملة "بسم الله الرحمن الرحيم"، وتقع بجوار "السمع خانة" أو "مسرح الدراويش" الذى يتبع قطاع المسرح بوزارة الثقافة، وعلى جدار المسرح من الداخل كتبت الكلمتين "يا حضرت مولانا" فزينت  القبة بشكل متقن.

لم يكن غير الكلمات معى فى جولتى، و "عم صلاح" حارس التكية القديم الذى تبدى لى كأنه قادم من التاريخ، سمعته يقول إن القبة صممت على شكل سماء وأشعة للشمس، وحولها تنتشر العصافير، والدراويش يسمون العصافير نجوم الروح لأن الروح عندما تخرج فإنها ترفرف فى السماء مثل العصفور، أما الشبابيك الثمانية على جوانب السقف يسمونها أبواب الجنة، والرسم الموجود بين الشبابيك يكون عليه ريحان وصبار وطاغور والأخير نبات تركى، وكل هذه النباتات تزرع عند القبور.

للمسرح أسرار، فأعمدته 12 تشير لأئمة الشيعة الاثنى عشر، فأعلى كل عمود مكتوب اسم إمام منهم، وفى الأعلى يوجد مكان تجلس فيه النساء  لمشاهدة حلقات الذكر، وبنى مسرح الدراويش أو "السمع خانة" عام ١٢٥٥هجرية /١٨١٠م.

أما "خلاوى الدراويش" فعددها أيضا مثل عدد أعمدة المسرح، لكنها ضيقة جدا ومناسبة ليتعبد فيها الدراويش، فهى عبارة عن غرف صغير جدا ذات مساحات متساوية وأمامها فسقية كان يستخدمها الدراويش فى الشرب والوضوء ويعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر الميلادى، والفسقية الواقعة أسفل قبة المسرح تشير إلى الماء الذى يقع أسفل السماء، فكل شىء فى التكية مصمم وفق خطة ونظام وأصول، وفى أحد الغرف فاترينة بها زى درويش وصورة لـ "جلال الدين الرومى" وضريح مدفون به "حسن صدقة" وصورة لدرويش آخر فى زيه المميز.

تكية 11

 عندما خرجت من التكية فى اتجاه مسجد الرفاعى، سرت بضع خطوات فى ذلك الشارع الذى بدا وكأنه يتبع فلسفة الدراويش فى الصعود والمجاهدة للخروج، فمستوى الشارع منخفض ثم يأخذ فى الارتفاع تدريجيا.

 الدكتور "ماهر الخولى" كبير الباحثين بالمجلس الأعلى للآثار لديه مشروع للإحياء الحضارى للمولوية، والمولوية كانت موضوع رسالته للدكتوراه، قال الخولى: "إن أصل التكية هى الخانقاوات التى انتشرت فى العصر المملوكى، وفيها ينقطع المتصوفة للعبادة، وتجرى عليهم الأحياء والأوقاف والتى كانت تسمى أرزاق رجال الله، وأول خانقاه عرفت بمصر هى خانقاه سعيد السعداء التى أنشأها صلاح الدين الأيوبى الذى كان يقدر المتصوفة ويرى فيهم عباد الله الصالحين، لكن هجرت "سعيد السعداء" بعدما تركت أثرا حضاريا بالغا فى العصر المملوكى، خاصة فى زمن المماليك البرجية، وساعد على انتشار الخانقاوات أن كبار القوم والأمراء والميسورين كانوا يعدون بناء الخانقاه من أعظم الأعمال تقربا لله".

وقال الخولى إن الخانقاوات هى نفسها التى أطلق عليها التكايا فى العصر العثمانى بمصر والشام، ولفظة تكية نفسها مختلف على أصلها، حيث قيل إنها من الفعل اتكأ العربى بمعنى استند واستراح، وقيل كذلك إن أصلها فارسى من معنى كلمة جلد، حيث كان فراش المتصوفة لا يعدو كونه جلد خروف خشن إمعانا فى الزهد، وأكد الخولى: "لكنى أرجح الاشتقاق اللغوى العربى لسيطرة الثقافة العربية على كلتا الثقافتين التركية والفارسية آنذاك" وأشار إلى أن الخانقاوات انتشرت فى العصر المملوكى، خاصة فى النصف الثانى منه، عصر السلاطين الجراكسة، وهو ما ألقى بطابعه على العصر العثمانى، حيث انتشرت التكايا، خاصة بمدينة القاهرة، ومن أشهر نماذجها تكية المولوية الكائنة بشارع السيوفية جنوب قلعة صلاح الدين الأيوبى بميدان الرميلة.

