«شارع السيوفية».. تاريخ القـاهرة فى ألف عام

"للعمارة لغة وللحجر حكايات؛ فالحجر وحده هو الذى ينطق فى الآثار الفنية، وكل أثر ماثل يكلم من يحسن السماع".. هكذا قال المؤرخ وعالم

 الاجتماع الفرنسى "جوستاف لوبون"  فى كتابه "حضارة العرب"، وربما تتجلى تلك الكلمات أكثر ما تتجلى فى القاهرة الإسلامية، فعبر شوارعها وعلى عمائرها ومعالمها تاريخ أهل مصر وحكامها، حيث ذهب أصحاب المنازل والقصور وزائرى المساجد والقبور، وبقيت البنايات لتحكى عنهم القصص والعبر، وخير ما بقى فى قلب القاهرة الفاطمية شارع المعز لدين الله الفاطمى الذى اعتمد عليه جوهر الصقلى فى تخطيط مدينة القاهرة، فقد كان شارعا رئيسيا فيها يمتد من باب الفتوح شمالا حتى باب زويلة جنوبا متوسطا جبل المقطم شرقا والخليج المصرى غربا، ولم يكن غريبا أن يلخص هذا الشارع قصة القاهرة بأكملها منذ إنشائها حتى الآن.

تتفرع من شارع المعز مجموعة من الشوارع الصغيرة التى تستقى أهميتها وأصالتها من أصالة مدينة القاهرة وتاريخها المسطور على العمائر والمنشآت على مر العصور الإسلامية المتلاحقة، مثل شارع السيوفية الذى كان معقلاً لصناعة السيوف فى القاهرة خلال العصر المملوكى، ويزخر الشارع بالعديد من الآثار الإسلامية المملوكية والعثمانية؛ يبدأ هذا الشارع من تقاطع شارع محمد على وينتهى عند تقاطعه مع شارع الصليبة، وقد كان جزءا من مدينة القطائع فى العصر الطولونى، ثم شهد عمرانا ملموسا بالعصر الفاطمى، واستمر هذا العمران فى الازدياد خلال العصر الأيوبى؛ فكانت تلك المنطقة عبارة عن بساتين تحيط ببركة الفيل.

أما قلعة الجبل والسور الذى يحيط بالقاهرة فى العصر الأيوبى، فقد كان له عظيم الأثر فى امتداد العمران بتلك المنطقة؛ وهكذا ابتدأ أمر شارع السيوفية كمنطقة سكنية جديدة ازدهرت كحى أرستقراطى يضم أفراد الطبقة الحاكمة وصفوة المماليك، وكانت كذلك موضعا لسكن بكوات العصر العثمانى.

يمتاز شارع السيوفية بتنوع زاخر فى أنماط العمائر الإسلامية التى تشغله، على الرغم أن طوله لا يزيد عن كيلو متر على أكثر تقدير، فيحفل بوجود منشآت دينية كمسجد ألماس الحاجب وخانقاه أيديكن البندقدارى ومنشآت خدمية كالأسبلة والكتاتيب التى تعود لعصور مختلفة.

 "قصر قوصون "

"قصر قوصون آق البردى (القرن 14-16م) يقع بجوار مدرسة سنقر السعدى، وقصون هذا كان نديماً للسلطان الناصر محمد بن قلاوون، وكان قصره أفخم منشآت القاهرة المملوكية، وقد أنشأه الأمير قوصون الساقى سنة 738 هـ / 1338م وسكن فيه مدة حياته، ويعرفه عامة الناس حاليا باسم حوش بردق، وكانت ملكية القصر قد آلت للأمير يشبك من مهدى بعد رحيل قوصون، ويشبك هو أحد أمراء السلطان قايتباى، ثم آلت كل منطقة القصر، بالإضافة إلى مجموعة سنقر السعدى بعد ذلك إلى الدراويش المولوية فى القرن 17م.

