«صبحى الطيب».. القصابجى الأخير فـى خـان الخليلى

فن "التقصيب" الذى تعد منطقة خان الخليلى موطنه الأساسى، فكل المحلات فيها تعرض هذا النوع من الفن الذى أغلقت جميع الورش التى تنتجه، أو نقلت لأماكن أخرى بعيدة، لكن هناك

فن "التقصيب" الذى تعد منطقة خان الخليلى موطنه الأساسى، فكل المحلات فيها تعرض هذا النوع من الفن الذى أغلقت جميع الورش التى تنتجه، أو نقلت لأماكن أخرى بعيدة، لكن هناك ورشة ظلت تقاوم فعل الزمن لتؤرخ لهذا الفن الذى اشتهرت به المحروسة، حتى إنها كانت تصدره للبلاد الأخرى، ومنها بلاد الحجاز التى كانت تهديها مصر سنويا كسوة الكعبة.

الحاج صبحى الطيب هو آخر من شارك فى نسج كسوة الكعبة بفن "السيرما" أو "التقصيب"، وورشته كذلك هى الورشة الوحيدة الباقية بخان الخليلي، على الرغم من بابها المتهالك وجدرانها الرطبة التى لا تشير إلى أن وراءها أشخاصا يمتهنون  فنا تستخدم فيه خيوط الذهب والحرير.

وراء الباب مساحة واسعة، لكن على اتساعها لا يوجد بها غير اثنين من  فنانى التقصيب، كل واحد منهما كان منكفئا على اللوحة،  يلضم إبرته بخيوط الحرير والفضة التى يعزلها بدقة متناهية، فلا مكان للخطأ فى هذه المهنة أبدا.

الأسطى محمد حفنى كان ترزيا فى الأصل، لكنه تعلم التقصيب فى ورشة شيخ المهنة "صبحى الطيب" وأصبح عاشقا لهذه المهنة على الرغم كل الصعوبات التى تواجه أصحابها حاليا، خاصة بعد أزمة كورونا، فالمهنة تعتمد اعتمادا كليا على التسويق الخارجي، وكورونا جعل الكثيرين من العاملين فيها يهجرونها ليبحثوا عن مصدر آخر للقمة العيش، قال حنفي: "كان المحمل يخرج من باب النصر بكسوة الكعبة المنسوجة بورش التكية متجها إلى مكة، أما الآن فأقصى ما ننسجه قطع صغيرة فى براويز كهدايا تذكارية" لذلك طالب حفنى بضرورة تدخل الدولة لحماية هذه المهنة من الاندثار قائلا: "المهنة الآن تعافر للبقاء، وكل يوم يقل الطلب على الشغل، فهى لا تستهوى الشباب حاليا لتعلمها، لأن العائد منها ليس مجزيا وتحتاج إلى صبر كبير غير موجود الآن عند أحد، فالكل يبحث عن المكسب السريع دون مجهود، ورعاية الدولة سوف تضمن للعاملين فيها حياة كريمة وستشجع الشباب على التعلم".

فى الجهة المقابلة جلس الأسطى أحمد حسين منكفئا على قطعة من الحرير وخيوط من الذهب، ليحولها بمهارته إلى رسوم وحروف غاية فى الدقة والجمال، لكنه بادرنا دون أن يرفع رأسه من على قطعة القماش قائلا: "هذه المهنة تريد من يعشقها ويعطيها، ولا يفكر فى أخذ المكاسب منها، والسبب فى اندثارها هو عدم صبر الأجيال الجديدة على الانتظار، فالكل يريد المكسب السريع، ولا طاقة له باحتمال التعليم فى البداية بأجر صبى، والكل يريد أن يتقاضى أجور المعلمين والأسطوات، لأنهم من جيل الإنترنت وفيس بوك، لكننا من جيل مختلف، فقد كانت أسرنا ترسلنا بمجرد بداية الإجازة الصيفية لنتعلم صنعة فى أى ورشة تكون أمانا لنا فى الحياة بجانب شهادتنا الدراسية، ومن لا يفلح فى الدراسة تكون مهنته، أو تكون مهنة أخرى بجوار شهادته العلمية، الآن التوك توك والبيع فى الشارع للسلع الصينية صار وسيلة سريعة للكسب، والشاب ممكن يضيع نظره فى اللعب على الموبايل، ولكنه لا يستطيع التركيز ساعة فى تعلم الغرزة".