وقال الخولى إن تكية المولوية اكتسبت اسمها من دراويش أتباع ومريدى مولانا "جلال الدين الرومى" المولود فى مدينة بلخ فى أفغانستان فى السادس من ربيع أول سنة 604 هجرية / سبتمبر 1207م، وكان أبوه بهاء الدين يكنى بسلطان العلماء، وهاجر بهاء إلى الأناضول بسبب التقلبات السياسية فى شرق العالم الإسلامى، وكان ذلك سنة  606 هجرية، وهكذا نشأ الرومى فى الأناضول وظل بها حتى مات بمدينة قونية سنة 1273 م، بعدما وضع بها أساس طريقته الصوفية التى أكمل دستورها من بعده ابنه سلطان ولد، وقد سلك الرومى مسلك العلوم الشرعية حتى التقى مصادفة مع القطب الصوفى الجوال شمس الدين التبريزى وذلك سنة 1242 م ودار بينهما حوار أشعل شرارة الوجد الصوفى فى قلب مولانا.

اعتمد مولانا الرومى على أشعار الحكمة والفلسفة فى موسوعة شعرية بلغت أبياتها 26600 بيت، وهو ما يعده مؤرخو الفنون تحفة فنية وأدبية وفلسفية يصعب على الفكر الإنسانى إنتاجها مرتين؛ اسم هذه الموسوعة  الشعرية "المثنوى" وهى تمثل ذلك المعين الذى لا ينضب من الفن والفكر والحكمة، حتى أن الشاعر الإنجليزى الأشهر شكسبير اعتمد فى الكثير من الأحيان على نقل صور المثنوى الشعرية إلى مسرحياته، وكان يجاهر باحترامه الكبير لمولانا الرومى وتأثره به، حتى أنه نقل تصميم مسرح جلوب اللندنى عن مسرح الدراويش المولوية بمدينتى قونية والقاهرة، وكان قد انتشر تأثير المولوية شرقا وغربا، حتى أن دراويشهم نشروا الإسلام فى شرق أوروبا بجولاتهم فى مدن وقرى هذا الإقليم الجغرافى الكبير الذى كان يموج بكل الديانات عدا الإسلام حتى ظهرت المولوية لتقلب تلك الموازين لصالح التواجد الإسلامى، وشاع بناء تكايا المولوية خاصة فى تركيا وبلاد الشام، وشاعت طريقة الرقص الصوفى على أنغام الناى وأشعار المثنوى وبطقوس الطريقة التى أنشأها مولانا جلال الرومى، وبلغت المولوية حد التقديس فى العصر العثمانى، حتى أن أعتى السياسيين والأمراء والسلاطين لا يجدون مناصا عن تبجيل واحترام شيوخ المولوية، بل إن السلطان العثمانى ذاته لاتكتمل طقوس توليه الحكم إلا إذا تقلد سيفا من شيخ مولوى.

تكية 22

يذكر أن تكية مولوية القاهرة قد تم إنشاؤها على أنقاض مدرسة الأمير سنقر السعدى وزير داخلية السلطان "الناصر محمد بن قلاوون"، وقد استخدمت قبتها لدفن عدد من شيوخ المولوية أشهرهم الشيخ "حسن صدقه" الذى اكتسبت المجموعة المعمارية اسمها منه اسمه.

الكُلشنى

على بعد خطوات قليلة من باب زويلة الذى يفتح أبوابه على عالم ساحر ينتمى لأزمنة بعيدة، تقع تكية "الكلشنى" بمنطقة تحت الربع، تحديدا فى عطفة الكلشنى التى تمتلئ بالعديد من الورش والمحلات، ومنها محلات صناعة الفوانيس والشماسى وصناعة القباقيب وورش تقطيع الأخشاب.