 مسجد الأمير ألماس الحاجب

أنشأه الأمير سيف الدين ألماس الحاجب عام 730هـ/ 1330 م، أحد أمراء الناصر محمد بن قلاوون، ويحمل رقم أثر 130. يقع المسجد بشارع السيوفية ناحية القلعة، ويطل بواجهتين على شارع السيوفية بالحلمية؛ حداهما بحرية تسودها البساطة وبها الباب الجانبى، والأخرى غربية وهى الواجهة الرئيسية. وتتألف عمارة المسجد الداخلية من صحن مكشوف تحيط به أربعة أروقة أكبرها رواق القبلة، والأروقة محمولة على أعمدة رخامية منقولة من عمائر قديمة. ويتوسط جدار القبلة محراب مغطى بالرخام الملون، وتشغل القبة الركن الغربى البحرى من الجامع. وفى نهاية رواق القبلة توجد دكة المبلغ، وهى من الرخام ومحمولة على أعمدة رخامية، وهى أول ظهور لهذا النوع من دكك المبلغ الرخامية التى شاعت فى العصر المملوكى.

 "قصر الأمير طاز"

لا تزال بعض القصور المملوكية تحتفظ بجانب من عمارتها الباقية؛ مثل قصر الأمير طاز الذى أنشأه الأمير سيف الدين طاز بن قطغاج عام 753هـ/1352م، وهو أحد أكابر الأمراء فى عهد السلطان الناصر حسن، ويعود لعهد دولة المماليك البحرية، ومسجل برقم أثر 267، وصار هذا القصر بعد وفاة منشئه سكنا لغيره حتى تخرب، كما استخدم كمخزن للعتاد الحربى فى زمن محمد على باشا، ثم استعمل القصر كمدرسة للبنات (مدرسة الحلمية الثانوية) بنات بأمر من الخديو إسماعيل باشا فى عام (1308هـ/ 1871م) إلى أن هجر تماما وصار تابعا لوزارة الأوقاف، ثم تحول لمخازن تابعة لوزارة التربية والتعليم، ونظرا للتدهور الشديد الذى عانى منه القصر، وبخاصة تأثره بزلزال أكتوبر 1992م، قامت وزارة الآثار بترميمه وإعادة افتتاحه بشكل لائق، وأعادت الوزارة تهيئته ليصبح حاليا "مركز الإبداع الفنى" ويقام به فعاليات فنية وثقافية مختلفة ومعرض "روائع المماليك" الذى يعرض جانبا من تراث حكام وأمراء دولة المماليك فى مصر.

 "مدرسة سنقر السعدى والتكية المولوية"

تتعدد مسميات هذه المجموعة المعمارية الرائعة؛ فيطلق عليها "السمع خانة" أو "تكية الدراويش" أو "التكية المولوية" أو "مدرسة سنقر السعدى" أو "قبة حسن صدقة" وتحمل المدرسة رقم أثر مسجل 263، وكانت المنشأة الرئيسية فى هذا المجمع مملوكية الأصل بناها الأمير شمس الدين سنقر السعدى نقيب المماليك السلطانية فى عهد السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون فى عام 715هـ/1315م، وتضم المجموعة المعمارية مدرسة لتعليم القرآن، وقبة للدفن، ورباطا للنساء والأرامل، وقد استخدم دراويش الطريقة المولوية فى العصر العثمانى المجموعة لتأدية شعائرهم وأنشأوا بها قبة عرفت فيما بعد بالسمع خانة، وتضم تلك القبة ضريحا للشيخ العارف بالله حسن صدقة حفيد الشيخ "ناصر الدين صدقة" وهو واحد من أبرز الدراويش فى العصر العثمانى، وسميت بـ "قبة حسن صدقة" لأن الشيخ الدرويش مدفون بها.

أما بالنسبة للتكية المولوية، فقد شيدها دراويش المولوية فى القرن 11هـ/ 17م على أجزاء من بقايا قصر ومدرسة سنقر السعدى، وكذلك أنشأ فيها "السماع خانة" على الطراز الباروكى العثمانى، وتعد هذه التكية حالياً من أهم المعالم السياحية فى القاهرة القديمة.