الذى سمع عن طلعة المحمل من الجمالية، حاملا كسوة الكعبة يترحم على تلك الأيام، فما بالك بالذى شارك فى صناعته وعاش أيام انتعاش صنعة التقصيب، ولايزال يصارع على البقاء، هذا هو الحاج "صبحى الطيب" شيخ مهنة التقصيب؛ الرجل الذى يشرف على العقد الثامن من العمر، لكنه يتابع ويتدخل فى توجيه الأسطوات بالورشة، ويقدم لهم النصائح التى لا تأتى إلا من خبير شاركت ورشته فى يوم ما فى نسج كسوة الكعبة.

بدأ الحاج صبحى كصبى يناول الخيط  للفنيين، بعدها تدرج فى كل المراحل من كتابة الخطوط والرسم الزخرفى ولضم الخيط وشد النسيج والحشو ثم الكتابة، وبعد خروج آخر كسوة للكعبة من ورشة عائلته اعتزل والده المهنة تماما، ورأى أنه من العيب أن ينسج عملا آخر بعد كسوة الكعبة، فهى كانت تشريفا للعاملين عليها بالإضافة إلى أنها كانت أعلى أجرا، لأنها كانت تنسج بخيوط من الذهب الخالص.

وتذكر الحاج صبحى الطيب: "بوفاة كل الذين عملوا فى كسوة الكعبة، بدأت ورش التقصيب تغلق أبوابها، وقام الورثة بتغيير النشاط أو بيعها، وبعض الأسطوات استقدمتهم السعودية للعمل فى كسوة الكعبة هناك".

أما أبرز الأعمال التى يفتخر الطيب بتصميمها وخروجها من ورشته فهى كسوة لأحد أبواب قصر سلطان بروناي، طولها ستة أمتار، سعرها الآن لا يقل عن المليون جنيه، فنظرا لتاريخه فى المهنة، صار محط أنظار الملوك والرؤساء فى تصميم وتصليح مقتنياتهم، قال الطيب: "فترة السبعينات كانت من الفترات التى جددت شباب الصنعة، حيث كانت تصنع النياشين العسكرية  والميداليات الرياضية وشارات الضباط فى ورش التقصيب يدويا، وهو ما جعل جيلا جديدا يتعلم لرواج المهنة فى ذلك الوقت، حتى إن بعض الطلبيات المفاجئة لتخريج دفعات جديدة من الكليات العسكرية، كان يتطلب العمل ليلا ونهارا، حتى ظهرت الماكينات فعادت الصنعة للأفول مرة أخرى، فضلا  عن ارتفاع أسعار الخامات للخيوط الأساسية فى الصناعة، بالإضافة لارتفاع سعر كيلو خيوط الذهب الذى وصل لـ 200 ألف جنيه والفضة إلى 160 ألفا، فأصبح الطلب عليها من الأغنياء الذين يقدرون فن التقصيب، ويطلبون منه تصميمات معينة يتبادلونها كهدايا ذات قيمة فى المناسبات بينهم أو يطلبون قطعة صغيرة من نسيج كسوة الكعبة ويقومون بتعليقها فى البيت للتبرك بها". 


 	عفاف على

عفاف على

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

الاستعانة بـ«الروبوت» فى العمليات الجراحية لأول مرة فى مصر

أعلنت وزارة الصحة المصرية مؤخرًا عن بدء تشغيل أول روبوت جراحى فى مستشفيات الوزارة بمعهد ناصر،

ضحايا الكلاب الضالة.. بين القتـل والإصابات الخطرة

من دفتر أحوال الشرطة وفقاً لتقارير الداخلية حوادث العقر منتشرة فى فى أكثر من محافظة

العنف ضد المرأة.. جرس إنـذار لمجتمع فى أزمة

عبير عاطف: يجب تبنى استراتيجية شاملة لتعزيز مهارات التفاهم والهدوء النفسى قبل الزواج إبراهيم عطية: الظروف الاقتصادية تؤدى إلى شجار...

رودينا تامر: أم كلثوم قدوتى الفنية

حصلت على المركز الأول فى الغناء على مستوى الجمهورية