تكية "الكلشنى" ظلت تتدهور يوما بعد يوم طيلة 10 سنوات تقريبا، فعند حلول شهر رمضان من كل عام عليك أن تبحث عنها خلف مجموعات الفوانيس المتراصة التى تتوارى خلفها باكية على ما آل إليه وضعها، وإذا زرت المنطقة ستسمع تحذيرات من أهالى المنطقة بعدم الوقوف عند مدخلها الخشبى، لأن التكية معرضة للانهيار فى أية لحظة، يمر العام بعد الآخر والتكية تتلاشى تقريبا وتنحسر أكثر فأكثر حتى قاربت على الاختفاء، لكن الأمل جاء عن طريق منحة من "الصندوق العالمى للتراث والآثار" الذى يقوم حاليا بترميم التكية، وهذه الخطوة جاءت متأخرة، إلا أنها جاءت أخيرا قبل أن يسقط ما تبقى من التكية وتصبح أرضا فضاء ويضيع أى أثر لها إلا فى كتب التاريخ.

صوت طرقات الشاكوش كانت تقطع الصمت المخيم على المكان، وكان الصوت قادما من ورشة صغيرة على الجانب المقابل للتكية، وفى الغرفة يجلس الحاج "نور" الذى يعكف على صناعة بعض القباقيب، لقد ورث تلك المهنة عن والده دون أن يتسلل اليأس إليه فى صناعة تواجه شبح الانقراض تماما كحال التكية، تحدث الحاج نور وهو يمسك الشاكوش ويطرق على القبقاب بكل ثقة، كأنه يرسل بطرقاته رسالة مفادها أن المهنة لازالت باقية حتى ولو كانت تعانى، قال: "أنا من مواليد منطقة تكية الكلشنى، تحديدا فى البيت المقابل لها، ولازلت أذكر أنه فى  كل يوم أربعاء كان يقام فيها حضرة أو حلقة ذكر مثل أى تكية كانت موجودة، وكان يقف باعة الترمس والقلل والأراجوز، وكان ذلك اليوم يشبه المولد، حيث يأتى الناس لطلب  البركة من الشيخ "الكلشنى" صاحب التكية المدفون بها وله فيها مقام، أما الآن فيتم ترميمها وتجديدها لتفتح أبوابها من جديد".

 التكية من الداخل بدت بلا ملامح، فلم يبقَ منها سوى مدخلها وجدار، ويقال إن مكان هذا الجدار كان  مطبخا للدراويش، ووراءه أرض فضاء تنيرها الشمس من كل الجوانب، وهناك العديد من الحكايات التى  سمعتها من أكثر من شخص من سكان المنطقة ممن يجاورون التكية، ومنها عن رجل اسمه "عم أحمد" كان حارسا للتكية، لكنه كان وليا من أولياء الله الصالحين وله كرامات كالدراويش، على سبيل المثال قيل إن "صينية الشاى" كانت تأتى لضيوفه وحدها، كما كان الناس يحضرون له أطفالهم ليرقيهم، وقيل إنه بعدما توفى ساء حال التكية.

يعود تاريخ بناء التكية إلى عصر السلطان العثمانى، وبالتحديد عهد السلطان "سليمان القانونى".. هكذا أكد الدكتور "محمد حمزة إسماعيل الحداد" أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة، وأضاف: "لقد تم بناؤها فى الفترة من 926 هـ إلى  929 هــ ، لكن لم يتبق منها سوى قبة الدفن والمسجد الموجود على يسار الداخل، وهذا المسجد أصبح حجرة نوم للحارس".

وقال الحداد: "إن تكية الكلشنى تعد من أساليب العمارة التى ظهرت فى العصر العثمانى، مثل سبيل ششمة الواقع فى نفس المكان" وأضاف "الحداد": "قبة التكية ملساء وبها بلاطات خزفية، وتتوسط القبة فناء التكية الذى يوجد به بعض الحجرات على اليسار وهى مكسوة بالبلاطات، أما الشيخ الكلشنى وطائفته التى عرفت باسمه فقد جاءوا أيام قايتباى وسكنوا فى هذه المنطقة".