 "زاوية الآبار"

الأمير "علاء الدين ايديكن البندقدارى" هو أحد أمراء السلطان الظاهر بيبرس، وهو صاحب الخانقاه التى تحمل رقم أثر 146، وتتكون تلك الخانقاه من قبتين؛ الأولى تطل واجهتها على شارع السيوفية ويوجد أسفلها قبر الأمير علاء الدين ويعلوها تابوت خشبى حُفر علیه تاریخ وفاته، والثانية تقع خلفها ويرجح أن علاء الدين أنشأها لزوجته وتستخدم كقبة دفن ضريحية للنساء، ويفصل بين القبتين مساحة للصلاة وخانقاه للصوفية.

 "سبيل أغا دار السعادة"

سبيل "أغا دار السعادة" يشتهر كذلك باسم "القزلار"، وأنشأه "مصطفى أغا عبد الرحيم" أغا دار السعادة فى عام 1028هـ / 1618م، وكلمة قيزلار تعنى باللغة التركية "البنات"، أما لقب "أغا دار السعادة" فيعنى بالتركية أيضاً وظيفة رئيس دار السعادة، وهى الدار التى تشير إلى أجنحة الحريم وسيدات القصر فى العاصمة العثمانية الأستانة، ويعنى لقب أغا دار السعادة رئيس الطواشية المكلفين بحراسة وإدارة أجنحة سكن الحريم وسيدات القصر.

السبيل ملحق بحوش وخمس حوانیت يعلوه كتاب لتعليم الأطفال مبادئ القراءة والكتابة وعلوم القرآن، وكان هذا القصر عند إنشائه يتكون من فناء أوسط كبير خصص كحديقة للقصر، تتوزع حوله عناصر القصر وأهمها جناح الحرملك والمقعد والإسطبل، لكن لم يتبق من القصر الآن إلا الواجهتان الرئيستان المطلتان على شارع السيوفية والخلفية المطلة على درب الميضأة أو "حارة الشيخ خليل".

 "سبيل أم عباس"

يعد سبيل أم عباس (1284هـ/1867م) أحد أشهر الأسبلة بمدينة القاهرة، ويقع فى تقاطع شارع السيوفية مع شارع الصليبة بمنطقة الخليفة. بنته "بنبى قادن هانم" والدة الخديو عباس باشا الأول وزوجة الأمير أحمد طوسون باشا، وأوقف الخديو عباس هذا السبيل على اسم والدته ليشرب منه الناس الماء المبرد والمحلى بماء الزهر والورد، كما يعد هذا السبيل من أهم وأندر الأسبلة فى مصر حيث تتخذ واجهته تخطيط مثمن الأضلاع، ويحمل زخارف الفن المعمارى العثمانى والأوروبى، كما يحمل كتابات قرآنية بخط الخطاط التركى الشهير "عبد الله بك زهدى"، وقد ألحق بهذا السبيل كتاب لتعليم الأطفال القرآن الكريم.

 	عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

منزل جمال الدين الذهبى فى الغورية.. يتحدى الزمن

قضى الطاعون على أصحابه جميعا و بقى هو مسجل أثر برقم 72 وكان فترة من الوقت مقرا لنقابة الأثريين

عالم التجميل.. بين الوهم والأحلام

من يخض تجربة دخول المستشفى أو حتى عيادة طبية من أجل التجميل تكن الآمال لديه كبيرة جدا، خصوصا إذا كان...

الغلاء.. يسرق فرحة الموسم من البيوت

د. حمدى: ارتفاع الأسعار فى مصر ينتج عن عوامل اجتماعية وسلوكية وليست اقتصادية فقط العسقلانى: يجب التصدى الحاسم للفوضى السعرية...

من أسوان إلى سيناء أهل مصر يجتمعون على الفنون والتراث الشعبى

المريخى: أسوان بطبيعتها تحتضن حضارات متعددة.. والنوبيون أول من استوطنوها حلمى ياسين: التحطيب والحنة والسيرة الهلالية جزء أصيل من الهوية...