ذكر "على مبارك" فى كتاب "الخطط التوفيقية" أن لفظ "الكلشنى" فارسى مركب من كلمتين "كل" وتعنى "ورد" و"شنى" وتعنى "نضر" أى "الورد النضر"، وقد سمى هذا الشيخ بذلك الاسم لتشرب وجهه ووجنتيه بحمرة الورد.

وقال "الحداد" إن التكية تضم حجرات للخلوى، وأقيم بها مكان للصلاة وقبة مغطاة بالقيشانى المزخرف ذى الألوان الزاهية، كما أنها تعد نموذجا فريدا فى مصر الإسلامية، حيث تتكون من واجهة رئيسية أسفلها عدد من المحلات وبها صحن مكشوف يسمى "فسحة" يتوسطها أربعة شبابيك مطلة على الطريق وقاعة سكنية أعلى المسجد خصصت لسكن حفيد الكلشنى ثم أولاده وذريته، أما حجرات الخلوى فتحيط بالصحن من ثلاث واجهات، وبالتكية "نعل" أطلق عليه نعل الكلشنى نسبة إلى صاحب التكية، ويقال إن هذا النعل القديم إذا شرب منه الماء ينفع فى علاج من يقع فى الحب والعشق، كما ذكرت الروايات أنه كان بالتكية ثلاث شعرات من شعر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان لون الشعرات كستنائيا فاتحا ويتراوح طولها بين 8 و10 سم، وتوجد هذه الشعرات حاليا فى مسجد الحسين.

أبو الدهب

تقع تكية أبو الدهب بجوار الجامع الأزهر، وهى ضمن مجموعة "محمد بك أبو الدهب" التى تضم مسجدا ومدرسة وتكية وسبيلا، وبقرار من وزير الثقافة حمل رقم ٨٠٤ لسنة ٢٠٠٦م تحولت هذه التكية إلى متحف للأديب الراحل نجيب محفوظ، أنشأ المجموعة "محمد بك أبو الدهب" معاون "على بك الكبير" سنة ١١٨٧هـ/١٧٧٣م، وتم الانتهاء من بنائها  سنة ١١٨٨هـ /١٧٧٤م، وتقع على جزء كبير من أرض خان الزراكشة. وتم منها  1188هـ/1774م،

لم تجد وزارة الثقافة مكانا أنسب لوضع مقتنيات الأديب العالمى نجيب محفوظ سوى وسط العالم الروائى الذى ظل يكتب عنه ويأنس بأهله فى الأزهر والحسين، حيث يقع متحفه بين الحرافيش الذين كتب عنهم  فى روايته "الحرافيش" وسجل جانبا من هذا العالم، ومن ضمنه طبعا "عاشور الناجى" بطل الرواية الذى كان يسكن عند سور التكية ويسهر ليله فى الساحة أمامها يطرب للألحان، ثم يبسط راحتيه داعيا: "اللهم صن لى قوتى وزدنى منها، لأجعلها فى خدمة عبادك الطيبين".

بدا نجيب محفوظ كواحد من الأولياء الذين تضم تكاياهم وأضرحتهم المنطقة، وذلك بعدما اختارت وزارة الثقافة تكية "أبو الدهب" كمتحف له، خاصة مع حالة الهدوء الذى يخيم على المكان المميز بلونه البديع الذى تضفى أشعة الشمس بريقا عليه، فأشعة الشمس تنفذ من كل جنباته وتلقى ظلا متناسقا بشكل هندسى متقن وكأنك فى لوحة فنية رائعة، لكن لا وجود لأى أثر للدراويش سوى فى حجراتهم أو الخلاوى الخاصة بهم وحلقة الذكر، ومنذ أعوام تم تصوير بعض مشاهد مسلسل "ونوس" ليحيى الفخرانى داخل هذه التكية.

تقى الدين البسطامى

خمس سنوات مضت منذ ترميم تكية البسطامى  ضمن مشروع تطوير درب اللبانه تكية "تقى الدين البسطامى" تقع بحارة درب اللبانة بالقلعة، وتحمل رقم 326 كأثر، ومنشئ هذه التكية أو الزاوية هو السلطان المملوكى "المنصور حسام الدين لاجين" فى شهر صفر عام 697هـ، وذلك ليسكن فيها الولى الصالح الشيخ "تقى الدين رجب بن اشترك التركمانى العجمى" الذى كان السلطان له فيه اعتقاد كبير، فقد كان الشيخ ذا حرمة ووجاهة عند أهل الدولة، وكان له أتباع ومريدون، وعن صاحب هذه الزاوية يذكر "ابن حجر العسقلانى" فى كتابه "الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة" إن الشيخ "تقى الدين رجب بن اشترك التركمانى" هو شيخ الزاوية التى تقع بالرميلة – ميدان صلاح الدين حاليا- تحت القلعة، كان شيخا مسنا قدم القاهرة واتخذ الزاوية المذكورة وصارت مأوى للفقراء الواردين من العجم، وقال إن له مهابة ووجاهة، وبقى على وجاهته إلى أن أسن وشاخ وجاوز الثمانين، وولد الشيخ تقى الدين سنة 633هـ ومات يوم السبت ثامن شهر رجب سنة 714هـ، وحظيت تكيته برعاية وعناية سلاطين البلاد، ففى عام 726 هـ قام السلطان "الناصر محمد بن قلاوون" بتوسيع مصلى الزاوية لاستيعاب الأعداد المتزايدة من روادها، وفى عام 847 هـ قام السلطان "الظاهر جقمق" بتجديد الزاوية وقد حفظ لنا الزمان من هذه العمارة المدخل المرتفع، ويصعد إليه بدرج، كما حفظ بابها الخشبى الحالى، وجميع ذلك يرجع لعمارة الظاهر جقمق.

وذكر الرحالة التركى "أوليا جلبى" بعضا من أجواء الحياة داخل هذه التكية، وكان قد زار مصر عام 1092هـ، وكتب عن زيارته قائلا: "كان للتكية صحن يحيط بجوانبه الأربعة حجر متعددة الطبقات لسكنى الفقراء، ويقضى كل واحد منهم وقته منزويا فى العبادة والخلوة، وإذا توفى صاحب الحجرة تباع مخلفاته وتشترى بثمنها أجزاء القرآن الكريم كوقف ليتلو منها الفقراء ويهدوا ثوابها إلى روحه ويذكروا اسمه بخير، ومن هؤلاء الفقراء المعتكفين بزاوية "تقى الدين البسطامى عمر بن محمد نجم الدين النعمانى قاضى دمشق ومحتسبها" الذى قدم إلى القاهرة سنة 850 هـ وبيده حسبة دمشق ووكالة بيت المال فنزل فى زاوية، وعندما مات فى رابع صفر من ذات العام أسف السلطان عليه وأمر بالصلاة عليه فى مصلى المؤمنى، وهو مصلى خاص بالصلاة على الأموات بشارع السيدة عائشة حاليا، ونزل السلطان وصلى عليه ودفن بتربة التقى المذكور من القرافة الصغرى عفا الله عنه، وقد عرفت هذه التكية بتكية العجمى لأنها خاصة بفقراء الأعجام، خاصة الإيرانيين، وعرفت بتكية "تقى الدين البسطامى" نسبة إلى الشيخ "محمد البسطامى" أحد مشايخها السابقين.

تعد بوابة تكية "تقى الدين البسطامى" تحفة فنية رائعة بلغت من الكمال فى الذوق الجميل والحس المرهف العالى للفنان المسلم حدا جعلها تحظى بقدر كبير من صور المصورين والرسامين على مر العصور، وقد وقف جميعهم أمامها منبهرين لتكون بحق شهادة للفنان المسلم البارع ولذوق فنى جميل نفتقده اليوم.

المؤرخ وخبير الآثار دكتور "أبو العلا خليل" قال إن التكايا ودراويشها انتشرت فى العصر العثمانى، لكن أسىء فهم الدراويش باعتبارهم المجاذيب، لكنهم كانوا يحظون باهتمام ولهم كلمة على السلطان، ومنهم "أحمد البهلول" وهو من طائفة البهاليل وله مقام عند دار المحفوظات بسكة المحجر، وقال خليل: "لقد روى لى حفيد هذا الدرويش "أحمد بهلول" حكاية عن جده قائلا إنه فى أحد الأيام كان الخديو عباس حلمى الثانى يمر من أمامه، فقال له الرجل يا مولانا نور زاوية  الشيخ، وبالفعل كان أول عداد كهرباء يدخل مصر فى مقام سيدى أحمد البهلول، ومن المعروف أن الخديو عباس كان يحب المجاذيب وله اعتقاد فيهم، وكان الناس يطلقون عليه الحاج عباس حلمى".

فتحت هذه الحكاية شهية المؤرخ "أبو العلا خليل" للحكى، فقال: "ولدىّ حكاية أخرى تعود عندما كنت طالبا فى كلية اللغات والترجمة قسم اللغة الإسبانية بجامعة الأزهر، فقد كان هناك رجل اسمه عم حمدى يجلس باستمرار فى مسجد الحسين بجانب المقصورة لا يغادرها أبدا، وكان يردد جملة (اسعى وصلى على النبى)، وكنا نذهب إليه كى يدعو لنا قبل أن نذهب للكلية، فقد كنا نتفاءل به وننجح بتقدير جيد جدا، وقبل أحد الامتحانات قررت الذهاب إلى عم حمدى مع صديق لى ليدعو لنا، وكان صديقى مترددا لأن الامتحان كان فى القرآن الكريم، وعلى حد قوله لا داعى لنذهب للولى، ولم نذهب بالفعل لكننا رسبنا فى هذه المادة، وكان امتحانها فى اليوم الذى لم نذهب فيه إلى عم حمدى، وما أذكره أن هذا الرجل الولى كان يخرج من جيبه شوكولاتة ويقول: (أنتم تعطوننى من الجيب وأنا آتيكم من الغيب)".

اختتم خليل حكاياته عن الأولياء والدراويش قائلا: "من الخطأ أن نحكم بمقاييس زماننا على الدراويش، ففى الماضى كانت البركة أكثر والناس بسيطة ولديهم فطرة وشفافية".

الرفاعية

توجد هذه التكية فى بولاق على كورنيش النيل، وهى عبارة عن مبنى من دور واحد يضم فناء أو صحنا كبيرا ومجموعة من الخلاوى أو غرف الدراويش، أنشأ التكية الرفاعية محمد أغا كتخدا عام ١١٨٨ه‍ /١٧٧٤م، لكنها نقلت من قبل لجنة حفظ الآثار العربية إلى مكانها الحالى بجوار جامع سنان باشا، ومدفون بالتكية الشيخ مصطفى البولاقى، وسيدى على المغربى الذى يعتقد بعض الناس فى كراماته، ولم يعد هناك أى أثر للدراويش حاليا، بل لم يبق من التكية غير اسمها فقط، فقد شهدت خلال تاريخها العديد من الأحداث، وأبرزها حين تم إخلاؤها من قبل الآثار بعد زلزال سنة ١٩٩٢م، كما تحولت إلى مكاتب للموظفين التابعين للآثار، ويحيط بالتكية العديد من الورش ومحلات بيع الملابس التى طغت أصواتها على المشهد داخل التكية، لكن حالتها لاتزال جيدة.

 	إيناس مرشد

إيناس مرشد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

الاستعانة بـ«الروبوت» فى العمليات الجراحية لأول مرة فى مصر

أعلنت وزارة الصحة المصرية مؤخرًا عن بدء تشغيل أول روبوت جراحى فى مستشفيات الوزارة بمعهد ناصر،

ضحايا الكلاب الضالة.. بين القتـل والإصابات الخطرة

من دفتر أحوال الشرطة وفقاً لتقارير الداخلية حوادث العقر منتشرة فى فى أكثر من محافظة

العنف ضد المرأة.. جرس إنـذار لمجتمع فى أزمة

عبير عاطف: يجب تبنى استراتيجية شاملة لتعزيز مهارات التفاهم والهدوء النفسى قبل الزواج إبراهيم عطية: الظروف الاقتصادية تؤدى إلى شجار...

رودينا تامر: أم كلثوم قدوتى الفنية

حصلت على المركز الأول فى الغناء على مستوى الجمهورية